ظل لبيت لمطيره وطارت بيه فرد طيره


 

لم ينتبهوا إلى وضع قريتهم الآخذ بالتردي والخراب، إلا بعد أن خسروا الكثير الكثير من أموالهم وأراضيهم وهيبتهم، حيث كانت قريتهم من القرى التي تضرب بها الأمثال بغناها وتلاحم وطيبة أهلها وكرمهم, كانت قرية وفيرة بكل شيء، بالغلال والماشية والهيبة والخصال النبيلة, حتى أخذت تثير الغيرة والحسد في القرى المجاورة, وراح بعض الحاسدين المترصدين ونهّازي الفرص يخططون للإيقاع بها ووضع نهاية لمجدها المغيض, وكانت هناك في القرية المجاورة امرأة قوية ونافذة من نواح عديدة, فهي إضافة إلى كونها وافرة الجمال، كانت وافرة الحيلة والشر والقدرة على قلب الأمور لصالحها، وكانت على علاقة غير شرعية برجل يدّعي التدين ويلبس مسوح رجال الدين،ولكنه كان أشد منها شراً ودهاءً, كانوا يعيشيون وسط قريتهم برأسمالهم، الذي لا ينفد من الخداع والحيلة والذي لا يجدون صعوبة كبيرة في تمريره على الفلاحين البسطاءوأوله علاقتهما غير الشرعية حيث تدعي أنها (مطوعة)1 لأحد الأئمة فهو يتحدث بلسانها لتحل مشاكل الآخرين وخصوصاً النساء منهم.. وهو يفسر ما يجيء على لسانها، حين يهتف برأسها الإمام. وبالتالي يذهب لتلفيق الأحاديث المختلقة لتصديق ما تقول فيخف لهما المرضى والعاشقون، النسوة اللواتي هجرهن أزواجهن، وغيرهن من تطلب طفلاً.. إلخ. وتحت هذا الغطاء الكثيف من الدجل والخداع يقضيان ليال حمراء، بعيدة عن معرفة أهل القرية، ولايجرؤ أحد بمقاربة سريتها، وربما لدى البعض من كان يؤول هذه العلاقة تأويلاً حسناً إكراماً لعمامة الشيخ المزيف، جنيا الكثير من الأموال و(الحلال)2 ولكن عيونهما كانت ترصد القرية المجاورة بعين لا تفتر ولا تنام من الحسد, حتى قادهما تفكيرهما بالتخطيط المتقن لغزوها وتغيير مصيرها, خصوصاً وأن لهما سمعة طيبة في هذه القرية القريبة من قريتهم لكرامتهما الزائفة. وكان أهل القرية غافلين كل الغفلة عن هذه الخطط التي تستهدف وجودهم, ما حدا بكبير القرية محيسن,الذي لا يؤمن بالخرافات والتراهات كثيراً فهو على دين وتعليم يؤهله لاجتناب هذه الأمور, ولكن المرأة جاءت إلى قريتهم وتحدثت عن ضيم وحيف يقع عليها من قريتها وأهلها وطلبت السكن معهم, ولأن مثل هؤلاء الناس ذوو نوايا بيضاء وخصال كريمة، لم يرفضوا طلب المرأة على الرغم من عدم ارتياح كبيرهم لهذا الطلب, فسكنت وسطهم بعد أن ابتنوا لها بيتاً بأيديهم وأغدقوا عليها بالطعام وما تحتاج من أمور, وكان الرجل الذي يلبس مسوح الدين يزورها كل يوم بعد العصر ولا يخرج منها إلا بعد الهزيع الأول من الليل (فهو رجل دين) ولا أحد يجرؤ بالشك وتقليل احترامه، أو الاعتراض على سلوكه, خصوصاً وهو لاينفك عن رواية الأحاديث المختلقة بسبب أو دونه, ويتكلف التمنطق والتحدث بعربية هي أبعد عن الفصحى الحقيقية, ولكنهم وعلى نياتهم ينطلي عليهم كل شيء ويمر دون اعتراضات واضحة. وبعد فترة ليست بالطويلة راحت المرأة تستقطب ناس القرية سواء بجمالها أو سعة حيلتها وشعوذتها, لقد اختلط الأمر عليهم وأصبحت(مطيرة) وهذا اسمها ذو نفوذ لا يجارى وصديقها (المؤمن) من أهم شخوص القرية, راحت تنفذ مخططها بشكل تدريجي مع عشيقها ومفسر همهماتها وضابط إيقاع سحرها وشعوذتها, وأول خططها هو زرع الانقسامات بين أهل القرية الذين كانو كتلة واحدة.. فهم أبناء عمومة وأقارب أولاً، فضلاً عن كونهم أبناء مصلحة واحدة, راحت تنشر وتذيع الفتن بينهم، مرة بترغيب الشباب والكهول بجسدها، وأخرى بممارسة الشعوذة والتأثير على النساء والرجال.. استقطبت الكثير من وجوه القرية وشبابها فللجمال سطوته كما يقولون.. وبعد أن رسّخت ومدّت جذورها وتأثيراتها بين أغلب القرويينادّعت أنها ابتاعت جزءاً من أرض القرية من كبيرها محيسن.. ليس هذا فحسب بل كسبت بعض الوجوه ليكونوا شهوداً على ذلك وربما للإيقاع به كصفحة أولى من خطط الاستيلاء على القرية التي كانت سعيدة وهادئة, ولكن كبيرها لن يسلم للأمر بسهولةفهي قريته التي ولد وتربى وكبر فيها، وهي