البوصلة التركية المضطربة


 

شهدت الأيام الأخيره انتكاسه حاده للعلاقات الأوربيه ـالتركيه وصلت الى حد تبادل التهم الثقيله وغلق بعض القنصليات وطلبات بعدم عودة السفراء من بلدانهم الى سفاراتهم في انقره وشرارة الحريق اشتعلت من ألمانيا , حين قامت الأخيره بإلغاء البرنامج الانتخابي الخاص بوزراء الحكومة التركية الذين كانوا في طريقهم لألمانيا الترويج للنظام الرئاسي الذي يعمل على فرضه أردوغان وحزبه ـ حزب العدالة والتنمية ـ عرّابه، أملا في ترسيخ سلطاته بتشريع مزيدا من الصلاحيات الدستوريه للرئيس والذي تراه ألمانيا وكل الدول الأوربيه على أنه خطوه بإتجاة مضاد للديمقراطيه وتكريس لمبدأ التفرد بالسلطة والقرار وحصرها بيد الرئيس النهج الذي ترفضه الدول الأوربيه ويعاكس دساتير بلدانها ومنظوماتها الديمقراطيه والتشريعيه .. بل وحت المزاج الشعبي الأوروبي . هذا الأمر تسبب بنشو ب توتر بين البلدين، انتقلت شراراته لتشمل عدة دول أوروبية أخرى.

ولعل هولندا كانت المحطه الأبرز لتمددات الرفض الألماني أوربيا عبر رفضها أو مطالبتها من الحكومة التركية التراجع عن إرسال الوزراء والنواب إلى أراضيها، بدعوى “الحفاظ على الأمن”. ولعل هولندا تمادت في حدتها ا بإجراءات إعلامية ودبلوماسية تصعيدية تمثلت باجراءات (( غير دبلوماسيه )) حين منعت وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلومن الهبوط بطائرته في أحد مطاراتها، على الرغم من وجود إذن مسبق، ، كما رفضت دخول وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية فاطمة بتول صيان قايا، إلى مقر القنصلية التركية في مدينة روتردام، ثم أبعدتها إلى ألمانيا في وقت لاحق، وكان ذلك الخرق الدبلوماسي الثاني الذي وقعت به هولندا لتندلع تظاهرات نظمها مؤيدون للحكومة التركية في هولندا قرب القنصلية في روتردام فرقها الأمن الهولندي بالقوة، وتظاهرات أخرى تركية أمام القنصلية الهولندية في إسطنبول، والسفارة الهولندية في أنقرة، وقد انتشرت قوات من الشرطة التركية في محيط السفارة والقنصلية الهولندية، ومنعت الخروج والدخول إليها.، ,وبعكس النمسا والسويد والدنمارك التي أبدت بلغة دبلوماسية لبقة عدم رغبتهم في المساهمة في تصعيد الأزمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي عبر دعوة تركيا إلى تخفيف حدة التوتر،واقتراحهم عليها عدم إرسال الوزراء والنواب في الفترة الحالية على الأقل.

الإستفزاز الهولندي والموقف الأوربي أوقع تركيا في مطب الإنفعال والوعيد وإطلاق التواصيف ثقيلة العيار والتهديدات العصبيه من التصريحات الحكوميه البعيده كل البعد عن الدبلوماسية والحنكه رافقها خطابا إعلاميا عدائيا لاذعا تجاه الدول الأوربيه الأمر الذي غطى على الخروق الدبلوماسيه الهولنديه وأكسب الموقف الأوربي (( الحق )) من خلال عدم إحترافية الخطاب الدبلوماسي التركي المتخبط .

تزامن الإستفتاء الشعبي التركي المصيري (( على الديمقراطيه الأتاتوركيه )) مع اقتراب مواعيد الإنتخابات في دول الإتحاد الأوروبي ,ربما يكون أحد اسباب هذا التوتر لكنه ليس السبب الوحيد في الواقع , لذا يبدو أن إظهار العداء لتركيا هو أحد المحاولات الانتخابية للحكومات الأوروبية لكسب ثقة الناخبين المتشبعين بخطابات اليمين الأوروبي المتطرف الصاعد، وسيتبارى الجميع في إظهار هذا العداء بأثواب مختلفة في الفترة القادمة. وعلى الجانب الآخر لن تتوانى الحكومة التركية في استغلال هذا التعنت الأوروبي غير المبرر حاليًا، في الترويج لحملة التعديلات الدستورية التركية، بعد استثارة الحس القومي التركي تجاه هذا العداء الأوروبي، وهو ما قد يكون حاسمًا في نتيجة الاستفتاء القادم. فالخلافات الأوربيه التركيه

متعدده وعميقه وفي واقع الأمر أن هذا التوتر اليوم هو إحدى إفرازاتها المتوقعه منذ زمن فأوربا كانت ولاتزال تنظر الى تركيا على أنها دولة من دول العالم الثالث وانها حديفتها الخلفيه التي لايسمح لها بالخروج من هذا الإطار الذي وضعت به منذ تاسيس تركيا الحيثه تحت قيادة اتاتورك عام 1923 وعلى الأرجح، تضغط بعض الدول الأوروبية، عبر تأجيج التوتر، على تركيا لثنيها عن مواصلة التعاون مع روسيا، كما يبدو أنها تحاول إعاقة تحول النظام البرلماني في تركيا إلى نظام رئاسي، لأن النظام الرئاسي يعني انتهاء إمكانية توجيه المسار السياسي في تركيا، فمن خلال النظام البرلماني يمكن للاتحاد الأوروبي دعم أحزاب المعارضة ضد الحزب الحاكم، سواء كان حزب العدالة والتنمية أو غيره، ولكن مع تأسيس النظام الرئاسي ستفقد هذا العنصر المؤثر، لأن الرئيس الذي سيتم اختياره لا شك سيكون مخاطبًا لآمال الشعب التركي المعارض أصلًا للتقارب مع الاتحاد الأوروبي ,

وإن أردت أن أعدد أبرز هذه الخلافات يمكن إختصارها بالتالي :ــ

ـ موقف الدول الأوربيه الضبابي من طلبات تركيا المتعدده للإتحاد الأوروبي (حلم تركيا المزمن ) الذي تأكد لنا كل التحليلات العقلانيه شبه استحالة قبول تركيا كعضو فيه ولأسباب منطقيه (( أوروبيا )) .

ـ موقف تركيا العدائي من حلف الناتو وانتقادها المستمر لسياساته الدفاعيه والتزاماته التحالفيه
((وبالتحديد حادثة سحب هولندا والمانيا والولايات المتحده الأميركيه منظوماتها الدفاعيه من الحدود السوريه التركيه التي قامت الحلف بنصبها حسب الطلب الذي قدمته تركيا الى الحلف درءا للتهديدات السوريه عام 2012 والذي ارتأت الدول الثلاث وبقية دول الحلف انتفاء الحاجه لها عام 2016 ))
ـ توسع تركيا بتحالفات عسكريه مع الصين وروسيا المنافسان التقليديان لحلف الناتو وما يشكل هذا التقارب والتوسع والإتفاقيات الدفاعيه الضخمه مع الصين خاصه من اعادة النظر في علاقتها مع تركيا والتي تظن بدورها أن هذا التوسع سيشكل ضغطا على الحلف بأمل رجحان الكفه الى صالحها .

ـ إختلاف المواقف الأوربيه عن الموقف التركي بالنسبة للأزمة في سوريا والعراق وسجل تركيا في دعم داعش وتسهيل تحركاته الى البلدين واستضافة قادته وجرحاه واستغلال أزمة اللاجئين والتلويح بها كورقة ضغط على أوربا الأمر الذي أدى بالتأكيد من طرف أوربا الى تسريع الإتفاق النووي مع طهران والتقارب مع روسيا على حساب الحليف التركي القديم والقبول ببقاء الأسد بالسلطة من جهه ((عكس ما تريد تركيا وحلفائها المحليين ) وزيادة الدعم والمشاركه الأوربيه على الجبهه العراقيه ضد داعش لإضعاف اوراق الضغط التركي ضد اوربا .

ـ التوترات الإقليميه أوربيا بين تركيا و أرمينيا واليونان .

ـ السياسات التركيه الداخليه سواء تصفية خصوم أردوغان في الداخل بعد محاولة الإنقلاب الأخير أو في الخارج كما في حالة عبد الله كولن ناهيك عن تعاملها مع الورقه الكرديه داخليا ومحاولة زج أكراد سوريا والعراق كأطراف لحل تلك الأزمه الداخليه بالإنغماس المباشر مع طرف كردي ضد طرف آخر وخلق بؤر توتر وتمزيق بين الأكراد أنفسهم من جهه وحكومات العراق وسوريا من جهة أخرى .
بالعموم تركيا بحاجه الى أوربا و أوربا بحاجه الى تركيا

تركيا تحتاج الى أوربا للإبقاء على نفوذها السياسي والعسكري في المنطقه والإبقاء على حلمها بالإنضمام الى الإتحاد الأوربي .
أوربا تحتاج الى تركيا لنفس السبب عسكريا كما تحتاج اليها لحل أزمة الإرهاب واللاجئين فالعلاقات التركية الأوروبية تشهد خلافات حادة في السنوات الأخيرة على خلفية أزمة اللاجئين السوريين، والتي ألقت بظلالها على مفاوضات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تعثرت مرارًا بسبب اتهام الأوروبيين لتركيا بابتزازهم خلال الأزمة، بعدما وقعت ألمانيا اتفاقًا مع تركيا يقضي بمنع تدفق المهاجرين إلى أوروبا مقابل حزمة مساعدات وتقدم في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد..

وانطلاقًا من ذلك، قد يتعرض الاتحاد الأوروبي لنتائج سلبية في حالة ما إذا سمحت تركيا للاجئين بالانطلاق نحو بلدانها، وقد تتأثر تركيا سلبًا في حال تخلى الاتحاد الأوروبي عن دعمها في موقفها من حل الأزمة السورية، لا سيما في ظل ظهور بعض ملامح التنسيق الروسي الأمريكي في سوريا، تحديدًا في منبج، أما التداعيات الإيجابية لتركيا من هذا التوتر، فتتمثل في ضمان مرور الاستفتاء الشعبي لصالح النظام الرئاسي، وتقريب روسيا أكثر منها،

وفي ظل هذا الإضطراب في البوصله التركيه أرى أن تركيا قد أحاطت نفسها بمجموعة من التوترات دون أن تلجأ الى الإسلوب الهاديء الناعم الذي تفتقده بعكس جارتها وعدوها الحقيقي أيران .
قد تربح تركيا نتيجة الإستفتاء …لكنها ستدفع ضريبة غاليه جدا الى أوربا …تلك هي المعادلة .

لا تعليقات

اترك رد