مستقبل التغيير في الوطن العربي – الجزء الاول


 
الصدى-بحث عن الربيع العربي

تأملات فكرية في الربيع العربي

مقدمة

يبدأ الدكتور أحمد يوسف أحمد، وهو من أكثر الباحثين العرب المعروفين بالاستقامة والمواظبة، بحثه الموسوم ” مدخل إلى قراءة إجمالية في المشهد العربي” بمقدمة فيها الكثير من المرارة وربّما الخيبة، لما وصلت إليه حركة التغيير في العالم العربي، فيشير إلى أن البحث في الأوضاع العربية الراهنة سيكون “مصدراً للاكتئاب” الذي ” يخنق الأنفاس” و”يدمي القلوب” و”يصدم العقول”، وذلك في إطار مقاربة تتحسّس مدى انكسار الأمل وتحوّله إلى “وضع مخيف”، خصوصاً في ظل الإرهاب والتفكّك والطائفية والهجرة والاختراق الخارجي، وهي عناوين كلّها يمكن أن تعقد حولها ندوات متخصّصة ومتنوّعة في مواضيعها ومعالجاتها وزوايا النظر إليها.

خمسة نقاط أساسية يستدرجنا إليها الباحث، لكي نتمعّن النظر فيها ونتوقّف عندها لما يحيط بنا من مخاطر وما ويواجهنا من تحدّيات في سردية منهجية متّسقة أراد منها الوصول إلى الحاضر واستشراف المستقبل:

أولها – الدرس التاريخي، وثانيها – الصراع والخطر الخارجي ويبحث في ثالثها- بُنية النظام العربي وخريطة الصراعات الداخلية والإقليمية، سواء كانت دينية أم طائفية. وينتقل بعد ذلك في رابعها إلى تهديد الهوّية العربية، ويتوقّف الباحث في خامسها عند جامعة الدول العربية ، فيبحث في أزمتها وميثاقها ومحاولات تطويرها في السابق والحاضر.

مثلما يبدأ الدكتور أحمد يوسف أحمد في المقدمة ينتهي في الخاتمة بالكآبة ذاتها المحمّلة بنذر خطيرة، منها مشهد التفتّت المخيف لأسباب داخلية وخارجية، ويرجع ذلك إلى غياب قوة أو قوى مؤتلفة عربية لكي تقوم بالاضطلاع بمهمة التغيير، ويعتبر من الترف بمكان محاولة استشراف الوضع، وترجيح بعض المشاهد، في حين يبدو السقوط في القاع والإنحدار، إلى الهاوية داهماً، ويضع الأوليات كالتالي: منع السقوط ووقف الانحدار، وهو ما أجد نفسي أتفق معه تماماً.

أمّا طرح الحلول أو تقديم التوصيات أو المناشدات للأنظمة، فهو غير مجدي حسب رأيه، لأن هذه الأنظمة أمّا عاجزة أو متواطئة، وبغضّ النظر عن طبيعة هذه الأنظمة ورأينا السلبي بها، لكنني أعتقد إن واجب النخبة الفكرية والثقافية يقتضي عدم تركها تتخبّط بما هي عليه وتدور في أزماتها المتلاحقة، ويتطلّب الأمر ممارسة ضغوط عليها، وسواءً أخذت بمقترحات أو آراء تلك النخب أو لم تأخذ، فإن واجب تجسير الفجوة لا يقع على السلطات الحاكمة لوحدها، وإنْ كانت تتحمل المسؤولية الأساسية في ذلك، بل يستوجب من النخب الفكرية والثقافية، التقدّم بمبادرات ومشاريع قوانين ولوائح ومقترحات، سواء تمت الاستجابة لها أو لم تتم، وذلك بدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج، إذْ إن تحوّلها إلى قوة اقتراح أيضاً، سيسهم في رفع الوعي من جهة والتأثير على الرأي العام وقواه الحيّة من جهة أخرى، خصوصاً عبر تراكم قد يكون طويل الأمد، ولكنه لا غنى عنه.

ثم يعود الباحث ليتحدّث عن إرادة الشعوب القادرة على فرض التغيير، لكنه في الوقت نفسه يبدي أسفه للتضحيات التي ذهبت سدىً في الربيع العربي، الذي انتهى وفقاً لوجهة نظره إلى كارثة بسبب غياب نخبة قادرة على قيادة الجماهير وتوجيهها إلى المسار الصحيح. وأجد نفسي في اختلاف مع الباحث، لأن الثورات غالباً ما تتعرّض إلى محاولات حرف أو ثلم أو انكسار أو احتواء، وقد تتمكّن منها الثورة المضادة أحياناً، لكن المسار الذي حفرته سيتعمق مع مرور الأيام، خصوصاً إذا ما لامست هموم الناس وعبّرت عن تطلعاتها.

