نحن والغرب، واستمرار العداء وعقلية الصراع


 

ما نقصده بالغرب هنا هو الغرب بالمعنى الجغرافي (وليس بالمعنى “السياسي-الثقافي” فقط المتداول حالياً في مختلف الأوساط السياسية والأكاديمية الدولية) الذي يتحرك في الواقع العالمي -في مجمل علاقاته الدولية- كأي نظام سياسي آخر بما يحقق تطلعاته ويضمن مصالحه ومصالح شعوبه، ويحقق استقرار مجتمعاته وبلدانه وازدهارها.

والملاحظ هنا أنّ الكثير من المؤرخين والمفكرين أعطوا لمفهوم الغرب دلالةً فكريةًوضخّوا فيه روحية ثقافيةً ووصفةً مفهوميةً نقلته من المعنى الجغرافي إلى معنى آخر جديد طغت عليه الرؤية الثقافية والمعيارية الحضارية المدنية التي باتت تنظر إلى الغرب من منظور كونه واقعاً مفاهيمياً (وثقافة قائمة بذاتها) غير مرتبط بمنطقة جغرافية معينة كما كان عليه الحال في السابق.. وبهذه النظرة أو الرؤية أصبحت دولة مثل اليابان -الواقعة في أقصى الشرق- من الدول الغربية القوية والمهيمنة على العالم اقتصادياً، باعتبارها إحدى دول مجموعة الثمانية الصناعية الكبرى الأقوى في العالم، والتي تشكل مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكندا، مجموعة السبعة الكبار (مضافاً إليهم روسيا الملتحقة في وقت متأخر) التي تتحكم باقتصاد العالم ومصيره ومستقبله. وهذا توجُّه فكري وحالة توسيع أيديولوجي وليس بعداً جغرافياً، يرتكز على ما تقوم به تلك الإدارات السياسية الغربية من فرض إرادتها ومعاييرها ونظمها الحضارية على الآخر…

ورغم أن الغرب يدين بالليبرالية السياسية واقتصاد السوق، ويعلي قيم الفردانيةوالحداثة العقلية والعلمية، وينادي بحقوق الإنسان ومبادئه الأولى الجوهريةكمدخل وممر إجباري للتطور والحداثة، لكنه في علاقاته الخارجية مع الدول الأخرى -خاصة دولنا العربية والإسلامية- نرى أنه ما زال يكرس عقلية الاستحواذ والسيطرة الفاوستية والنظرة الذئبية، ويسهم بفعالية في بقاء تلك الدولة أسرى له ومقيدة بقيوده على كل المستويات والأصعدة العلمية والاقتصادية والتنموية..

نعم، ما زال الغرب يعتبرنا، ويعتبر دولنا ومجتمعاتنا قاصرة، لم تبلغ سن الرشدالعقلي والسياسي بعد، وأننا مجرد محميات استبدادية غارقة في ظلامها، وكتل متناثرة فوضوية لا قيمة لها، تضج بالخراب والحطام والهمجية والتخلف، بل ويسعى (هذا الغرب) لتبقى على هذا النحو من الخواء المادي والفراغ الحضاري.

فليس من حقنا -في رؤيتهم الحقيقية العميقة- أنْ يكون لنا استقلالية حقيقية بأي معنى من المعاني، وهو يعتقد أننا عاجزون عن أن نقود أنفسنا بأنفسنا، ولسنا مؤهلين -كما يزعمون ويعملون- أن نكون شعوباً مدنية عصرية وعقلانية، قد يكون لديها رؤية وإرادة مستقلة عنهم.. بل يجب أن نبقى بحاجة ماسة ودائمة لهم.. يفكرون عنا، ويتخذون القرار بمعزل عن قناعاتنا، يطعموننا ويلبسوننا كما يريدون، وحيث تسير مصالحهم ومنافعهم..

طبعاً، استمرار هذه النظرة المفاهيمية والسلوكية السلبية لدى الغرب، والناجمة عن تعمُّق النظرة النفعية الذرائعية –بأسوأ تمظهراتها- لديه حتى لو تعارضتْ مع حقوق الشعوب في تقرير مصائرها في عصر الحريات والانفتاح والتواصل السوبراني، وأيضاً عمل المؤسسات والإدارات السياسية الغربية على تثبيت تلك النظرة والرؤية وتكريسها في عالم الغرب، وفي داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية العالمية، لن يحل الأزمات القائمة بين عالمينا (العربي الإسلامي والغربي)، ولن يسد أبواب الغرب في وجه امتداد نيران وجحيم التطرف والإرهاب إليه، كما لن يخفف من غلواء التطرف والعنف التي يعاني منها الجميع، بالعكس سيؤدي إلى تفاقم حالة العداء التاريخي المستحكم، وسيقود إلى مزيد من إثارة أجواء التعصب والعنف المشحونة سلفاً ضدهم.. خاصة هذه الأيام التي تجري فيها استحقاقات انتخابية في أوروبا (يبلغ عددها 13) يتم فيها المتاجرة بالعرب والمسلمين والإسلام والتي تأتي على رأسها قضيَّة تخوُّف أوروبا من المهاجرين،وتزايد الجاليات المهاجرة هناك، بفعل ارتفاع نسبة الولادة، وهو ما تراه أوروبا بمثابة تهديد للوحدة الوطنيَّة، خصوصاً أنَّ الإسلام صار يمثّل الدين الثاني في فرنسا مثلاً..

إننا نعتقد أنه لا بديل عن الحوار في العلاقات بين الضفتين والكتلتين الكبيرتين، رغم أن الغرب –وهو العنصر والعامل والجهة الأقوى المالك لثلاثية القوة: الثروة والمعرفة والسلطة- ما زال يحاول فرض معايير ونظم ومتطلبات العولمة (رغم مضي عقود على تطبيقاتها) على باقي المجتمعات والبلدان النامية ومنها بلداننا في العالم العربي والإسلامي، بما يهدف إلى زيادة غناه وترفه وتوسيع مساحة السيطرة لديه على باقي الأمم والمجتمعات.. أي توفير كافة مقتضيات وممكنات بقاء القوة بأيدي حوالي ربع سكان العالم فقط.. وبما يجعل هذه المجتمعات المتقدمة والمترفة بعيدة كلياً عن كل مظاهر ومواقع الفقر والعوز والجهل والتخلف. وستزداد الفجوة حالياً ومستقبلاً مع التوجهات الانغلاقية السياسية اليمينية الشعبوية المتطرفة التي بدأت تتصاعد وتتمأسس سياسياً واقتصادياً في مؤسسات وإدارات الغرب الحديث..

والواضح هنا أنّ الغرب بمعظم مؤسساته، خاصة الإعلامية منها، يسكت عن كثير من الأمور التي يمكن أن تقدم صورة أو انطباعاً إيجابياً عن الإسلام… ومن أهمها أن الإسلام يعترف بالآخر، بل هو اعترف بالأنبياء، وجعل الإيمان بهم جزءاً من الإسلام، كما قال محمد عابد الجابري في كتابه، “مسألة الهويَّة..العروبة والإسلام والغرب”: “وإنَّ من يطالع كتب الملل والنحل التي ألفها علماء مسلمون، يدرك كيف أنَّ السجال مع أهل الديانات كان يدور حول الأمور التي تختلف فيها العقائد، ويكفي أنَّ الرأي المخالف كان يدحض بالحجج العقليَّة لا غير. ويستحيل أن يجد الباحث في المجادلين المسلمين من يطعن في خصمه بسبب اللون أو العرق، بل إنَّ المجادل المسلم كان يحرص دائماً على التعامل مع أهل الديانات الأخرى بوصفهم أصحاب رأي مخالف لا كخصوم وأعداء”..

من هنا لا حلَّ لإشكاليّة الغرب والإسلام إلا بالحوار وتقبل الآخر، والاتفاق على المشتركات الإنسانية الحضارية، وتعزيز مبادئ الحقوق الإنسانية، والإسهام الفعال –من قبل الغرب- بتنمية مجتمعاتنا بصورة علمية وحقيقية لا ديكورية استعراضية.. وبما يخدم بنى المجتمع ككل، وتحديثه وتطويره في العمق..

وعلى هذا الطريق، يجب ألا يتم تغييب أجيال الشباب في مجتمعاتنا الناظرة للحداثة والازدهار، عن الفعل والحضور في واقع تنمية بلدانهم ومجتمعاتهم.. فالدول العربية لم تستفد كثيراً من أجيالها الشابة، لخير الأوطان وصالح المجتمعات واستقرارها وتطورها وازدهارها، فمعظمها دفع أثمان الحروب والصراعات والتطرف والهروب عبر البحار… حيث كان من المفروض دمجهم بسياسات واستراتيجيات عمل تنموية ناجعة وحقيقية، يمكن، من جهة أولى، أن تحقق لهم –تلك السياسات الاقتصادية لو طبقت بشكل عقلاني عادل ومتوازن- تطلعاتهم في العمل والبناء والمجد الشخصي.. ومن جهة ثانية، تربطهم بأوطانهم الأم، وأرضهم الأصلية.. ومن جهة ثالثة، تبعدُ عنهم شبح التوسُّل و”الشحادة” الدولية، وركوب أمواج الفوضى والفتن والمجهول، والتلاعب الإقليمي والدولي بهم وبمجتمعاتهم..!!..

