قراءة في ديوان .. (هاك أجنحتي) – للدكتورة سجال الركابي

 

أيّتها الوردةُ الغافية

لو كُنْتُ أنتِ لأستيقظتُ …

اللحظةُ معبرٌ زَلِقٌ

والربيعُ سريع ُالذوبانِ

تداعب الموت بجفون قلم، تقاتل بسيف فكرة، تتلفع بعدم زاخر بالوجود، تتوحد ذاتها مع الجمال لينبلج فردوس غرسه أحرف من نور، تضع كلماتها على وتيرة عشق معتق للحياة، والميل نحو التغني بالجمال، وحب الحياة وان ضاقت بنفسها الحياة ، حياة الدكتوره سجال الركابي التي تتأرجح على الرياح، تحلقفيها لتمسك بيديها عناقيد النجوم، تتثاقل الخطى حين يغشيها الكرى لتبصر عوالم أخر لم تطأها ألاقدام، فدخلت ثنايا الحلم ودهاليز التخيلات وما بعد الوجود، حاكت العدم وحاكت له بسنارة من حروف قصصا جعلته يبوح عن ذات من خواء، ولجت ديار ثمود التي ما ابقت الريح فيها من اثر، لتخط سبيلا للريح والأثر، وكيف لا وهي تصف يقظة السهاد بقولها

حينَ تتشابك النجومُ والرموشُ
على إيقاع نبضٍ منفرد
يجنُّ السهادُ في رقصةِ غجَر…!!


تسبغ الدكتوره سجال الركابي ألوانا وأوصافا غير مسبوقة من قبل على الأشياء، فهي من رسمت الحلم ولونت المطر لتجعله أزرق اللون في اشارة ذكية منها الى وصف الوحدة ، الوحدة حين تكون راحة لا وحشة، ليرنو البصر نحو كوكب دري يتوسط السماء ساعة الفجر، وقصائدها في هذا الديوان تتنوع بين وصف العشق وخفايا الوجود وعلاقة لاتكاد تنفصم عراها بين الميلاد والموت، فما بين ولادة وموت تكون الحياة بجميع خباياها التي صورتها الشاعرة بلغة متفردة جديدة.
ان اللغة التي خطت بها الدكتورة الركابي قصائدها تعد يسيرة لكنها عميقة، ليست لغزا لكنها تضع أمامك الف لغز، لا تعتمد التعقيد لأنها تعد اللغة وسيلة لا غاية، وسيلة لأمور اعمق وأكبر .. انها لا ترتضي أن يكون القاريء بحاجة الى قاموس لغات .. بل هي بأمس الحاجة الى فكر القاريء الذي ينبغي أن يرتقي ليبلغ مراميها وما تقصد.. ففي قصيدتها ( متكيء) :

وابحرتُ …في عينيك

على متنِ زفرةٍ

تُردّدُ :

آمنتُ …بحلوِعذابِك

أيُّها المُتّكئُ

جُرحاً فاغراً ذِكراه !!

اما الموسيقيه ، والتي تعد عماد القصيدة بما تضمه تحت جناحيها من وزن وتناسق لفظي ، فاننا نقف امام لوحات تنسال كالجداول دون ان توصد وجهها صخور التكلف أو يصاب اللقاريء بالتململ ، فهو يقرأ نفسه بين معانيها وما تروم الوصول اليه،ففي قصيدة ارق التي مطلعها :

أساومُ الأرقَ من أجلِ هدنة

يصفعني بسوطٍ حارِق

تفرّ الأحلام

يسقط النوم من الشُرفة

***
اشتهي تطايرَ الشررِ

من حرفكَ الألِقِ

يحاورني الملاك فيَّ

فأنثَني

لم تُجِبْ مريمَ حينَ سأٓلتُها

يوسفُ همسَ

قُدّي قميصَهُ مِن قُبلِ

انها في صراع مع الارق ، تهرب منها الاحلام وتنطفيء كما الشهب ساعة السحر، ثم توظف قصة يوسف بذكاء ، وقميصه الذي قد من (قبل) .. وبذا فان اللغة هاهنا والمتيسرة حد البساطة لا تعني النبسط والسطحية مطلقا ولا تعني انك تفهم مرام الشاعرة دون ان تتجانس افكارك وافكارها وتفكرك بعمقك وعمقها في آن واحد..
اما بنيوية القصيدة أو الومضة، فتبدو نهايتها متممة لمطلعها مهما تغير المضمون وتشتتت معانيه ، فهي تمسك بالفكرة فتبسطها وتسبغ عليها من جميل الألفاظ ما يسحرك لتلهمها ، ثم تكون الضربة الأدبية ختامها ..

ففي قصيدتها (متكيء) تقول في مطلعها …

وابحرتُ …في عينيك

على متنِ زفرةٍ

تُردّدُ :

آمنتُ …بحلوِعذابِك
الى هاهنا وتبدو المعاناة والشكوى قد تجلت أمام النواظر كتبرم معتاد ، لكنها تتمم نداءها نحو ذلك (المتكيء) المتخفي خلف صمته، رسول السكون، بقولها :

أيُّها المُتّكئُ

جُرحاً فاغراً ذِكراه
انهمرت النبضات
غطّاها الجليد
رُبّما تشرق الشمس !!!