لهذه الأسباب يجب أن نأخذها كعملية بعيدة المدى Process، وليس حدثاً عابراً أو ظرفاً طارئاً أو رد فعل، وحسبي هنا أن أستحضر مثال الثورة الفرنسية ومآلاتها، التي جاءت نتائجها بعد قرن ونيّف من الزمان، وعبر معاناة شاملة وأعمال عنف وإعدامات ومجازر وحروب، لكن مُثلَ الحرية والإخاء والمساواة، ظلّت تُلهم الشعوب والأمم وتجذب الملايين من البشر، ولم تذهب تضحيات الناس سدىً، بل بالتراكم والتطور التاريخي، تحوّلت المفاهيم إلى قوانين وهذه أصبحت نافذة في إطار مؤسسات ورقابة ومساءلة وقضاء.

ويحدّد الباحث الدكتور أحمد يوسف أحمد مسؤولية النخب “القومية العروبية” بصفة خاصة، وحسب رأيه: فليس من حقها الاكتفاء بتوجيه اللوم والإدانة وتقديم النصح والإرشاد، وإنما عليها أن تتذكّر دائماً أنها فقدت وحدتها، حتى في داخل الفصيل الواحد، وإنها قصّرت في أداء مهمتها التاريخية تجاه أمتها العربية، وإن الاعتذار الوحيد هو استعادة وحدتها توطئة للاضطلاع بمسؤولياتها. وهو الأمر الذي ينسحب على النخب اليسارية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، إضافة إلى نخب إسلامية معتدلة ظلّت على هامش التغيير، في حين إن الجماعات المتشدّدة والمتطرّفة كانت تتقدّم المشهد مستغلة اسم الإسلام ومتاجرة به ومُفسِّرة تعاليمه بصورة مسيئة لجوهره، خصوصاً التوظيف السياسي والانتقائي للشريعة الإسلامية وأحكامها دون إخضاع ذلك للسياق التاريخي ولمقاصد الشريعة ذاتها التي تستهدف خدمة الإنسان، وكل دين لا يخدم الإنسان، ليس من الدين الحقيقي بشيء.

وبالعودة إلى المقدمة فإن الباحث المهموم يعتبر ” قراءة المشهد العربي الراهن، في هذه الظروف تصبح معضلة نفسية قبل أن تكون تحليلية”وهو تعبير يدلّ على الضيق والتبرّم لمشاهد التراجع والنكوص التي شهدت بعض تجارب الربيع العربي، وهو ما يمكن تحليله من خلال اصطفافات القوى واندلاع العنف وتفشّي الإرهاب واستشراء الفساد وضعف مرجعية الدولة ، بل وتشظّيها في بعض البلدان.

أعتقد أن ما ذهب إليه الباحث لا يقتصر عليه وحده، بل إنه يمثّل الاتجاه السائد لدى التيارات الفكرية والسياسية القومية العروبية واليسارية الماركسية والشيوعية والإسلامية بشكل عام، ففي الغالب الأعم وبسبب العجز والعزلة والأزمة المستفحلة للتيارات التقليدية، إضافة إلى مفاجأة التغيير للكثير منها، لاسيّما تداعيات وانهيارات الأنظمة السابقة وتدحرج شرعياتها، وانتشار حالات الفوضى وعدم قيام شرعية جديدة بعد الشرعية الثورية الانتقالية، كلّها عوامل تُسهم في حالات الخذلان والخيبة.

لقد كانت الكثير من القوى السياسية التقليدية وعلى مختلف توجهاتها، تأمل أن تكون حركة الثورة أو الانتفاضة تنسجم مع ما هو في ذهنها أو في تصوّرها للتغيير أو في إطار مسطرتها الفكرية والسياسية، في حين إن ذلك مخالف للواقع وتعقيداته في ظروف العولمة والتطوّر الهائل في ميدان العلوم والتكنولوجيا، ولاسيّما في تكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتل”.

وبما إن أية ثورة ليست مقنّنة أو مرسومة وفق ضوابط محدّدة أو مصنوعة في معمل ومغلّفة بالسيلفون، بل هي نتاج تفاعل اجتماعي واقتصادي وثقافي في لحظة معينة تتحدّ فيها العوامل الذاتية مع العوامل الموضوعية، لتندلع الشرارة التي تشعل اللهب في السهل كلّه على حدّ تعبير ماوتسي تونغ، فإن الأمر قابل لمواجهة الكثير من المنعرجات في طريقها وتعرضها للعديد من الانثلامات والانكسارات والتراجعات،وهو ما أصاب بعض الثوريين بالتشاؤم والقنوط، لدرجة أقرب إلى اليأس، وهو ما حاول الباحث رصده باستنتاجاته إزاء مستقبل التغيير.