ولكن رغم كل ما حدث، لم يتعلّم الغربي، الذي جعلنا نثبّت فكرتنا النمطية عنه، وهي أنه غرب “استعماري” وبلا ذاكرة في كل ما يتعلق بمصالح العرب والإسلام، وها هو يصرّ اليوم على منع التغيير، والتمسك بتصنيفاته القديمة، معتبراً أن الإسلام والمسلمين، مجرد حواضن وقواعد للتطرف والتعصب والإرهاب.وبالتالي يجب أن يبقوا –كما تريد إدارات الغرب- تحت حكم القمع والاستبداد، بما يكرس نظرة تقليدية، ويمأسسها في وعي مجتمعاته..
وهذا باعتقادي سينعكس على واقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية، من حيث أن الأجيال الطالعة لن تكون أحسن وأوعى وأكثر حكمة وعقلانية من سابقاتها، والأرجح أنه سينشأ لدينا جيل جديد (من موقع رد الفعل، وأن العنف يقابل بالعنف للأسف) من تنظيمات تعصبية إرهابية أكثر تطرفاً ووحشية من جيل”القاعدة” و”داعش”، طالما أن الغرب لم يتغير، ولم يدعم التغييرات المجتمعية المدنية في مجتمعاتنا في حلولها السلمية للإصلاح والتمكين السياسي والتنموي، لكل ما يتعلق بمواقع اجتماعنا الديني الإسلامي الفردية والجماعية.

واليوم، يعطينا هذا الغرب، صورة شفّافة عما تقدم، وهي أن شعاراته المرفوعة بخصوص مكافحة الإرهاب، وعزل تنظيماته ونخبه، وتجفيف منابعه…وووإلخ، هي مجرد ادعاءات فارغة، ولا معنى عملياً لها، خاصّة عندما تتقوّلها، وتتشدق بها، شخصيات سياسية من وزن “ترامب” أو إرهابيي الدولة العبرية، فتصنيع الإرهاب شغلتهم وعملهم، ودعم حركاته العنفية ديدنهم، منذ ما قبل أيام أفغانستان والقاعدة.. وإلى اليوم، بهدف التلاعب بالمصائر ونهب الموارد.

أخيراً نؤكد –بعد أن طرحنا العلة وأشرنا إلى أصل المرض- أن لا حل لمشكلات المنطقة كلها، إلا بتوحُّد إرادات أبنائها، وعملهم على قلع أشواكهم بأيديهموأظافرهم، وبناء نهضتهم المنتظرة المكلفة، والتي من أولى أولوياتها إصلاح الفكر الديني، والتجديد العقلي فيه، وحسم المسألة التاريخية بما يفضي إلى ترك التّاريخ لربّ التاريخ والوجود والحياة، وتفكيك منظومات الاستقطابات الطائفية السنية والشيعية، حيث الخلافات بينهما مفتعلة وغير حقيقية، ولا قيمة ولا معنى لها.. والمشتركات الإسلامية الإنسانية بينهما أكبر بكثير من الاختلافات الفكرية والتاريخية.. وهي أصلاً، خلافات بسيطة على التأويل وليس على التنزيل، يتم تجييرها في السياسات الداخلية لنظم الاستبداد، مثلما يستثمرها الغرب بالتحديد في لعبة مصالحه بالمنطقة، حيث النفوذ، وبيع الأسلحة، وشراء المواقع والمقدرات بأبخس الأثمان..

…نعم، يبقى “الغربُ” “غرباً” ولو طوّقتَهُ بالذّهب….!!

1 تعليقك

  1. يعتقد الغرب أن مصالحه لاتتحقق إلا من خلال إدامة الصراعات وتأجيج النزاعات ، وهو لايرى أي مصلحة في الأخذ بيد الشرق نحو الحضارة والرقي والتقدم. مقال جميل وشيق … وفقكم الله.

اترك رد