كيف يكون القضاء مستقلا ؟

 

تعتبر السلطة القضائية جزء لا يتجزأ من مكونات مؤسسات الدولة نظرا للأهمية الكبرى التي تكتسيها بفعل ضمانها سيادة القانون على الجميع . وأضحى مبدأ سيادة القانون هدفا أساسيا تصبو اليه المجتمعات الحديثة والديمقراطية , ومن أهم ركائزه وجود قضاء عادل مستقل يضمن الأمن واحترام الانسان ويدعم الحريات ومشروعية العلاقات . فالعدل واستقلال القضاء أساس الحياة الكريمة وبدونهما تسلب الحقوق من الأفراد والجماعات خاصة الضعفاء منهم . وبالتالي يلعب القضاء دورا مركزيا في اقامة المؤسسات وبسط سيادة القانون وتحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين وحماية حقوق الانسان . ومن ثم أصبح استقلال القضاء جزء من الضمير الانساني , بحيث لم يعد من المقبول اغفاله أو انكاره ,وغدا تعميقه وترسيخه أمرا حتميا وضرورة لتحصين القضاء وتأمين أهدافه على أكمل وجه .
الا أن استقلال القضاء في تونس لا يتجلى في أبهى صوره الى حد اليوم , وهو موضوع يطرح اشكالية كبرى في الوقت الراهن , ويوجد في صلب انشغالات المرحلة التي تعيشها بلادنا خاصة بعد 14 جانفي حينما خرج القضاة من صمتهم رافعين شعارا واحدا ” استقلالية القضاء ” , وباتت معركة استقلاله من أهم المعارك التي خاضها القضاة خلال هذه السنوات الست بعد ” الثورة” في سبيل التكريس الفعلي لسلطة قضائية مستقلة تضمن حقوق المتقاضي قبل القاضي . فما الذي يعوق استقلال القضاء اليوم في تونس ؟ وما هي الضمانات الكفيلة لتحقيق ذلك ؟
من طبيعة القضاء والأصل فيه أن يكون مستقلا , انه مبدأ دستوري عام يقوم عليه النظام الديمقراطي ويجسده مبدأ دولة القانون . وكل مس بهذا المبدأ من شأنه أن ينتقص من شرعية القضاء ومن فاعلية العدالة . فاذا كان العدل أساس الحكم , فان استقلال القضاء هو أساس العدل . ومن الثابت في الفقه الدستوري , أن الفصل بين السلطات وتوازنها يتجسد في استقلالها التنظيمي , بعضها عن البعض الآخر وأن أي اختلال في هذا النظام التوازني لصالح احدى السلطات على حساب الآخر يؤدي الى خلل جوهري في تأدية السلطة المستضعفة تنظيميا على حساب دورها ومهامها , كما يشكل تدخلا غير مباشر في صلاحيتها . لهذا نص الدستور التونسي الجديد ( 27 جانفي 2014) على استقلالية القضاء والقضاة , باعتبار أن كل ديمقراطية ناشئة هي في أشد الحاجة الى رقابة القضاء , وفي وجود قضاء منزه ومستقل بعيدا عن أي تدخل سياسي , يضم قضاة يتحلون بالتجرد والكفاءة والزهد , وهو بداية الاصلاح لباقي مؤسسات الدولة ولمحاربة الفساد وحماية المال العام . ففي تحقيق ذلك شرط جوهري لكفالة الحريات العامة وصون حقوق الانسان وتأمين العدالة بين الناس وصون العيش المشترك .
ولاشك أن استقلال القضاء الحقيقي يتجسد في انشاء هيئة قضائية مستقلة , يكون لها القرار الفصل في كل من تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتنظيم المرفق القضائي وتأمين الضمانات المعنوية والمادية الكافية للقاضي . الا أن هذا الاستقلال في تونس الى اليوم , لا يمكن تصوره خارج تصور باقي السلطات من دستورية وتشريعية وتنفيدية , أو قل أنه كان ومازال لم يتحقق بعد في شكل كامل وفعلي وفقا للمعايير الدولية لهذا الاستقلال , خاصة وأن أغلب القضاة أجمعوا على تعثر وتعطيل مسار التأسيس لقضاء مستقل بتركيز مؤسساته وآلياته , وتتحمل مسؤولية ذلك السلطة السياسية الحاكمة وخاصة بالنسبة لأزمة المجلس الأعلى للقضاء الذي لابد أن تستكمل تركيبته وتقع الدعوة لانعقاده , حتى لا يفتح الباب الى التدخل التنفيذي والسياسي في تسميات القضاة وهو أكبر خطر يهدد استقلالية القضاء .