جورج طرابيشي: في ذكراه السنوية الأولى


 

ان شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب ، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن

جورج طرابيشي

عام مضى على رحيل المفكر و رائد الثورة الفكرية السورية و واحد من اهم الشخصيات و الوجوه الثقافية في الوطن العربي تاركاً فراغاً لا يعوض.
جورج طرابيشي من مواليد مدينة حلب 1939م ناقد و مؤلف و مترجم رحل عن عالمنا عن عمر ناهز 77عاماً تاركاً ورائه ارثاً ثقافياً كبير عمل مديراً لإذاعة دمشق بين عامي (1963-1964) ثم رئيساً لمجلة دراسات عربية ثم محرراً رئيسياً لمجلة الوحدة أثناء اقامته في لبنان بين (1984-1989)

ثم غادر الى فرنسا للاقامة حيت غاص المفكر السوري في التراث و ألتجا الى الكتابة و التأليف و الترجمة
طرابيشي صاحب موسوعة (نقد نقد العقل العربي ) و (من إسلام القرآن الى إسلام الحديث)
نذر حياته و قد تميّز طرابيشي بالترجمة و ترجم العديد حتى تجاوزت 200 مئتي كتاب من أعمال كبار رواد الفكر والثقافة و الفلاسفة امثال هيغل و سارتر و سيغموند فرويد الذي أثرت فيه أعماله تأثيراً كبيراً
و كتب عن هذه النقلة في اعماله من خلال كتابه (ست محطات في حياتي)
والتي اشبه ما تكون الى السيرة الذاتية المختصرة و نستخلص المحطة الرابعة ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺗﻲ ، ﻭ ﺑﻌﺪ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺒﻌﺜﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻳﺔ ﻭالماركسية ﺟﺎﺀ ﺩﻭﺭ سيغموند ﻓﺮﻭﻳﺪ .
ﻭﻗﺼﺘﻲ ﻣﻊ ﻓﺮﻭﻳﺪ ﺑﺪﺃﺕ ﺑﻮﺍﻗﻌﺔ ﻻ ﺗﺨﻠﻮ ﻣﻦ ﻃﺮﺍﻓﺔ . ﻓﺒﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﺰﻭﺟﺖ ﻭﺻﺎﺭ ﻋﻨﺪﻱ ﺑﻨﺘﺎﻥ ﻛﻨﺖ، ﻛﻠّﻤﺎ ﺟﻠﺴﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ ﻵﻛﻞ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ، ﺃﻣﺴﻚ ﺑﺮﻏﻴﻒ ﺍﻟﺨﺒﺰ – ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﻳﺎ ﺍﻟﺨﺒﺰ ﺍﻟﻌﺮﺑـﻲ، ﻭﻫﻮ ﻏﻴﺮ ﺩﺍﺭﺝ ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﺒﻠﺪﺍﻥ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ – ﻓﻼ ﺃﺟﺪ ﻧﻔﺴﻲ ﺇﻻ ﻭ اﻧﺎ ﺃﻗﻄّﻌﻪ ﻣﻦ ﺃﻃﺮﺍﻓﻪ ﻻ ﺷﻌﻮﺭﻳﺎً ﻭﺯﻭﺟﺘﻲ ﻭ ﺍﺑﻨﺘﻲ ﻗﺎﻋﺪﺗﺎﻥ ﺃﻣﺎﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ ﺗﺄﻛﻼﻥ، ﻭﻛﻨﺖ ﻻ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﻣﻨﻊ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻦ ﺗﻔﺘﻴﺖ ﺍﻟﺨﺒﺰ ﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻌﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ ﺿﻴﻒ.ﻛﺎﻧﺖ ﺯﻭﺟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻲ ﺑﻠﻬﺠﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﻠﺒﻴﺔ : ﻋﻴﺐ ﻳﺎ ﺟﻮﺭﺝ، ﺍﻟﻨّﺎﺱ ﺑﺸﻮﻓﻮﻙ، ﻭﺑﻨﺎﺗﻚ ﻳﺘﻌﻠﻤﻮﺍ ﻫﺎﻟﻌﺎﺩﺓ ، ﻭﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﺿﻴﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ ﻳﺮﻭﻧﻚ ﺗﻔﺘِّﺖ ﺍﻟﺨﺒﺰ ﻗﺪّﺍﻣﻬﻢ ﻫﻜﺬﺍ ! ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻗﻮﻝ ﻟﻬﺎ : ﻣﻌﻚ ﺣﻖّ . ﻭﻟﻜﻦ ﻛﻞّ ﻣﺮّﺓ ﺃﻧﺴﻰ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﺃﻋﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺗﻤﺰﻳﻖ ﺍﻟﺮﻏﻴﻒ ﺑﺪﻭﻥ ﻗﺼﺪ ﻭﻻ ﺍﻧﺘﺒﺎﻩ ﻣﻨﻲ . ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺇﻟـﻰ ﺃﻥ ﺻﺎﺩﻑ ﺫﺍﺕ ﻣﺮﺓ ﺃﻥ ﻗﺮﺃﺕ ﻣﻘﺎﻻً – ﻻ ﺃﻋﺘﻘﺪ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻟﻔﺮﻭﻳﺪ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻷﺣﺪ ﺗﻼﻣﻴﺬﻩ – ﻳﺤﻜﻲ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﻨّﻔﺴﻴﺔ ﻭﻳﻌﺘﺒﺮﻫﺎ ﻋﺮﺿﺎً ﻋﺼﺎﺑﻴﺎً ﺑﺼﻔﺘﻬﺎ ﻓﻌﻞ ﺗﻤﺰﻳﻖ ﻻﺇﺭﺍﺩﻱ ﻭﻻﺷﻌﻮﺭﻱ ﻟﻸﺏ . ﻭﺃﻧﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻗﺮﺃﺕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﺃﺻﺒﺖ ﺑﺮﺟﻔﺔ : ﻓﺄﻧﺎ ﺇﺫﻥ ﺃﻣﺰّﻕ ﺃﺑﻲ ! ﻭﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻛﻨﺖ ﻋﻠﻰ ﺻﺪﺍﻡ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻫﻘﺘﻲ ﻣﻊ ﺃﺑﻲ . ﻭﻣﻨﺬ ﺃﻥ ﻗﺮﺃﺕ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﺍﻧﻔﺘﺤﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ، ﻭﻋﻜﻔﺖ ﻋﻠﻰ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻓﺮﻭﻳﺪ ﺛﻢ ﺷﺮﻋﺖ ﺃﺗﺮﺟﻢ ﻟﻪ . ﻭﻭﺟﺪﺗﻨﻲ ﺃﺗﺼﺎﻟﺢ ﻣﻊ ﺃﺑﻲ – ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻗﺪ ﻣﻀﺖ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﻭﻓﺎﺗﻪ – ﻭﺃﺻﻔّﻲ ﺣﺴﺎﺑﻲ ﻣﻊ ﻧﻔﺴﻲ ﺗﺠﺎﻩ ﺃﺑﻲ ﻭﺃﺳﺘﻌﻴﺪ ﻧﺴﺒﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻭﺃﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻧﻈﺮﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺇﻟﻰ ﺣﺪّ ﻣﺎ . ﻭﻟﻘﺪ ﺗﺮﺟﻤﺖ ﻟﻔﺮﻭﻳﺪ ﻧﺤﻮﺍً ﻣﻦ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﻛﺘﺎﺑﺎً، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺑﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻟﻢ ﺃﺗﺮﺟﻤﻬﺎ ﻋﻦ ﻟﻐﺘﻬﺎ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺑﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ . ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺍﻟﻤﺜﻞ الأيطالي الذي ﻳﻘﻮﻝ : ﺍﻟﻤﺘﺮﺟﻢ ﺧﺎﺋﻦ Traduttore, traditore . ﻭﺃﻧﺎ ﺇﺫ ﻛﻨﺖ ﺃﺗﺮﺟﻢ ﻋﻦ ﻟﻐﺔ ﻋﻦ ﻟﻐﺔ ﻓﻬﻲ ﺧﻴﺎﻧﺔ ﻣﺰﺩﻭﺟﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺧﻴﺎﺭاً ﻻ ﺑﺪّ ﻣﻨﻪ ﻷﻧّﻪ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﻴﻤﻦ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﺍﻟﻠﻐﺘﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺍﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، ﻣﻦ ﻳﺘﻘﻦ ﺍﻟﺘﺮﺟﻤﺔ ﻋﻦ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﺳﻮﻯ ﻗﻠﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ . ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﺃﺗﺮﺟﻢ ﻓﺮﻭﻳﺪ ﺃﻭ ﻟﻢ ﻳﺘﺮﺟﻤﻪ ﻏﻴﺮﻱ ﺳﻮﺍﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻳﺔ ﻟﺒﻘﻴﺖ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴّﺔ ﺑﺪﻭﻥ ﻓﺮﻭﻳﺪ ﻭﺑﺪﻭﻥ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﻧﻔﺴﻲ، ﻭﻫﺬﺍ ﺷﻲﺀ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﺒﻮﻝ . ﻭﻃﺒﻌﺎً ﺃﻧﺎ ﺧﻨﺖ خيانة ﻣﺰﺩﻭﺟﺔ ﺑﺎﻟﺘﺮﺟﻤﺔ ﻋﻦ ﻟﻐﺔ ﻋﻦ ﻟﻐﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻋﺘﻘﺪ ﺃﻧﻲ ﺃﺩﻳﺖ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺧﺪﻣﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ . ﻭﺃﻧﺎ ﻣﻨﺼﺮﻑ ﺍﻟﻴﻮﻡ ، ﻭﻣﻨﺬ ﻋﺎﻡ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎً، ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺗﺮﺟﻤﺎﺗﻲ ﺍﻟﻔﺮﻭﻳﺪﻳﺔ ﻣﺴﺘﻔﻴﺪﺍً ﻣﻦ ﺻﺪﻭﺭ ﺗﺮﺟﻤﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﻔﺮﻭﻳﺪ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ – ﺗﺮﺟﻤﺘﻴﻦ ﺃﻭ ﺛﻼﺙ ﻟﻠﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍً ﻹﻋﺎﺩﺓ ﻃﺒﻌﻬﺎ ﻣﻨﻘﺤﺔ ﻭﺃﻛﺜﺮ ﻣﻄﺎﺑَﻘﺔ ﻟﻠﻨﺺ ﺍﻷﺻﻠﻲ، ﻣﺘﻤﻨﻴﺎً ﺃﻥ ﻳﺄﺗﻲ ﺫﺍﺕ ﻳﻮﻡ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﺘﺮﺟﻤﻮﻥ ﻳﺘﺮﺟﻤﻮﻥ ﻋﻦ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ

له عدد من الدراسات و الأبحاث منها (الماركسية و المسألة القومية) ( رمزية المرأة في الرواية العربية)
(مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة)

و عُرف عنه عن علاقته مع محمد الجابري حيث حمل معه كتاب تكوين العقل العربي و اعترف جورج بأنه اثر فيه كثيراً لكن العلاقة لم تستمر حيث اكتشف في سياق دراسته ” أعتماد الجابري على شواهد مغلوطة و مقطوعة من سياقها ومفسرة من غير سياقها ” على حد تعبيره.

حيث قال صادق جلال العظم بحقه

فارقنا النهضوي الأول وترك فينا، وترك لنا فجأة ثقباً أسود بحجم نيزك كبير، لمع طويلاً وأضاء كثيراً ثم عبر. ثقب أسود في الفضاء العربي شكله شكل ثقافة تنهض وتتعثر، فكر يستقيظ ويغفو، نقد يعرّي ويخبو، بحث يتحرك ويموت في أرضه، سياسة تنطلق ولا تصل، حداثة تمشي ورأسها مندار إلى الوراء.
و كما عهدنا في كبار النهضويين في العصور الحديثة، لم يترك جورج ناحية من نواحي ثقبنا الأسود هذا ألاّ و أشعل فيها أكثر من شمعة.
شمعة في السياسة، شمعة في الأيديولوجيا، شمعة في الأدب، شمعة في النقد، شمعة في الترجمة، شمعة في التراث، شمعة في الدين، شمعة في الفلسفة ، شمعة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، شمعة في عموم حياتنا الثقافية الحائرة والمتمردة دوماً.
كأي نهضوي كبير قاوم جورج، بثقافته الموسوعية وبمراجعته النقدية الدائمة للمناهج المعرفية وللأدوات البحثية عنده وعند غيره، نزعات النكوص القروسطية وميول الاستغراق في الماضوية العقيمة، كما قاوم توهمات وإغراءات المشاريع الكبرى الرائجة لاستنباط الحاضر من التراث السحيق ولصنع المستقبل من الماضي القديم على طريقة: «من العقيدة إلى الثورة»، «من الثابت إلى المتحول»، «من التراث إلى الثورة» ، «من العرفان في المشرق إلى البرهان في المغرب» ، «من سيمياء العلاقات التراثية إلى حاضر الحداثة العربية»، «من خيمياء تأويل تأويل التأويل النصوصي إلى المعاصرة الحياتية».
و كأي عقل نهضوي ناضج، منفتح على وقائع العالم المتجددة وعارف بوقائع التاريخ المتحركة وشاعر بقوى العصر الفاعلة، لم يتجمد جورج أبداً في موقع واحد بعينه، من دون أن يأبه بما يجري حوله، ولم يتمترس يوماً خلف عقيدة كنسية دنيوية كانت أم دينية، ولم يتشبث للحظة بفكرة استخلصها بعيداً عن كل فحص وتمحيص وتدقيق وامتحان، ولم ينغلق يوماً على نتيجة توصل إليها بعيداً عن كل نقد وسجال ونقاش. أحاط إحاطة نهضوية شاملة، حريّة بكبار نهضويي التاريخ الحديث، بهموم عصره وشؤونه وشجونه ومعضلاته، عربياً وإقليمياً وعالمياً، أضاءها كلها بحثاً ومعرفة وفكرا وثقافة، وذلك في الحقول والمجالات كلها من النقد الأدبي إلى النقد التراثي مروراً بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والسياسة، كما تبنى دوماً أكثر المواقف تقدماً في كل مرحلة من مراحله ودافع عن أكثر المواقع طليعية في كل لحظة من لحظاته. وكأي نهضوي حق لم تخدعه الادعاءات العدمية الرائجة «بموت الإنسان» و»نهاية الكاتب» و»فناء الكتابة» و»انعدام التقدم» و»انسداد التاريخ».
لذا بقي هذا النهضوي الأول ساخطاً وناقماً على واقع حال الثقب الأسود ومتطلعاً في الوقت ذاته إلى المستقبل بإمكاناته المفتوحة وإلى التاريخ المقبل بمفاعيله المستمرة، على الرغم من قتامة الحاضر وإحباطاته وشناعاته كلها.

لا تعليقات

اترك رد