العرب ومحنة الذات


 

لا شك أن الشكل الحضاري الذي نعيشه اليوم خصوصا في الغرب مهووس بفكرة المستقبل والخوف من الغد ومن الآخر، فقد تم بناء نمط جديد للحياة وللوجود الإنساني يرتكز أكثر فأكثر على الفكر المستقبلي والتنبؤ بتوقعات الغد.

لذا أسس الإنسان الغربي لنمط جديد وغريب للحياة مبني على حدس المستقبل وإعطاء الوعود حتى ولو كانت واهمة وغير واقعية ولا تفتح آفاقا آمنة للإنسانية، إلا أنها تفتح حقبة جديدة من اللاممكنات وتمهد لأزمة حضارية حقيقية وتفتح أبوابا أمام قضايا الهويات والمشاكل الإقتصادية والحراك الإجتماعي والسخط السياسي.

العالم الغربي يفشل في بناء عالم من الثقة وخال من الخطورة رغم العهود التي يقدمها كل يوم مما يزيد من الإنقسامات الإجتماعية عبر العالم ويخلق مناخا من التوتر قابل للإنفجار في أي وقت، فحتى الحوار الحضاري والتعدد الثقافي الذي صار الإيديولوجية الجديدة لروح الرأسمالية أطلق العنان للفردانية وتراجع دور المشترك/الجماعة. كما أن الدعوة إلى التعددات الثقافية هو الخديعة التي يتم بواسطتها تسييس النقاش العام المجتمعي وتحويل المشاكل الإجتماعية إلى قضايا عنصرية وتفرقة بين مكونات المجتمع الواحد، فهي لا تهدف إلى توحيد الهوية بقدر ما تهدف إلى زرع الطائفية والعرقية.

فإشكالية الإنسان العربي المعاصر تكمن في قدرته على بناء قاعدة للتعايش الإنساني والعمل على مشروع مشترك يبدأ من حركة فكرية حقيقية للمجتمع تتيح فرص اللقاء والحوار بين كل المكونات وتستبعد فرص الإصطدام، إنها إذن وضعيتنا الراهنة التي تحثنا على تغيير عقليتنا ومنطلقاتنا الفكرية ونظرتنا للحياة لأنه ببساطة لا يمكن أن نستمر هكذا وبنفس الطريقة.

فكل السياسات العربية قامت وتقوم على سلطة الخوف والإنسان العربي لم يتحرر بعد من عقدة الخوف وماضيه ومآسيه، فهو شديد الخوف من الغد ومن التغيير. إذن نحن بحاجة إلى فلسفة فكرية تقطع مع خوف الذات وتعود بها إلى هويتها الأصلية واعترافها بذاتها وبقدراتها على مواجهة الواقع، نحن بحاجة أيضا إلى إعادة بناء البعد التحرري للذات العربية وإعادة بناء الهوية شريطة التركيز على الجوهر والإبتعاد عن القشور الدخيلة.

كما أن الإنسانية العربية تعاني من الخلط بين الغضب والإستياء، فالغضب يوصل إلى العدالة بالمفهوم الأرسطي وهو تحرك جماعي تحو تحقيقها بإرادة وعزيمة. أما إذا لم يتم التعبير عن هذا الغضب فهو يتحول إلى استياء وهو ما حصل مما يؤدي إلى حقد مدمر وإذلال للذات عوض الإحساس بالفخر الذاتي، والإستياء لا يلحق الأذى فقط بالذات بل بالآخر أيضا وبالجماعة.

فالعولمة والنظام العالمي الجديد انتشر بطريقة سيئة وانتشر معه الإستياء العام، والصعوبة تكمن في كيفية التعامل مع الظاهرة ومعرفة طريقة التفكير في واقعها. لكننا نواصل في الوقت نفسه ممارساتنا التأديبية للذات العربية وصولا إلى إحساسنا بأننا منبوذين اجتماعيا وأحيانا التنصل من عرقنا وهويتنا إرضاءا للآخر.

تحمل الشعوب العربية في طياتها سنوات عجاف وطويلة من الكوارث السياسية والإجتماعية والقمع النفسي وسلسلة هزائم ونكسات أدت إلى عصيان مدني وحراك شعبي بدون بوصلة أدخل المجتمعات العربية في متاهات مظلمة، كل هته الأحداث شكلت حلقات متسلسلة من اليأس الذاتي جعلنا ندور في فلك مغلق لا محدود.

لا تعليقات

اترك رد