وما نشاهده اليوم من تجاذبات وجدل حول تركيز المجلس الأعلى القضاء, يعتبر انتكاسة لمسار القضاء الذي ظل عاجزا عن أخذ موقعه الطبيعي في الدولة وعن استرجاع ثقة المواطن وبقية مكونات المجتمع التونسي فيه . فلقد بقي رهين الامكانيات المتاحة ومنظومة قانونية مهترئة , جعلت منه عبئا على الدولة عوض أن يكون احدى السلط الهامة المحدثة للتوازن الضروري , وما زاد الطين بلة ذلك الضغط المتواصل على القضاء والتشكيك في أحكامه , مما جعل السادة القضاة يعملون في ظروف نفسية صعبة !
وكل هذه العوامل قد تساعد على استثمار القضاء لتصفية العديد من الحسابات بفعل التدخلات والشطط أو الزج بالقضاء في الصراعات المصلحية , ليصبح آلة تهديد لكل من تسول له نفسه مواجهة مكونات وفئات الفاسدين والمفسدين رغم أنف الدستور الذي ينص على استقلالية القضاء . وهذا الوضع جعل القضاء التونسي محط تساؤلات عدة من طرف المتتبعين على الصعيد الوطني والدولي . فالتساؤلات والشكوك تلك هي واقع انعكس وينعكس أساسا على الاقتصاد والسياسة العمومية , حيث عدم اطمئنان المستثمرين المحليين والأجانب وما لذلك من آثار على العلاقات الاجتماعية التي منها البطالة والصحة والسكن والتعليم .
لذا فالاصلاحات اليوم لا يجب أن تنحصر في دسترة استقلال القضاء فقط , بل الأمر أبعد من ذلك كتوفير كل الشروط والضمانات والآليات اللازمة لترجمة الاستقلال الذاتي الى واقع يضمن الحرية وشعور المواطن بالأمن الذي يعد أحد الحاجات الأساسية للفرد , والتي في حال انعدامها أو اهتزاز ثقة الفرد بها , تثير عدم الارتياح لديه وتستحوذ على جزء من تفكيره لتعبئة السلوك نحو اتباعها بطرق أخرى مثل تهديد أمن الآخرين , وبذلك يمكن أن يكون العنف وربما التطرف مثلا ردة فعل على غياب العدل ومنها مبدأ استقلال القضاء .
لذلك يجب أن يعمل القضاة باستقلالية تامة عما يمكن أن يؤثر في قراراتهم , وأحكامهم تكون مستقلة ومتحررة من أي تأثيرات وبعيدين عن أي ضغط على عملهم سواء من قبل الحكومة ( السلطة التنفيذية ) أو مجموعات الضغط التي لها مصالح أو أي لوبي اقتصادي فاسد , أو حتى الاعلام . فلا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولما لا الاقتداء بقرار قاضي محكمة ولاية واشنطن ” جيمس روبرت ” بوقف العمل بقرار الرئيس “ترامب” بمنع دخول مواطني سبع دول عربية واسلامية , فعندما يكون القضاء مستقلا عن السلطة التنفيذية ويحكم فيه القضاة بضميرهم المهني بكل استقلالية ودون تدخل من متنفذ هنا وآخر هناك , بحيث يقضون بما أقسموا عليه في تحقيق العدالةوانفاذها , حينها تكون البلاد بخير , وهذا تكريس لمبدأ الفصل بين السلطات الذي هو حجر الزاوية في البلدان الديمقراطية والدولة المدنية .
لهذا مازال الى يومنا هذا , الرأي العام التونسي والسادة القضاة يتوقون الى اصلاح قضائي شامل يشكل القوة الحقيقية للدولة والحصانة للمجتمع والأفراد , الا أنه يبدو أن المشوار لايزال طويلا أمامنا والتحديات كثيرة تنتظر القضاء في تونس , فالاستقلالية ليست شعارا جميلا تؤثث به بعض الفضاءات وتضمنه في بعض الخطابات , بل هي رهان حقيقي يجب أن يراه جميع التونسيين مجسدا على أرض الواقع ويلاقيه في المحاكمة العادلة .

لا تعليقات

اترك رد