سعد محمد موسى – بين تراب الزقورة وماء الفرات

 

مثلما تعني الغربة انقطاعا عن الجذور , عن الناصرية00حبل السرّة ومدينة المتناقضات الجامعة بين الفرات والزقورة00قد تعني أيضا تلك الحرية المشوبة بالقلق00ديدن الفنان الصائغ لجمالياته بما يتاح في الغربة من زيارات لمعارض التشكيل ومواجهة التجارب والتقنيات ودراسة المذاهب والحركات الحداثوية وما قبلها

ستنتهي الغربة حين يعم الصمت وينتهي الحديث عن الموت المجاني ومصادرةالحريات وان ينعم أهل العراق بعيشة لا تخلو من سلام وكرامة ورفاهية0هذا ماقرره الفنان التشكيلي العراقي سعد الموسوي متلمسا طريق العزوف عن الغربة في زيارته الأخيرة من منفاه الاسترالي إلى مدينته الأثيرية(الناصرية ) ،ذلك العزوف المصطدم بعقبات تجعل من نظره مصوبا نحو طريق العودة إلى ذلك العالم الفسيح الأرجاء رغم الغربة في طياته 0 ذلك لان آماله العريضة لازالت تصطدم بصخرة الواقع الذي لم يتحرر من مرارته بعد ، ناهيك عما يمور بين الذهن والقلب من صراع في الركون إلى ملاذ لا يستغنى عنه رغم غيابه اليوم كحضور جسدي لا يعدم سريانه في الدم والقلب والروح . فهل تفلح امرأة ما في اقتلاعه من تصحره فتحيله إلى المكوث في أل (هنا ) ليسهم في تشكيل جمالياتها المنشودة ، أم يركب الموجة على بساط من زمن آخر للغربة قد يطول أو يقصر ؟ ..

هو, اللحظة كما في صباه قريبا من الزقورة . وبين تراب الزقورة وماء الفرات كان يعبث في الطين ويشكل منه هياكل آدمية وحيوانية يلقمها تنور أمه كي تصطف حول أقراص الخبز والأسماك القابلة للشواء حتى يدرك بعد أولىمغامرات العقل لديه إن الطين وحدة للوجود وبدايات للخلق و الكينونة فصار القاسم المشترك لمعظم لوحاته هو رليف ذرات الطين البارز أو الغائر في فضاءاتها

مثلت الزقورة لديه رمزا لحضارة وادي الرافدين وألهمته الإبداع المؤسس على ولعه بتأريخ الحضارات الشرقية القديمة والتي نجد ما يمثلها بالآلهة والملوك الذين ألقى بهم في صخب مدن الحاضر حتى راح جلجامش يبحث عن ذاته في شوارع أوربا أو يثمل في حانة استرالية على وفق مسوغات يدركها المشاهد للوحاته حسب إستراتيجية تلقيه

سعد الموسوي فنان تشكيلي محترف , لا يميل إلى الركون والسكينة , دائم القلق والبحث عن مواطئ الإبداع دون أن ينتمي إلى مذهب فني محدد . تخرج لوحاته عن المألوف الهندسي لتنفذ بأشكال ومواد مختلفة مؤكدة على العلاقات الإنشائية بين الكتل و محدثة موازنة لونية تثور الكتل وتحركها صوب التعبير الذي يتجاوز مهمتها كبعد جمالي فقط . وهذا ما نجده في أهم لوحاته كالبحث عن الماء , مأساة حلبجة , النزوح جنوبا وثلاثية لاجئ بما تتضمنه من مشاهد دراماتيكية لا تخلو من الفجيعة .


هذا مايمكن قوله بمواجهة الفنان التشكيلي سعد الموسوي ، في آخر زيارة له الى مدينته الناصرية ، حين قدم من منفاه الاسترالي الذي نتمنى ان لايدوم طويلا .

لا تعليقات

اترك رد