المرأة تحت وطأة المقارنة


 

اثار موضوع المقارنة بين المرأة والرجل من جهة والمرأة الغربية والشرقية من جهة اخرى الكثير من الجدل، ولم يزل الموضوع قيد التدوير والاثارة والتحريض سواء من خلال الدراسات او المقالات او المؤتمرات الخاصة بالمرأة، فالباحثون عن مجدهم فوق جسد المرأة يبدو لي وكأنهم لن يتوقفوا يوماً في سعيهم لتحقيق اهدافهم واغراضهم وحاجاتهم طالما الامر في نظرهم صراع واثبات وجهة نظر او حتى فكر على حساب الاخر، على هذا الاساس نجد بأن المصطلحات تتكاثر بين الفيئات المتصارعة حول جسد المرأة ” قضية المرأة ” وكل طرف يستشهد بما يؤمن به وبما يريد ان يحققه من خلال شعاراته وتشريعاته وافكاره ومقاصده، ولأن هكذا مواضيع تحقق اكبر نسبة مشاهدة بين الاطراف المتنازعة فالاعلام يجد في ذلك فرصة كي يقوم هو الاخر بدوره الريادي في الاثارة والتحريض لتحقيق اهدافه سواء أكانت ترويجية او ربحية او حتى انحيازية.
والغريب ان الامر يلقي استحساناً كبيراً من بعض الجهات المدعية انها تعمل من اجل حقوق المرأة، اي انها تفرض نفسها كوصية على المرأة، فتتحدث باسمها وتظهر نفسها على انها تدافع عن حقوقها.. وضمن هذا السياق نجد بأن المقاربات والمقارنات تستمر بين الاطراف تلك وكل طرف يحاول ان يبرز الجوانب “النيرة ” من تشريعاته وافكاره حول المرأة.. بالطبع سعياً للمزيد من المكاسب على جميع الاصعدة.
تأتي المقاربات والمقارنات كلها حول الشكليات والمظاهر التي بنظر البعض هي الفيصل في الحكم على الوجود الوجودي للمرأة منذ البدء الى وقتنا هذا، فتظهر تلك الشكليات وكأنها مقاصل يستخدمها طرف على حساب الاخر وذلك لاضعاف حجة المقابل،ولكن في الاجمال فان من يناظر ويتمعن في تلك المقاربات والمقارنات التي تتحول الى نظريات عند الاطراف المتنازعة سيجدها في الاصل اضغاث احلام، واوهام مهيمنة عليهم لكونهم يتناسون حتى في اعلاناتهم ودعواتهم جوهر القضية المتعلق بجوهر وجود المرأة كانسان تلازمي اصلي لكينونة الوجود نفسه، وليس كعنصر دخيل يفرض على الموجود الاسبق ان يقوم بالعمل على المقاربات والمقارنات كي يضع له مكانته التي هي بنظر الاسبق ما يستحقه المرأة.
ان هذه الاشكالية هي التي تعقد الامور دائما حين تسمح لنفسك وحسب تشريعات يتم تداولها بين الفيئات المتنازعة والمتصارعة بالحكم على الاخر من خلالها، فتكون النظرة هنا قاصرة على جهة معينة وغافلة تماما عن اغلب الجهات الاخرى، فالمرأة لم تكن يوماً موضع شك في وجودها، ولكنها كانت دائما موضع شك” بالنسبة للاطراف المتصارعة ” في احقيتها بالوجود ام لا، لذا اتت النظريات تحفر في الممكنات كي تثير هذه الجدلية، وبالتالي كي تصنع من المرأة موضوعاً دينياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً واعلامياً، وسخرت لهذا الامر الكثير من الامكانيات، وفي الحصيلة ان المنادين بالحقوق الكاملة والمساواة والطرف الاخر الذي يضع بعض القيود يصبحوا في خانة واحدة، وهي استغلال الموضوع ” المرأة ” كمادة اولية للصراع، دون تحقيق اية مكتسبات تخدم المرأة نفسها كمرأة موجودة ضمن التلازمية السبقية للوجود البشري اصلاً.
وحين تبحث عن المقاصد ستجد الامور الماورائية واضحة، والتي تنبع من الدين الى الفكر المضاد الى الفكر التحرري الى الفكر الازدواجي المستغل للظرفية وذلك للقفز فوق الاجساد سعياً لتحقيق اكبر قدر من المكسب الشخصي ( الاعلامي – الحزبي – الديني –السياسي)، وهذا ما يجعل من موضوع المقاربات والمقارنات في الاصل امور مشكوك في مقاصدها، لكونها في الاصل شكلية لاتخدم الا الاعلام وتلك الجهات المتنازعة والمتصارعة، ولاتخاطب الوعي الوجودي الاصلي للموجود الترافقي التلازمي لكينونة الوجود البشري اصلا، باعتباره وجودا اصيلاً وليس ملحقاً لغرضية اعلامية او لخلق صراع وجودي حول ذلك الوجود، فالوجود الاول لم يكن ليكون موضوع وجود بدون الوجود التكاملي التلازمي، لهذا حين نأتي لعمل مقاربات ومقارنات حول الموجود الاول وثم الوجود” الملحق ” هنا نفتح تلك الفجوة التي لانهاية لها، لان البشر بطبعه ساعي لخلق الماهيات التي تخدم وجوده المتعالي لايهم على من وكيف، المهم انه يريد تحقيق تعاليه وهذا التعالي يكسبه بنظره الحق في اتخاذ التشريعات التي تبحث في الموجودات السبقية واللاحقة، وبالتالي فانه يخلق الممر التشريعي الفكري اللازم كي يلحق الوجود التكاملي بالموجودات الخدمية اللاحقة التي اتت لتخدم الموجود الاول.
“وما يجعلنا نقول ذلك ( للمزيد عن هذا الموضوع ينظر كِتاب ” بشر يمتهنون صناعة الالهة ” من تأليف كاتب المقال نفسه)، هو كون طباع البشر الميالة الى الرذيلة لاتمنعه من الانجراف والانحراف نحو الغلو في كل المصوغات الاصلية التي بين يديه، وبالتالي يمكنه تجاوز الوسطية في الفهم والادراك، مما يعني عدم سيره نحو فهم تداولي متوقف على الفكرة وطريقة ادارتها وكيفية اظهار صلتها بالحدث والواقع، لانه اما يتخذ من السطحية كمدخل فهمي للمصوغات، فيكون وقتها معرضاً للهشاشة التعاملية مع الحدث والواقع ويبتعد كلياً عن المصوغ الاصل باعتبار الاخير لايعتمد السطحية في الوجود والموجودات، او يتخذ من التطرف كمدخل فهمي واستداركي توظيفي وفق تداعيات تلزم اتباع هذا التفكير الى استخدام كل الوسائل المتاحة والمباحة وغير المباحة من اجل تحقيق ما يصبون اليه…” ، بالتالي فان هذه الطباع هي نفسها التي تفرض على التقسيمات البشرية الدينية والفكرية والسياسية والمصلحوية في العمل على ايجاد الممرات التحصيلية القائمة على التدوير لكل الموجودات التي تلت الوجود الاول ومن ثم القيام بتوظيفها حسب الماهيات التي تحقق مكاسبها ومصالحها على حساب المقابل او بعبارة اخرى المنافس، ولعل من يتابع موضوع وجود المراة وسياقات هذا الموضوع سيلاحظ بالدرجة الاساس ان الصراع كامن بين الاديان المختلفة انفسها من جهة، وبين الاديان والافكار الحديثة التي تتغطى بغطاء حقوق المرأة من جهة اخرى.
واثناء البحث عن نوعية المقاربات والمقارنات بين المراة الشرقية والغربية كموضوع ديني فكري اعلامي وحتى سياسي، سنجد بان المواضيع المطروحة او الافكار المطروحة هي من السطحية ما يجعل من الواعي يدرك تماما المقاصد وراء الطرح نفسه، فما الذي سيتحقق للمرأة من وجود وكيان مستقل ونشط حين يتم المقارنةبين الشرقية والغربية من حيث الفرعيات الوجودية المتعلقة بالحياة الاجتماعية مثلاً ان ” المرأة الغربية معتادة على البخل بحيث لاتسمح لاحد ان يشاركها زوجها اما الشرقية معتادة على الكرم بحيث تسمح لثلاث نساء اخريات مشاركتها زوجها خدمة للمجتمع” ، السؤال هنا هل هذا جوهر الوجود الوجودي للمرأة…؟ ، ثم هل ان اختيارات المرأة في هذا الشأن هي التي تحكم ام ان هناك آلية تفرض عليها كي تقبل المحتوم..؟ ، وضمن السياقات التي يتم المقارنة بها المرأة الشرقية والغربية فيما يتعلق بخصوصياتها ايضا ان الغريبة تمنع من قيادة السيارة اذا كانت حامل او مخمورة حرصاً عليها وعلى الاخرين اما الشرقية تمنع ” في بعض المجتمعات ” من قيادة السيارة في جميع الاحوال حرصاً عليها وعلى الاخرين، وايضا الغربية سلعة بحيث تجدها في اي سوبر ماركت اما الشرقية لاتجدها الا في محلات المجوهرات… وهناك العديد من المواضيع التي يتم تناولها اعلاميا ودينيا وفكريا وحتى سياسياً فيما يخص المقاربات والمقارنات بين المرأة في المجتمعات البشرية.
ولننظر الى الامر بوعي، ونتساءل اين المرأة نفسها من تلك المقارنات والمقاربات واللغط الكلامي والسعي المصلحوي والتحريض الاعلامي..؟، الاجابة هنا لاتفرض عليك مسبقاً ولكن في الاصل هناك ما يمهد لك بالحكم… حين نضيف التساؤل هل الوجود التكاملي ” المرأة ” للوجود يمكن ان يكون وجوده مخصوصاً لهذا الجدل..؟.
ان اكثر ما يعيق السعي الوجودي للموجود الاول لتحقيق وجوده التكاملي هو كونه يعطي لنفسه الحق في اصدار الاحكام السبقية لكونه السابق، ولكونه لايفكر بعقلانية في ان وجوده لم يكتمل بالا بالموجود الاخر ” المرأة ” لذا فان اي سعي منه وتحت اي غطاء لفرض ايديولوجيته السبقية على الاخر سيكون في محل شك، وفرصة لبعض الساعين لتحقيق مكاسب اعلامية او دينية او فكرية او سياسية او اجتماعية لاثارة المزيد من التكهنات التي تتحول الى موضوعات وحلقات نقاشية نجد المرأة نفسها تنقاد اليها احياناً تحت غطاء الحريات والتحرر او لتحقيق “الكوتا”، دون ان تدرك بأن الاصل في وجودها تكاملي اصلي ولايوجد وجود بدون وجودها، لان الوجود السبقي ناقص من حيث الكينونة الوجودية والحراك الفعلي للوجود بدونها.

لا تعليقات

اترك رد