يمكنني القول إن الثورة ليست طريقاً مستقيماً، بلا نتوءات أو منحدرات أو منعطفات، وعلى العكس من ذلك فهي مليئة بكل ذلك. إنها درب وعرة، وفيها الكثير من المفاجآت والمفارقات المُبهجة والمُحزنة، السعيدة والمؤلمة، وأعقد ما فيها أن سرعة التغييرات تشمل حتى من كان وراء تفجيرها وقيادتها، لذلك قيل إن “الثورات تأكل أبنائها”. وهو قول مُستمدٌ من التجربة التاريخية الكونية.

وعلى الرغم من أن التشاؤم حالة تكاد تكون سائدة في منطقتنا منذ أربعة عقود من الزمان تقريباً، خصوصاً في ظل صعود الموجة الدينية وتأثيراتها التقسيمية، إضافة إلى ذيولها الطائفية والمذهبية وارتفاع منسوب التطرّف والتعصّب والإقصاء والتهميش للآخر والعنف والعدوان بما فيه استمرار هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني عبر ممارسات “إسرائيل” العنصرية،إضافة إلى احتلال العراق وتداعياته في العام 2003، لكن منهج التحليل والاستقراء والمراجعة التاريخية، السسيولوجية، الحقوقية لأحداث كبرى حرّكت دولاً وشعوباً بكاملها، يحتاج إلى مقاربة من نوع مختلف، خصوصاً إذا ما درسنا ذلك بالارتباط مع حركة التغيير العالمية، التي شهدتها أوروبا الغربية والشرقية وعدد من البلدان في العالم، وكجزء من قانون عام ومسار كوني.

فبعد أن كان التغيير استعصاءً في اليونان والبرتغال وإسبانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فإذا بنا نشهد في أواسط السبعينيات تغييرات جوهرية في هذه البلدان نحو الديمقراطية والتعدّدية والتنوّع وسن دستور يقرّ بمبادئ المساواة والمواطنة الكاملة والشراكة، وأقيمت على أساسه انتخابات دورية لاختيار الشعب لممثليه، وهكذا تم وضع حدٍّ للدكتاتوريات وإنهاء فترة حكمها والانتقال إلى حكم سيادة القانون واستقلال القضاء.

ثم حدث التغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، حين تمت الإطاحة بالأنظمة الشمولية، وكان سقوط جدار برلين إيذاناً بمرحلة جديدة للصراع العالمي اتّسمت بهيمنة الولايات المتحدة كلاعب أساس في العلاقات الدولية وتوزّعت الأنظمة الاشتراكية السابقة بخصوص ما سمّي بالعدالة الانتقالية بين فقه المواصلة وتحقيق مصالحات ضرورية للانتقال الديمقراطي، وبين فقه القطيعة مع الماضي وتجريمه، حيث اختارت بولونيا وهنغاريا فقه المواصلة، في حين كانت ألمانيا الديمقراطية قد سارت شوطاً بعيداً في فقه القطيعة، خصوصاً بانضمامها إلى ألمانيا الاتحادية، أما تجربة تشيكوسلوفاكيا فقد كانت منزلة بين المنزلتين، حيث ابتدأت بفقه القطيعة وانتهت بفقه المواصلة وافترقت بانفصال مخملي لتصبح جمهوريتين هما جمهورية تشيكيا وجمهورية سلوفاكيا، في حين عرفت رومانيا تجربة دموية، وشهدت يوغسلافيا تقسيماً وحروباً انتهى بها إلى ست دول، وكذلك الاتحاد السوفييتي انقسم إلى 15 كياناً دولياً.

العالم العربي لم يكن جزيرة معزولة، وكان من المؤمل أن تصل رياح التغيير إليه في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لكنها انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط لأسباب تتعلّق بعدم الاستعداد الكافي من جانب النخب السياسية والمجتمعية، أي عدم توفّر العامل الذاتي، إضافة إلى عدم نضج العامل الموضوعي، ولاسيّما الدولي، حيث كانت القوى الكبرى لا تريد تحريك ساكن في منطقة النفط الحيوية، التي لديها مصالح كبرى فيها، كما أنها لم تكن هي الأخرى مستعدة لفتح معركة في جبهتين في آن واحد، وكان يكفيها جبهة أوروبا الشرقية آنذاك، إضافة إلى ذلك إن البيئة الإقليمية طاردة للتغيير وغير صالحة للتحوّل الديمقراطي، وتشكّل “إسرائيل” إحدى الكوابح بوجه عملية التغيير الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية.

