راحتك ريح عاصفة


 

عندما طلبت من جدّتي معابثة لها أن تقرأ كفّي قالت والنّفس منها كعصف ريح -راحتك ريح عاصفة والرّيح يا بنيّتي رحم والرّحم رحيل وحنين.
عجبت من إلغازها وتساءلت “من أين لامرأة قصيرة النّظر أن ترى في راحتي ما لا يجتمع لراء؟” وواصلت مشاكستي
-راحتي شيء من راحتك وريحك أطيب ما فيّ ورحيلي إليك يختزل الحنين
صمتت جدّتي صمت التّمثال الذي تكونه حين يودّعها عزيز دون أن يلتفت إلى ظلّه في كهفي عينيها … لم تكن تراني ولا ترى كفي بين راحتيها …كانت كمن تكشّف له الغيب … و ولولت الرّيح في الخارج فقلت
-يسوء مزاجي إذا اشتدّ عصف الرّيح … سأعدّ شايا نشربه سويّا وأعود بعد ذلك إلى بيتي .. أخرجها عزمي على تركها وحيدة من صمتها
فهمست
لا أحد يرى حميميّة الرّيح وهي تغزل لولبيّتها باشيائنا الصّغيرة وأنفاسنا وآهاتنا وفرحنا وحزننا وأشواقنا ولوعتنا فننشأ فيها نشأة أخرى فكما لا تثمر شجرة دون أن تمسّها الرّيح لانكون إذا لم تصعف بنا ريح ما..
عندما تدرك المرأة سنّ الشّكر تعلم أنّها هشاشة التّراب فلا تزعجها الرّياح كيفما عصفت فهي بعض من كلّ ما يلزم الأرض وما يتركها لحين ثمّ يعود إليها … لكن أنت ما زلت في سنّ زهر اللّوز… لمزاجك أن يضيق بالهشاشة … ستزهرين وسيكون لك ريحه ورحيله
لزمت مكاني وسألتها أهذه هي الرّيح الرّحم ؟
شدّت عل يدي وقالت
-هاتي عصاي وساعديني لأنهض…هل أوجعك تيبّس مفاصلي؟
استندت عليّ وخطت فكان خطوها كما لو أنّها طفل يتحسّس الأرض بمشيه الأوّل .
قالت
-يضيق نفسي إذا غلّقت الأبواب دعينا نجلس في فناء الدّار أريك وجه الله
قلت
الهواء الطّلق على علاّت الرّيح يساعد على طلاقة البيان وقد يطلق ذهني الصّغير من عقاله.
ضحكت جدّتي حتّى اهتزّ كلّ جسدها وكان في اهتزازه كما لو أنّ بعضه يصانع بعضا وقالت
أنت الآن ترين رحيلي إلى ما لا تعلمين ولا أعلم ولكنّني أرى رحيلك إليّ … ستطوّح بك الرّيح في حناياي وستسلكين ما سلكته من شعاب حتّى تصلي إليّ وحين تقع قدمك على موطىء قدمي ويمسّك بعض من ريحي ستعرفين الرّحيل إلى الله وأنت تركبين الحنين.
عصف بي كلامها وغصت في تجاعيدها أبحث عن جراح بلاغتها وعن لون الرّيح في خضاب ضفيرتها فانتبهت إلى نظرتي وقالت مبتسمة
-ستنمو النّسمات التي تداعب خصلات شعرك الأسود فتصبح رياحا تسلم ليله إلى ضفيرتي وسترين عمرك يسكن محجريّ
تهت في محجريها … جدّتي المرأة البيان … سكن الشّجن صوتها … هو ثكلها ينتحب هو فقدها من أبنائها ما جعلها لا ترى جميلا في غير أمومتها المعطوبة لذلك فهي تتوكّأ على أسماء من فقدت في استحضار روحيّ عجيب وهي الآن تراني اسما أو معنى يسندها أو يستند عليها …كنت أحبّ غرابتها هي المرأة الأميّة الثّكلى التي آوت اليتامى لطلاق أو وفاة من أبناء إخوتها لتكون أمّا بديلة أو أبا بديلا أو حياة بديلة لكلّ الثّكالى لذلك حقّ لها أن ترى وجه الله وأن تريه للآخرين في صوفيّة عفويّة لقلب عارف ولسان أمّيّ .
تساءلت “كيف لامرأة تزهد في يوميّ النّساء أن تعلّمهنّ فنون نزال الحياة فتكون طبيبهنّ النّسائيّ وممرّضتهنّ فتحتضن صغارهنّ في هبوب الوجود الأوّل وكيف لها أن تكون احتياطيّهن في اقتصاد الحياة العفويّة ليكون صندوقها الخشبيّ صيدليّة مركزيّة وبنكا لا يعرف الرّبى وكيف لها أن تكون مستشارا رسميّا للرّجال وكيف أمكنها أن تجعل الأمومة على الشّياع فالكلّ يعود إليها في أمره وإن لم يعده الأمر أعاده الشّوق؟”
وسألتها
-جدّتي لم تحتفظين بذلك الصّندوق الخشبيّ وقد هرم؟
ألقت بصمتها في نظرة مشفقة وقالت
-الأشياء يا بنيّتي تشتقّ أعمارها من أعمارنا …عندما تتناقص أيّامنا تربو الأشياء وتنضج.
ضحكت وقلت
-ولكنّها تهترىء ويتمكّن منها الزّوال.
ردّت
لا يهترىء ما كانت الألفة بعضه … مثلما تبتلى المرأة بحمل أعمار الآخرين فهي أيضا تحمل أعمار الأشياء … تعيش بها وفيها مثلما تحيا بهم وفيهم لذلك تجد نفسها هي والألفة واحدا وحين تغيب يبعثها الحنين من الأشياء ومن الصّمت.
كنت أسير والرّياح تدفعني ..ولم أنتبه إلى أنّني أحاذي المقبرة التي ترقد فيها جدّتي … كانت ريحي قد ساقتني إلى ريحها والعصف من حولي ينشىء لولبا من الأتربة وجثامين الأكياس البلاستيكيّة تعلو وتسفل وتمرّ على القبور فيعلق بعضها بما نما من نبات حزين ينطق بتأبين أبديّ لكلّ من غاب ويطير لاشيؤها مجدّدا ويغيب في الوادي المجاور للمقبرة اللّولب وما حمل.

4 تعليقات

  1. لقد استمتعت – و انا يغمرني الخوف و الحنين – بالرحلة الرائعة في حبكتها القصصية من جوار الجدة ذات الامومة المعطوبة داخل بيتها الى فِناءه عندما بدأت تشتد عاصفة الريح و الى ساحة الفَناء بجوار الوادي اين بدأ السفر الطويل الذي لا عودة منه عندما توارى لولب الريح داخل الوادي و لعله سيغدو حياة اخرى يثمرها كما عهدت الريح ان تفعل.
    ما اجمل ما قرات أستاذتي و ما اكثر ما استثاره نصك المليء بالحنين و الخوف من الموت الخالد الذي قضى على الحياة الفانية من صور في نفسي احسبها تلامس واقعا و ذكريات محفورة بعمق قد يضَل عصيا على الريح.

    • رحلت كما رحل النّصّ وأخذك ما أخذه من خوف وحنين كأنّك كائن فيه أو به ووقفت على حكمة الرّيح كأنّك منها…استمتعت بقراءتك النّصّ قراءة تجمّله فشكرا لتفاعلك ودمت قارئا مبدعا.

  2. رحلت كما رحل النّصّ وأخذك ما أخذه من خوف وحنين كأنّك كائن فيه أو به ووقفت على حكمة الرّيح كأنك منها …استمتعت بقراءتك النّصّ قراءة تجمّله …شكرا لتفاعلك ودمت قارئا مبدعا.

  3. رحلت كما رحل النّصّ وأخذك ما أخذه من خوف وحنين كأنّك كائن فيه أو به ووقفت على حكمة الرّيح كأنك منها …استمتعت بقراءتك النّصّ قراءة تجمّله …شكرا لتفاعلك ودمت قارئا مبدعا.

اترك رد