وهج من شمس افريقيا .. كيب تاون – ج٤


 

وهجٌ من شمسِ إفريقيا
كيب تاون
(4)

عند الثالثة عصراً ركبنا آخر باخرة لزيارة جزيرة روبن آيلاند القابعة على بعد7 كيلومترات من مدينة كيب تاون. و هي الجزيرة التي تأوى السجن الشهير الذي قضي به نيلسون مانديلا ثمانية عشر عاما من إجمالي سنوات سجنه الثمانية و العشرين،الى جانب رفاقه الآخرين من حزب المؤتمر الأفريقي الذي كان ناشطاً في مقاومة نظام الأبرتايهد العنصري.

رسونا على شط الجزيرة المعزولة بعد أقل من أربعين دقيقة من الملاحة الهادئة على متن باخرة متوسطة الحجم كانت تكتظ بالسياح الذاهبين لرؤية أحد أشهر سجون العالم، و الذي يشبه لحدٍ بعيد سجن (الكاتراز) التاريخي المتقرفص داخل إحدى الجزر المنفية قُبالة شواطئ سان فرانسسكو.غادرنا الباخرة الى أُتوبيسات كانت في إنتظارنا لتقلّنا في جولة تعريفية داخل الجزيرة قبل أن تنتهي بنا الى السجن الذي أُحيل الى مزار سياحي بقرار من اليونسكو في العام 1997.

في السابق – بين نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر- إستخدم الهولنديون الجزيرة كمكانٍ لعزل المرضى غير المرغوب بهم (مثل مرضى الجزام) و الذين كان من المحتوم أن يقضوا نحبهم في عزلتهم الصحية.و تقف المقابر التاريخة بحافة الجزيرة دليلاً تلك القسوة. كما و استخدموه سجناً لعتاة المجرمين. و ليس ببعيد عن تلك المقابر شاهدنا حفرةً جيرية ضخمة كان مانديلا و رفاقه يُجبَرون على قضاء ثمانية ساعاتٍ يومياً يحفرون صخورها الصلبة في إطار الأعمال الشاقة التي فُرضت عليهم، لستة أشهر في البداية، ثم إستطالت لسنوات عشر.بعدها توقفنا عند مسجدٍ صغير في ركنٍ قصيّ من الجزيرة بناه السجناء الأندنوسيين في الماضي.كما شاهدنا الكنيسة القديمة التي كانت تستعمل أيضاً كمستشفى للجزيرة الصغيرة المأهولة فقط بالسجناء و القائمين على أمرهم.. و في مسيرتنا لمحنا بعض الحيوانات البرية تتجول في الجزيرة التي تُعتبر مأوىً للعديد من الحيوانات و الطيور النادرة.

غادرنا الأُتوبيسات عند مدخل السجن الواقع بوسطها لتُسلمنا مرشدتنا السياحية السمراء الى مرشد سياحى آخر ستيني،عرّف نفسه كنزيل سابق عاصر مانديلا بالسجن، و قضى به سبعٍ من السنين.و هكذا كان الحال مع باقي المجموعات من السياح التي توزعت داخل فناء السجن تحت إشراف نزيلٍ سابق من نزلاء السجن يقوم بعملية شرح تاريخ و جغرافيا المكان الذي اتخذته سلطة الأبرتايهد كمنفىً قاس لتركيع ثوار المؤتمر الأفريقي.

سرنا وراء دليلنا العارف بتاريخ السجن الذي كان يصفه ب(الجامعة)، لأنه كما قال قد تخرجوا منه بخبرات حياتية إكتسبوها من النزلاء الآخرين الذين كان كل واحدٍ منهم استاذاً في النضال و الصبر و التحمل و الكبرياء.و ذكر أنه – و السجناء الآخرون – كانوا يلتقون مانديلا يومياً و يتحلّقون حول كارزيمته الساطعة. عرّفنا المرشد على أقسام السجن،و حدثنا عن التعامل الغير إنساني الذي عانى منه النزلاء ( مثل الأعمال الشاقة و الحجز الإنفرادي و حرمانهم من الأكل و الشرب و قضاء الحاجة ..الى جانب حرمانهم من الزيارات العائلية إلا مرتين في العام، و لمدة نصف ساعة فقط …و غير ذلك من أشكال التعذيب و الأعمال الوحشية).. ثم إنعطف بنا الى الممر الذي يحوى الزانزين التي آوت إحداهن السجين رقم 64/664 و الذي يُعرف ب (ماديبا) – نيلسون مانديلا.و كانت الأنفاس تتصاعد و الصدور ترزم و المآقي تحمرّ كلما اقتربنا من زنزانتة، حتى أجهش البعض بالبكاء حين لآمسنا سياج بوابتها الشاحبة التي كانت تنغلق على جسد ناحلٍ و روحٍ أبية و قلبٍ ينبض بالحرية. إلتفتُ بوجهى المحتقن لأرى الدموع تنهمر من زوجتي (منى) التي كان جلال الموقف قد زلزل أعماقها، كما آخرين لم يتمالكوا أنفسهم أمام سطوة الحزن الذي تسلل من مسام السجن و انسرب من ثنايا تلك الزانزانة الكئيبة بمحتوياتها البائسة، حيث قضى (ماديبا) ثمانية عشر عاماً (1964-1982) من الصمود و الكبرياء،و هو يُعلم العالم دروس الحرية و التحدي و صناعة الحلم.

لملمنا ما تناثر من دموع و أنين و غضب و خرجنا نتوكأ على عصا الصمت الذى ساقنا مشياً على الأقدام عائدين الى الباخرة الراسية عند مدخل (جزيرة الحزن) لتبحر بنا في رحلة العودة بعد ثلاثة ساعاتٍ من تصفح كتاب إنسانٍ إسطوريٍ صنع لنفسه و لشعبه تاجاً من ذهب المجد الخالص.

و نلتقى قريباً في الحلقة الخامسة و الأخيرة بإذن الله

لا تعليقات

اترك رد