موطن الآباء والأجداد وكل تاريخه, وبعد أن احتدمت الأمور بين (مطيرة) وعشيقها من جهة, وكبير القرية وأولاده وأولاد عمومته من جهة أخرى, ذهبت مع عشيقها (المؤمن) إلى قرية بعيدة يحب أهلها العنف والعدوان وتعاهدوا معهم للخلاص من محيسن والاستيلاء على القرية طبعاً وفق صفقة تقاسم موارد القرية وخيراتها.. وكان الموقف صعباً على محسين, فلهذه المرأة مريدين ومناصرين, هذا من باب، ومن باب آخر هي استعانت بقوة كبيرة من الخارج.. فراح يستنهض الهمم ويوقظ المروءات.. وهو مع أولاده وأبناء عمومته كانوا في المقدمة يحذرون من نوايا (مطيره) السيئة التي تريد أن تخرب القرية وتتربع على أنقاضها.. وأخذ محيسن وإخوته وأولادهم والواعين من أهالي القرية يرددون دائماً (ظل البيت لمطيره طارت بيه فرد طيره)..
واستيقظ أغلب أهل القرية من سباتهم وغفلتهم وراحوا ينزاحون الواحد إثر الآخر من مناصرة هذه المرأة الغريبة والرجوع إلى طيبة قريتهم وسالف وحدتهم وتلاحمهم, وبعد أن تخلصوا من شرور المرأة بعد أن طردوها شر طردة وانتصروا انتصاراً كبيراً على من جاءت بهم لمحاربتهم واحتلال قريتهم, تحولت إلى ذكرى بغيضة وبعيدة لا تغيب عن دبكاتهم وأهازيجهم عندما يفخرون بأنفسهم في المناسبات والأعياد, فهم دائماًيستحضرون هوسة محيسن وأولاده وأبناء عمومته ومن تبعه من أهل القرية الذين لم يسقطوا في أحابيل تلك المرأة وعشيقها (المومن)
اشلون اتسلم البيت المطره —– ومطره تصاوغ بيه
وظلت هذه الأهزوجة حية وراسخة في ذاكرة العراقيين.. في النهي والتحذير عن كل من يثق بأي إنسان هو ليس في موضع الثقة والأمانة.. إلى حد أن الكثير من الهوسات والأهازيج اقتفت معنى هذه الأهزوجة أو الهوسة.. ولكن أجمل ما قيل في هذا الصدد هو حوارية بين شاعر من النجف وبين الشاعر عبد السادة الكصاد, حيث أرسل الشاعر النجفي بعد تشكيل أول حكومة عراقية من قبل المحتلين أهزوجة إلى الشاعر عبد السادة الكصاد يقول:
يمنادي الشعب لباك من ناديت
ذبحت اهل الفرات اعليك ما ناديت
سويتك حكومة وسلمينك بيت
شلون تسلم البيت لمطره ومطرة اتصاوغ بيه
فأجابه عبد السادة الكصاد:
مطرة البيت واهل البيت حكها من تصاوغ بيه
اشجم مرة تجي للبيت مطره وخالي اهو تلكيه
من ثلاثين للخمسين مطره تبوك كلشي البيه
الرايد يحفظ هذا البيت يطلك مطره وذاك الحايف ما يدناه
وها هي مطره تتحكم ثانية وثالثة بمقدرات البيت.. سرقة وفساداً ومجاملة.. وهذه المرة السرّاق واللصوص من أهل البيت.. لكن لا أحد يفحهم أو يقتص منهم.
____________________
مطوعة: في الريف وفي المناطق الشعبية العراقية وبسبب بقايا الجهل وضعف التعليم، يلجأ بعض الناس وخصوصاً من النساء باعتبارهن الأكثر تعرضاً للقمع والإذلال والجهل إلى الاستعانة بالمقدس لحل المشاكل أو طلب الأمور الحسنة كالزواج والرزق والأطفال, وتعلن بعض النساء وخصوصاً العوانس منهن أو الأرامل أو المنشغلات بالغيب أنهن مطوعات إلى إمام أو ولي معين, أي إنهن تطوعن لخدمته, واستكمالاً للثيمة المسرحية، يهتف الولي أو الإمام المعين برأس هذه المطوعة وبصوت خشن تحاكي فيه الرجال لتحل مشاكل كل واحدة من النساء اللواتي يتجمعن لمشاهدة هذا الفاصل المسرحي، طبعاً هي قريبة من الجميع باعتبارها إحدى نساء القرية أو المحلة.. فتعرف مشكلة كل واحدة منهن, فتصبح إضافة إلى فرجة مجانية، جلسة شيقة لطرح الحلول بعد أن يجيب المقدس الذي يهتف برأس المطوعة عن ما يراه من حل.
الحلال: يطلق أهل الريف على الأغنام والأبقار والجاموس كلمة (حلال) باعتباره من سالم حلالهم وكدهم، كما هي عملية تفريق عن ما يملكه اللصوص من أغنام وأبقار وجاموس, والذي يسمونه حلال أيضاً، لإبعاد شبهة اللصوصية عنهم.

المقال السابقالصراع التركي الاوربي ..
المقال التالىسيناء الحبيبة
علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من ...؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، عضو اللجنة ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد