بيروت والعشق الملوّن

 

لا أستطيعُ استعادةَ ذاكرتي الطّفليةِ المكتظّة بصور مختلفةٍ ومتنوّعةٍ دون أن تشعَّ في إحدى زواياها بيروت بكل رمزيّتها وصباها، تلك التي شكّلت بين تقاسيمِها أغاريدَ شرودي الملّونة وروح تمرّدي الأول، خصوصاً وأنّني ترعرعت في بيئة معاندةٍ كانت جاهزةً ومتفاعلةً ومنفعلة باستشراف الجديد واستقبالِ الحداثةِ والتّطلّعِ للتغيير.

هكذا بدأتْ ترتسمُ ملامحُ بيروت الجمال والمدى والتنوّع الثقافي والاجتماعي وكأنّني في فسيفسائيّة تختلطُ وصورة “النجف السعيد” أو ما يكنّى “خدُّ العذراء”، حيث يستلقي الشّعرُ متنفِّساً المدينةَ المحافظةَ التي تآخت مع التمّرد، حتّى تفّجر “الفكرُ المنفتحُ في المجتمع المنغلق” على حدّ تعبير السيد مصطفى جمال الدّين.

لم يكن يفلتُ صيفٌ أو زيارة ، إلاّ ويختارُ جدّي “حمود شعبان” مستقرّاً له بيروت يعانقُها ذهاباً وإياباً، يراسلُها الحلم قَصَدها أو لم يقْصِدْها.هكذا استحضرتُ وجهَهُ المشرق يتراءى من بين غيومٍ تتركُها لفائفُ سجائرهِ المتّـقدة، حين كنّا نتحلّقُ حولَه وهو قادمٌ يحمل إلينا الهدايا والعطايا التي كنّا نشمُّ فيها رائحة مدينةٍ مجنونة. وعلى قدر لغتهِ الصامتةِ المُهابة كانت تتجلّى في أراجيحَ خيالاتِنا قصصٌ ونوادرٌ عن تلك المدينةِ الأليفةِ و”زواريبها” الحميمة، وعن البحرِ السمائيّ الممانع و”مقهى الحاج داوود”، وصخرةِ الروشة التي كنّا نشاهدُ بصماتها العشقيةِ على بطاقاتِ البريدِ .

سنةً بعد أخرى كانت اللّوحة تزدان بألوان صاخبةٍ بالحنين كلّما ساح خالٌ أو عمٌّ أو قريب، ولكلٍّ منهم طريقتهُ في القصّ والإيحاء، فخالي “ناصر شعبان” كان إذا استرسلَ في الحديث عن لبنان لا يتوقّف، فيأتي بعلبك وزحلة والباروك وبيت الدّين وصيدا وصور، إضافةً لطرابلس و برمّانا وعاليه، وبحمدون المرتكز الرئيسي، وعمّي الدكتور “عبد الأمير شعبان” يختار كلَّ عام مسكناً له في صوفر أو في حمّانا أو فالوغا ويردّدُ البيتَ الأوّل من قصيدة الجواهري عن “شاغور حمّانا”:

عـاودتُ بعــد تغـيـُّـــبٍ لُبـنانـا / ونــزلتُ رَحْـــبَ فِـنائـه جَـذلانـــا

إلى أن يقول:

“شاغـور حـمّانا” ولم ير جنّةً / مــن لــم يشاهــــد مـرةً حــمّانا

مـرْجٌ أرادتْــه الطبــيعة صـورةً / مـنها عـلى إبـداعـها عُـــــنوانا

لامستِ بالشّك اليقينَ وزعزعت / مــرآكِ نــفساً تــــنشدُ الإيــمانا

أمِـنَ الجِنان وخمرها لكِ صورةٌ / صـورَّت عــــنكِ الجــنانُ جـنانا

يا أخت “لا مرتين” ارهفَ جُوك / الإحساسَ منه ولطَّفَ الوجدانا

هــذي الينابــيعُ الحسانُ تفـــجَّرتْ / منــها يــنابيـعُ البـــيان حِسانا

وخالي “جليل شعبان” بدا وكأنّه يتسلّق شجرة الأرز وهو يلتقط تذكاراً له، لم ينسَ أن يكْتُبه صورةً فوتوغرافية في مجموعة شعرية نشرَها مؤخّراً وأطلق عليها “بين الأرز والنّخيل”، مقدّماً تراتيلَ لبنانَ المنحوتة في السماء على نخيل أناجيل سومر حضارةِ “الأوّل من كل شيء”، ولا زالت جدران منزلي تحتضنُ صورتَه النابضة الفتيّة يترافق و جدّي وهما يرتديان البدلاتِ الأنيقة في بيروت الخمسينات.

أمّا خالي “رؤوف شعبان” فكان يبتسم وهو يعلّق أثناء الحديث عن بيروت لما لها من وقع خاصٍّ جداً عنده، و”معين شعبان” الّذي كان يُطرب كلّما سمعَ تغريد”الصّبوحة”، وظلّت بيروت مثل دمشق قبلةَ والدي “عزيز شعبان” كلّما اختار السفر، ولا أزال أتحسّس الحسرة

التي كان يطلقُها الدكتور “ناهض شعبان” كلّما جاء على “اسم بيروت” (بلد العيد) حيث قالت لهم فيروز بشذا صوتها الأيقوني:

(عندك بدّي إبقى…/ بلدي عم يخلق جديد/ لبنان الكرامة والشّعب العنيد)

هكذا كانت بيروتُ حاضرةً بيننا في بغداد، بل ولبنانُ كلُّه من شماله إلى جنوبه، وما فيه من مطبوعاتٍ وقراءات وكثيرٍ من جدل، وكأنّنا كنّا ندرس أو نعمل أو نعيش، لكي تأتي الفرصةُ ونراودَ حلمنا المشاكس – وأعني بذلك – قضاء عطلة الصيف في لبنان وفي فندق الكارلتون في بحمدون للخواجه “توفيق أبو رجيله”.

أمّا بيروت فكنّا نجدُ فيها كلَّ شيء: المقاهي والكُتُب والملابس والصديقات الجميلات وأغاني الحب والسينمات والمسارح والموسيقا… وكلّ ما له علاقة بالتمدّن والتعايش، حيث شارع الحمرا وساحة الشهداء “البرج” وساحة رياض الصلح وبناية العازارية والروشة وسوق الطويلة وسوق سُرسق وفندق اليلدزلار وفندق نابليون ومقاهي الدولشفيتا والويمبي والمودكا والهورس شو والإكسبرس وستراند والألدورادو والروضة ودبيبو ومسرح قصر البيكاديللي والتياترو الكبير وتياتر بيروت والمسرح الوطني “مسرح شوشو” وسينما روكسي ومتروبول والأمبير و الريفولي والراديو سيتي والأوديون وغيرها…

– II –

وإذا كان الإبحارُ في ما نصبو إليه ومضةً بارقةً سرعان ما تنتهي وقد يبقى شيءٌ من كلّها في ذهنِك أو لا يبقى، حيث تكونُ اليقظةُ قد بدّدت طيفها الخاطف بعد أن تلاشى، لكنّك في حضرة بيروت تصحو مبتدئاً مع مخيّلةٍ جديدة ممتدّة وأنتَ في انخطافٍ موجودٌ، لكأنَّ أنوثة “المدينةِ الإلهة”عادت حلماً يستمرُّ، لطالما عاشَ معي وتغلغلَ في كياني وتنامى مع توجّدي، فقد سكنتني يقظةُ بيروتُ الهاربةُ إلى ليلي حتى قبلَ أن أسكنها، رغم أنّ صدمة الحرب الأهلية (1975-1989) كانت عميقة التأثيرِ وموجعة في نفسي لكنّني بقيتُ على تواصل و بيروت المتّشحة بغيابات كأنّي أشاجيها وأنا: “أرحل عن شوارعها/ وأقولُ مع محمود درويش: ناري لا تموت/ شكراً لبيروت الضّباب/ شكراً لبيروت الخراب/بيروت

خيمتنا الأخيرة…”. وقد امتدّت روحي عبوراً إليها حتّى تدفّقت أسوار الدم جاهزةً بيننا حينما قتلوا “امرأة كانت تدعى الحرّية”عشيةَ الحرب الأهلية.

وأستطيع القول إنّني عشتُ المدينة بكلِّ جوارحي لستةِ عقودٍ من الزمان، أي مذ عرفتُها في مطلعِ الستينات من القرن الماضي، وكنتُ أتردّدُ إليها باستمرار بما فيها فترة دراستي في أوروبا في مطلع السبعينات وحتى خلال الحرب الأهلية.

كنتُ أبحثُ في المدينةِ عن المختلفِ واللاّمألوفِ من الكتب و الصحفِ إلى المغايرِ واللّا تقليدي من الأفلام، فأجدُ متعتي في هذا التنوّعِ المتجانسِ والاتّساقِ المتمايز، وفي التعدّدِ والوحدةِ وفي طريقة الحياة اللبنانية، وكان شغفي الصّيفي في ستينات القرن الماضي وأنا أزورُ لبنان أن أجلس في مقهى “الشامات” في بحمدون لأبدأ قراءة الصحفِ اللبنانيةِ الرائدة مثل: “النهار” و”النداء” و”الحياة” و”المحرّر” وغيرها، إضافة إلى عددٍ من المجلاتِ ومن بينها تلك المثيرة للجدل والاستفهام مثل مجلة “حوار” ومجلة “شعر” وغيرها.

وكلّما كنتُ أستعيدُ أجواءَ النقاش والسجال والحوار بخصوص النوافذ الثقافية والأدبية والفكرية والتوجهاتِ اليمينية واليسارية، والماركسية والناصرية، والغربية والشرقية يحضرُني ذاك الحوارُ الذي أثيرَ في أواسط العام 1954 من القرن الماضي حول “مؤتمر بحمدون” الذي دعت إليه “جمعيةُ أصدقاء الشرق الأوسط” (الأمريكية) وكانت الدعوة قد وصلت الشيخ “محمّد حسين كاشف الغطاء” في العراق “النجف” من قبل كارلند إيفانز هوبنكز “نائب رئيس الجمعية” والهدف منه – كما تحدِّد بطاقة الدعوة – دراسة القيم الروحية للديانتين الإسلامية والمسيحية وتحديد موقفهما من الأفكار المادّية الإلحادية، ولكن ” كاشف الغطاء” كان قد اعتذر عن حضور المؤتمر، بل شكّك بنواياه حيثُ أرسلَ جواباً مطوَّلاً بعنوان “المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون”، وكان اليسار العراقي هو من قام بترويج ذلك الخطاب الذي طُبعَ على شكل كرّاس لفضحِ أهداف المؤتمر الذي قيل إنَّ جهاتٍ مخابراتية أمريكية تقف وراءه.

– III –

في أواخر السّتينات توثّقتْ علاقتي مع العديد من الأوساط الثقافية والأدبية والفكرية في لبنان، خصوصاً مع حركة المقاومة الفلسطينية وكنتُ قد بدأتها في بغداد. وكان من المقرّر ذهابي بوفد إلى “صوفيا” لحضور مؤتمر الشّباب والطلاب في 25 تمّوز(يوليو ) حتّى 5 آب (أوغسطس)عام 1968، وبسبب احتمال طلبنا للخدمة الإلزامية لم ترخّص لنا وزارة الدّفاع العراقية السّفر إلّا بعد دفع كفالة نقدية ،وحين قمت بدفعها تمّ تحديد موعد العودة إلى نهاية تمّوز (يوليو) ،الأمر الذي سيعرّضني للمساءلة ،في حال الذّهاب إلى المهرجان ،والتّأخّر عن الموعد المقرّر ،وبما أنّني أنجزت معاملة السّفر فلم أدع الفرصة تفلت منّي فقرّرتُ التّوجّه إلى بيروت ،وخلال وجودي فيها حدث أمران مهمّان أحدهما شخصي وهو وفاة عمّي الدكتور عبد الأمير شعبان ،والثّاني حدوث انقلاب 17 تمّوز (يوليو) العام 1968،وعدْتُ بعد ذلك إلى العراق ، وانتظمْتُ مع خرّيجي الجامعات للتّدريب في “كتائب الشّباب” بدلاً من التحاقهم بدورات كضبّاط احتياط .

وأتذكّر ما كتبته الصّحف اللّبنانية في ذلك الحين عن الانقلاب العسكري ،خصوصاً بعد إعلان أسماء الحكومة الأولى برئاسة أحمد حسن البكر ورئيس الوزراء عبد الرزّاق النايف،وحين رجعت إلى العراق كنتُ قد قرأتُ باقة أخبار ومعلومات عن التطوّرات السياسية الجديدة التي لم تكن متوفّرة لدى الكثير من السّياسيّين،وهو ما بقيت متابعاً له باستمرار ،إذ كانت – حتّى الانقلابات العسكرية – تُطبخ في بيروت ،مثلما يتحدّد سعر الصّرف للدينار العراقي،وكان ذلك أحد مؤشّرات احتمال قيام حركة أو انقلاب أو ثورة حسب توصيف الجماعات السّياسية، حيث كانت الساحة اللّبنانية تلعب يومها دوراً في ذلك لنشاط أجهزة المخابرات العربية والإقليمية والدولية فيها.

وقد رويتُ في مطالعتي عن الراحل تيسير قبعة عن جوانب من علاقتي ببيروت وما قمتُ به بعد اضطّراري لمغادرة العراق في العام 1970، حيث وصلتُ بيروت بعد رحلةٍ مضنيةٍ عبرَ الكويت بما فيها من مجازفاتٍ ومخاطراتٍ عديدة، فاتّصلتُ بالرفيق نديم عبد

الصمد، وطلبَ منّي التنسيق مع خليل الدبس وخليل نعّوس لحين عودته. كما زرتُ صحيفة الأخبار الأسبوعية (خلف سينما ريفولي في ساحة الشهداء)، وكان الحزب الشيوعي اللبناني يصدر إضافة إليها صحيفة النداء اليومية (4 صفحات)، علماً أنّ الرفيق الدبس كان من “قياديّ حزب” الشّباب آنذاك، أمّا الرفيق نعّوس، فهو من قيادة منظمة بيروت، وعمل في جمعية الصداقة اللبنانية ـ البلغارية، واغتيل في 20 شباط (فبراير) العام 1986، وقد اغتيلَ بعده بأربعة أيام المفكر والصحافي الشيوعي القيادي سهيل الطويلة، وكان حينها عضواً في المكتب السياسي ورئيساً لتحرير جريدة النداء.

وبمناسبة الحديث عن الاغتيالات السّياسية، فقد طالت المفكّر “حسين مروة” (1987) الذي درس في النّجف من العام 1924 ولغاية العام 1938 في الحوزة العلمية ،لكنّه بعد هذا التاريخ ترك العمامة وانصرف إلى الكتابة في جريدة الهاتف وصحف أخرى و امتهن التّدريس في المدارس الأهليّة، كما نشط مع اليسار العراقي وكان قد كتب في وقت لاحق “تعرّفتُ على ماركس في النّجف” وهو ما حاولنا الإضاءة عليه في صحيفة المنبر التي كان لي شرف إصدارها والإشراف على طبعها في بيروت أواسط الثمانينات، و كان حسين مروة حينها قد حصل على الجنسية العراقية، ومعه محمّد شرارة الأديب الّلبناني الذي درس هو الآخر الدّراسة الدّينية في النّجف ،ثمّ انتقل إلى الماركسية،لكنّه أُبعد إلى لبنان وسُحبت جنسيّته العراقية في العام 1949،في حين سُجن محمّد شرارة في العراق .كما اغتيل حسن حمدان “مهدي عامل” بعد ثلاثة أشهر من اغتيال مروّة (1987) وكان قد ودّعه في مقبرة السّيدة زينب في دمشق مخاطباً إيّاه والمثقّفين العرب “إذا لم توحِّدنا الثّقافة بوجه الظلام فماذا سيوحّدنا !؟”.

وإذا كانت علاقتي قد تعزّزت مع مثقّفين لبنانيّين يساريّين في السّتينات والسّبعينات فإنّها اتّسعت لتشمل الطيف السّياسي في الثّمانينات على الرّغم من تعقيدات الوضع اللّبناني، وكان الغالب فيها هو محور الحركة الوطنية الذي شمل اليسار اللّبناني وخصوصاً كريم مروة و جورج حاوي و جورج البطل و سعد اللّه مزرعاني و يوسف مرتضى، إضافة إلى وليد جنبلاط وإنعام رعد و مروان فارس و زاهر الخطيب وجريدته ” الحقيقة ” التي كنتُ أنشر فيها باستمرار، ناهيك عن مجلّة “الدّنيا”، ثمّ اتّسعت بعد ذلك لتشمل فريقَي 8 آذار و 14 آذار، وإنّني لَأجد في الموزاييك اللّبناني نوعاً من الغنى والتّكامل .

خلال وجودي في لبنان العام 1970 قام “الخليلان” بمرافقتي وتأمين اتّصالاتي، واستمعا مني إلى تفاصيل الوضع في العراق وتدهورِ العلاقة مع حزب البعث، ودوّن أحـد الصحفيـين، – ولا أتذكّر اسمه – المعلوماتِ والأخبار التي نقلتُها، وفي اليوم التالي ولبضعة أيام، كانت “النداء” اليومية و”الأخبار” الأسبوعية قد ضخّت حزمة أخبارٍ جديدةً عن الوضع في العراق، وبشكلٍ خاص عن ملاحقاتِ الشيوعيين ونسبت الأمر إلى مصادر خاصةٍ من داخل العراق.

ثم أجرتْ معي صحيفةُ الرايةِ الّتي كانت تمثّلُ الاتّجاه القريب من تنظيم حزب البعث السوري، وفيما بعد مجموعة (صلاح جديد)، مقابلةً مطوّلةً نشرَتْها على عددين ليومين متتاليين، ووضعَتْ العنوان على الصفحة الأولى: “هاربٌ من العراقِ يروي قصصاً رهيبةً عن قصرِ النّهاية”.

وفي بيروت تعرّفتُ على الروائي غسّان كنفاني رئيس تحرير مجلة الهدف، وذلك ما قامت بتأمينه لي قيادةُ الحزب الشيوعي اللبناني، وكنتُ قد قرأتُ له بعضَ كتبهِ ودراساتٍ له في الستينات، أتذكرُ منها: تعريفُه بشعراء المقاومة، وخصوصاً محمود درويش، وسميح القاسم، وعن الأدب الصهيوني، إضافةً إلى روايتهِ الشّهيرة “رجالٌ في الشمس”، وبادرَ بإهدائي روايتَه “أم سعد”، وهي من الكُتبِ التي أعتزُّ بها، وبقيَ معي في براغ، وحين عودتي حملتهُ في حقيبتي اليدوية، ولم أضَعْه في حقائبي مع حاجياتي وكتبي التي شحنتُها إلى بغداد، وقد تمّت مصادرتُها لاحقاً مع مكتبتي وثلاث مخطوطات، كنتُ قد أعددْتُها للطبع، من قبل الأجهزة الأمنية العراقية.

استقبلني غسّان كنفاني بابتسامةٍ عريضةٍ في مقرّ المجلة في كورنيش المزرعة على ما أتذكّر، وطلبَ من المصوّر تصويري لأرشيف المجلة، وخلال حديثي معه كان أحد الصحفيين يدوّنُ بعضَ ما أقوله. لا أتذكّرُ إنْ كان قد نشر شيئاً بعد مقابلتي أو لم ينشر، لكنّه –

على ما أذكر جيداً – كان يتمنّى أن تنصبَّ جهودُ الوطنيّين واليساريين لمواجهةِ العدوان الصهيوني والمخطّطات الإمبريالية.

ذكّرني الصّديق صلاح صلاح، حيث تستمرُّ صداقتُنا منذُ عقودٍ من الزمان، أنّه سمع لأوّل مرّة عنّي من غسّان كنفاني، وحتى قبلَ أن نلتقي، إضافة إلى قياداتٍ فلسطينية لاحقاً، حيث جاء اللّقاءُ الأوّل بيننا بعد ذلك بسنوات، لكننا كنّا نعرفُ بعضَنا قبل هذا التاريخ، وهو ما تناوله بشيء من التفصيل في كلمته عند تكريمي في بيروت العام 2006.

كمْ حزنتُ لفقدان ذاك المبدعِ اللاّمع وهو في ريعان شبابه وأوجِ عطائه، حيث كان قد استكمل أدواتِه الفنية ونضجت تجرِبتُه، حتّى ترصّد له جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وقامت يدُ الغدر بتفجير سيارته في منطقة الحازمية في 8 تموز (يوليو) العام 1972. رحل ولم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر، وكانت تلك واحدةً من الصّدماتِ التي صُعقتُ بها، وما عاظَمَ ألمي هو محاولة اغتيال العقلِ الفلسطيني والمثقفِ الفلسطيني والإبداعِ الفلسطيني. والفلسطينيون لم يقدّموا مناضلين ومقاومين كبار فحسب، بل “مبدعين كبار” مثل غسّان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد وإميل حبيبي وناجي العلي، وغيرهم.

وقد أعقبَ كنفاني في مهمّة رئاسة تحرير مجلة الهدف بسّام أبو شريف، الذي كنتُ قد تعرّفتُ إليه في مؤتمر اتحاد الطلاب العالمي الذي انعقد في مدينة براتسلافا (سلوفاكيا)، ثم التقيتهُ كثيراً، وإذا بطردٍ ملغومٍ يُرسل إليه لينفجرَ بوجهه بتاريخ 25 تموز (يوليو) 1972، فيأخذ إحدى عينيه وأربعة من أصابعه، ويفقد جزءًا من سمعه، وبقيت بعض شظاياه “تطرّز” صدره ولا يزال يحملها إلى الآن. وكانت براغ محطة أساسية لعلاجه، إضافة إلى تردّده إليها بصفته نائباً لرئيس اتّحاد الصحفيين العالمي. وقد وقع حادثُ التفجير بعد أسبوعين من اغتيال غسان كنفاني.

وكانت أجهزة المخابرات الإسرائيلية تنشط في بيروت لملاحقة القيادات الفلسطينية لاغتيالها، ففي 28 كانون الأول (ديسمبر) العام 1968 قام الطيران الإسرائيلي بقصف مطار بيروت وتدمير 13 طائرة مدنية، بزعم الردّ على المقاومة. وفي 10 نيسان (أبريل) 1973 استهدف الكوموندوس الإسرائيلي في عملية قرصنية “كمال عدوان” عضو المجلس الوطني الفلسطيني ومسؤول الإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، مع زميليه الشاعر “كمال ناصر” وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية “محمد يوسف النجار” (أبو يوسف).

– VI –

لم أكن في ذلك الحين قد اطّلعت على فكر شارل مالك ودوره الرّيادي، خصوصاً في وضع “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” عام 1948 بالتّعاون مع البروفيسور الفرنسي “رينيه كاسان” والسيدة “إليانور روزفلت”، ولكنّني حين قرأت مقدّمته “العبقرية” في وقت لاحق تأكدت أنّ فلسفته كانت وراء الصياغة المُحْكمة لتلك “المصكوكة” الدولية، وبعدها كتبتُ عنه مقالةً بعنوان “شارل مالك الكبير ولبنان الصّغير” وحين حضرتُ الاحتفال الخمسيني لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1998) وتجوّلت في قصر”شايو” في ساحة تروكاديرو (باريس)، شعرت أنّ روحَه تخيّمُ على أروقةِ المكانِ النابضِ بتفاصيله. وكنتُ قد خصّصتُ خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكثرَ من مبحث لي وأكثر من محاضرة وإضاءة عنه.

وكما يقول جبران:

“لبنان يا أسمى المعالي لم يزلْ / لأُولي القرائحِ مصدرَ الإيحاءِ”

وطن الكفاءات الّذي أنجب كباراً في الفكر والعلم والأدب والفنّ، من صاحب “النبي” وعواصفِ روحهِ الملتحفّةِ بالتمرّدِ والنهوض، إلى رحلات أمين الريحاني المتدفّقة في حبْرهِ الحي، و”سبعون” ميخائيل نعيمة “الفيلسوف البليغ إلى أدب “مي زيادة” ورسائلها الشغوف، و”معضلة اللّغة” التي وضعت “الفيلسوف كمال يوسف الحاج” أمام معضلة القومية، وميشال شيحا المفكّر اللّبناني المتقدّم على عصره، وموسوعية البستاني وبلاغة اليازجي ومورد البعلبكي الأكبر… وكيف ننسى “حسن كامل الصبّاح” الذي حلم بحياكة ليلنا

من خيوط الشمس ومايكل دبغي الذي نسج جروحات قلوبنا؟.. أمّا “سيّدة الجلالة” فكانت أنثى لبنان الغنوج حيث رياديّة غسان تويني وكامل مروة وسليم الّلوزي وميشال أبو جودة وطلال سلمان والقائمة مفتوحة ….

ألا تكفي هذه الكوكبةُ التي أسّستْ مع الفكر الفلسفي التنويري المعاصر من موسى وهبة وناصيف نصار وغيرهم، وأسراباً محلّقة من الشعراء المُحدثين أمثال إلياس أبو شبكة والأخطل الصغير وخليل مطران وسعيد عقل وإلياس خوري وأنسي الحاج وجوزيف حرب وطلال حيدر وغيرهم، وعديد من الفقهاء القانونيين وعلماء اجتماع واقتصاد؟

إنّها بيروت تخاطرني وأتماهاها بصوت فيروز الملائكي وتلاحين فكر الأخوين الرحباني الانسيابي الإصلاحي و”ثورة الفلاحين” وأغاريد “نصري شمس الدّين” لأن لبنان “راجع يتعمّر” كما خلّده زكي ناصيف، وتُسائل حنيني مواويل وديع الصافي:

“لبنان يا قطعة سما / اسمك على شفافي صلا”

– V –

حين انتهت الحرب الأهلية وأُبرمَ اتّفاق الطائف تكرّرت زياراتي لبيروت وعندما قرّرتُ أن أترك لندن لم أفكّرْ أن أستقرَّ في أي مدينة عربية غير بيروت، مع أن علاقتي بدمشق فيها الكثير من الحميمية مثلما هي علاقتي الودّية مع القاهرة. وبغداد التي تسكنني لا زالت بعين العاصفة… إذاً هي بيروت ذاتُ الأوتار الخاصة، وحيثما يشعر المرء بالحريّة فذلك وطنه. وكما يقول الكاتب المسرحي اليوناني أريستوفان “الوطن هو حيث يكون المرء بخير” وبيروت دائماً تجعلني بخير. إنها مكتوبةٌ بالماء، وياسمينُ كلِّ حبٍّ، هي التي أنجبت “عشتار” الآلهة التي تعمّدت بأحشاء الموج، أمُّ الشرائع هي، وتوأم الزمن ما كتبه ننّوس اليوناني في القرن الخامس الميلادي.

قالت كلمتها بيروتُ، فكان الله فعل كمال… سمائيةُ البحار هاتيك معاصرةُ الأبد، امرأةٌ “كانت تدعى الحرّية”، حتّى “دفعت الجزية عن كلّ الكلمات”، يا ستّ الدّنيا يا بيروت/ يا حيث كتبنا الشِّعر…

بيروت التي جُبلت بالمحن والمعاناة احتضنت اللاجئين والنازحين والطامحين وعشّاق الجمال، هاتِه أشكلَةُ مدينة بفعل أبجدية الخلود تُحاكي ما بعد الوجود وتُحيي الزّمان، تُعمِّد الآلهةَ بتراتيل الحرّية

بيروت “إنّ الدّنيا بعدك ليست تكفينا…”.

الآن عرفنا… أنّ جذورك ضاربة فينا…”.

قال فيها الشاعر أحمد شوقي:

“لبنان والخلـد اختــــراع الله لـم / يـزدن بـأحـسن مــنهمــا ملكـوتـُه

هو ذروة في الحسن غيرُ مرومة / وذرى البراعة والحجى بيروتُه”

“لن أنسى هذا الدفءَ مثل هذه الدقائق تتداخل في وجودنا كاللّحظات الأخيرة بانتظار أول موعد غرامي” حيث أنفاس الشاعر “موريس باريس” الشجية تحيكُ وشيَ الثقافة الفوّاح. وتقاسيم روح “الجواهري” تردّد:

لبنان يا خمري وطيبي / هلاّ لَممْتِ حُطامَ كوبي

هــلاّ عطفتِ لي الصبا / نشـوانَ يرفلُ بالذّنـوبِ

إلى أن يقول:

نــزقُ الشّبابِ عبدتـهُ / وبرئـتُ من حلم المشيـب

يا من يقايضني ربيـ / ـع العمر ذا المرج العشيب

بـــالعبقـــريـــة كلِّها / بخـرافــة الذهــن الخصـيب

أحمل إليكم من العراق سلاماً لبيروت الحبيبة وأشاطركم الآلام والأحلام والآمال.

“بللٌ منك، كماءِ اللّيلِ على الأشجار

اسمكِ ،لي بيتٌ في اللّيل

ونسيتُ، لسرعةِ قلبي،

كلّ نوافذه مشرّعةً للّيل

نسيتُ… نسيتُ… وأيقظني

ريح الشّباك على وطني

يا وطني، وكأنّك غربة

وكأنّك تبحث في قلبي عن وطن أنت

ليؤويك

نحن اثنان بلا وطن… يا وطني

في الطرقات المشبوهة بالإنسان…”.

ذاك هو مظفّر النّواب في حضوره الأبدي.

شكراً لأنّكم إذْ تكرّمونني، لأنّكم أتحتُم الفرصة لي لأكرّم بيروت التي تستحقّ كل السّمو والإجلال.

كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان في حفل تكريمه

5/3/2017

في إطار المهرجان اللبناني للكتاب السنة السادسة والثلاثون 2017 (دورة منير أبو دبس)

الحركة الثقافية – انطلياس

برعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون

لا تعليقات

اترك رد