واذا ماكانت الموسيقيه هي الركن الهام من القصيدة، فان الصورة وكيفية تناولها ورسمها تعد الركن الأهم لانها تستفز ذائقة القاريء وتستفزه وتنهل من دهشته وذهوله، ولعلنا نستطيع أن نصف ديوانها بأنه فيض من صور ونهر من ألوان تتماوج لترسم نفسها بنفسها ، ونظرة سريعة نحو الصور يمكن لنا ان نتخيل الكيفية التي ترسم بها ديوانها (أتلاشى … سحابة نجمٍ ،فهل؟ وصلت سماواتك ؟) (أتلاشى … سحابة نجمٍ .. فهل؟ وصلت سماواتك؟)
وهذه الصورة المدهشة :

جنّيّة صحوكَ
جنّيّة نسغكَ … سأكون……
إن تأمّلتَ … ترى
… بعضك … في أساريري !!

وترسم الانتظار حتى لتخاله يرسم نفسه بقولها:

في انتِظاركَ
ظمأ الصبرُ
فارتَشَفَتني الرتابة..

وما ابدعها من صورة للأرق ترسمها بانامل فنانة بارعة :

أساومُ الأرقَ من أجلِ هدنة
يصفعني بسوطٍ حارِق
تفرّ الأحلام
يسقط النوم من الشُرفة !!

اما الفلسفة في شعرها وومضاتها فتبدو في (أشيأة) اللاملموس وجعله كائنا يتنفس ويراقص الموج ويراقص الريح، جعلت من اللاشيء (شيئا) له كيان وان كان عدما ، وجعلت من سلبية وزنه ونقصه عاملا مؤثرا في الوجود ، وكيف لا وهي التي تغنت بالنسيان والتلاشي والعدم والاندثار وماض ذابت أشباحه ..

الهواء ينهمرُ بكَ
هذا الصباح
ولستَ سوى نِسيان…؟
أتُراهُ … …
آذار أفشاكَ…!
ياه … ياللغفلة
كيفَ اقتربتُ…!
دونَ رداءٍ مُضادٍ للاشتعال… …
حين افتقدتك هذا الصباح
نادتني هالة ورد الشجرة
عمَّ تبحثين؟
أنا هوَ … !!

لا تعتمد الشاعرة ها هنا على فلسفة واحدة او ضرب واحد منم ضروبها، اذ تختار من وحدة الوجود ما يوحد جمال الوجود ومن الفلسفة الوجودية قدرة النفس على تخير الجانب المضيء من النفس حين تتوق للخير ، ومن فلسفة نيتشه تلك القدرة على الوصول الى الكمال، ومن فلسفة اللاهوت ذلك الايمان بالله الواحد الأحد، فهي في النهاية انسانة تؤمن بالله ودينها وما يمليه عليها من صلاح ونقاء وتقرب الى الله الواحد القهار.
ان مطالعة لقصيدة واحدة في ديوانها والتي تحمل عنوان (أزركش الصمت) ينم عن محتواها ويستفز حواس القاريء نحوها ، فأي نوع من الصمت ذلك الذي يتقبل البصمات وينحني للتلوين؟ تلك التي مطلعها :

أُزركِشُ الصمتَ على شجرة ِ خريفٍ خرساء

أرتشِفُ ضوءَ القمر بكأسِ شظايا أحلامٍ مُستنفدة !!

ألتحفُ رَثاثةَ الأفول

لَن أبكي أبداً…….

جفوني تصفعُ ذهولَ الدمعِ !

ترسم ها هنا صورة جلية للغياب، فهي ترتشف ضوء القمر بكأس من شظايا احلام مستهلكة مكررة، وتلتحف رثاثة الافول ، في اشارة منها لماض لن يعود وحاضر يفتقد دفق العواطف وجمال الحياة، ومع ذلك فهي ترسم بموازاتها قوة تصفع الضعف.. تصفع الصمت .. بصمت من نوع آخر ..غير مألوف !
ما ذاكَ الصدى شاحبُ الأنينِ
سوى…!

غصَّةِ لامبالاةٍ مستحدثة

سأجزّ قسوةَ شوقٍ متأجّجِ الأطراف

أرتدي تاجَ صمتٍ

مُرصّعٍ بخذلانٍ مُستَمرّ

وغليانٍ لفّهُ ضبابُ جليدٍ صابرٍ

انها ترتدي تاج الصمت المرصع بالخذلان، وتجمع الغليان يلفه الجليد!! تكتنفها قدرة مدهشة على الجمع بين المتناقضات، وبناء سردية من كلمات على طرفي نقيض بناء خلاقا،يخلو من الحشر ولي عنق المعاني لتأتي المعاني منسالة وهي تخفي ذلك التناقض تماما، فتكاد تشعر بقوة تهيمن على النفس والنص، ومغامرة لا يقدم عليها سوى المتمكن من أدواته المستحضر لما يود البوح به من فكرة في النهاية دون أدنى ضياع في الطاقة الجمالية لمتن القصيدة ..

فإن جِئتَني مدحورَ الزهوِ

مُرتبِكَ الزمَانِ

لن أُكرّر خطئي … بل خطيئتي

حينَ اعتنقتُكَ امرأةً

صبِئتَني كرَجُل

ان كلمات متيسرة ومقتضبة لا تكفي لتناول ديوان ( هاك أجنحتي) ، بل أن تستعير أجنحتها وتحلق فوق ربا جمال رسمتها يديها وتقف عند اعتاب فردوس أخضر لا يدرك مسالكه سواها ..
ديوان يعِد بما وراء الحداثة بشكلها الجميل الخالي من الجمود والفجاجة، يرسم الومضات فلا تلمح من تكلف أو اصطناع، تجاوز القافية والوزن بما هو أعمق من ذلك.. الصورة التي حلقت عاليا بأجنحة كثيرة لا جناحين.. بل بأجنحتها كلها !!

لا تعليقات

اترك رد