الأمر لم يتوقف عند العالم العربي، بل يمتد إلى العديد من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية المهيأة للتغيير، على الرغم من بعض العوائق والتحدّيات مثل دور العامل الديني السلبي بقراءاته الانتقائية السلفية ومشاكل التنوّع الثقافي التي يطلق عليها تجاوزاً ” الأقليات”، وكذلك العادات والتقاليد البالية والتخلّف والأمية وغير ذلك، وتلك سمات بارزة ومشتركة للعالم الثالث، مع إن لكل بلد خصوصيته ومشاكله.

أقدّر وجدانياً حالات الخيبة والخذلان والإحباط والنكوص والتشاؤم، وهي جميعها حالات إنسانية لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار، وأريد أن أميّزَ بينها وبين اليأس، وقد حاول الباحث التوقف عند أبوابه من خلال تشخيص الواقع. وأجد نفسي في مقاربتي لموضوع التغيير ومستقبله أقف على ذات الأرضية التي يقف عليها الدكتور أحمد يوسف أحمد، ولكنني أتوصّل إلى استنتاجات مغايرة، من خلال تأملات فكرية مختلفة، وسأحاول إضاءة ذلك عبر عشرة نقاط أساسية، أطرحها على شكل أسئلة إشكالية.

لا أستهدف من هذه المقدمة الطويلة تقديم مخطط تفصيلي للثورات العربية الناجزة وغير الناجزة، وليس في نيتي تقديم وقائع يومية للأحداث، فتلك قد تكون مهمة المؤرخ التي تتلخّص في جمع وقراءة الأحداث وربطها ببعضها، بما قبلها وما بعدها وبما يناظرها في هذا البلد أو ذاك، بما فيها الروايات المتباينة، فالتاريخ مراوغ وماكر في الكثير من الأحيان حسب هيغل، كما أنني لا أستهدف تدوين تاريخ اللحظة، أو لحظة “التاريخ” فتلك مهمة الإعلامي حسب البير كامو باعتباره مؤرخ اللحظة، وستكون مهمة السسيولوجي غير مكتملة لأنه لا يتنبأ، بل يعطي أحكامه وتقديراته بعد وقوع الحدث ووفقاً لمعطياته، فيستخدم أدوات التحليل، ومثل هذا الأمر لا يزال في تفاعلاته الأولى، بما فيها من انتهاكات وتجاوزات بانتهاء ” شرعية” كانت سائدة أو تآكلها، مع بدايات لشرعية جديدة لم يتم التوافق عليها أو لا زالت تتقاذفها تيارات شتى ولم تستقر بعد.

أما مهمة المنشغل بقضايا الفكر فتتلخّص بالوصول إلى الحقائق وتحديد السمات العامة والخلاصات والدروس الضرورية التي يمكن الوصول إليها، والهدف هو تحديد المعاني والدلالات، ليس لما وقع من الأحداث، حسب بل لاستشراف أبعادها ومضامينها وآفاقها المستقبلية.

وقد استُهدفت من عملية البحث والتقصي والاستنتاج، استكشاف العملية الثورية الجارية، بالتوقّف عند مقدماتها والبحث في مساراتها والسعي للتعرّف على حقيقتها وخصائصها، ومن جهة ثانية دراسة التحدّيات والخيارات الصعبة التي أثارتها إزاء المستقبل، لاسيّما التباسات بعض جوانبها وتداخلاتها مع بعض العوامل الخارجية، خصوصاً المسلحة وارتباط ذلك بحصار وعقوبات، قد تطول، دون إحداث التغيير المنشود، ولعلّ “النموذج الليبي” على الرغم من التضحيات والخسائر التي قدّمها الشعب الاّ أن عملية الحسم لم تحدث الاّ بعد التدخل الخارجي لحلف الناتو، الأمر الذي عقّد المسألة إلى حدود غير قليلة، ليس لأوضاع الحاضر فحسب، بل فيما يتعلق بالتطور المستقبلي أيضاً.

ولا تزال “المأساة السورية” ماثلة للعيان، لاسيّما تأثيراتها الخطيرة على السكان المدنيين وارتهاناتها للعامل الدولي والإقليمي، حيث يدفع الشعب الثمن باهظاً منذ ما يزيد على خمسة أعوام من الاحتراب والاقتتال وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتدمير البنية التحتية وتخريب المرافق الحيوية والمعالم الثقافية والحضارية والآثارية.

يبتع…

 

لا تعليقات

اترك رد