هل يتعيّن على ترامپ تسمية الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية ؟!


 

Labeling Iran’s Revolutionary Guards
Why Trump Should Designate It a Terrorist Group
By : Mark Dubowitz and Ray Takeyh
Foreign Affairs – Monday , March 6 , 2017

يبدأ العنوان الأصلي للمقالة بكلمة” لماذا ” ، لكن المجلة قامت بنشر مقال مضاد لهذا المقال في عددها الصادر في العاشر من هذا الشهر يتضمن رداً وتفنيداً لما يورده من حجج تذهب باتجاه تشجيع الرئيس الامريكي على ادراج الحرس الثوري الايراني كمنظمة ارهابية اجنبية . هذا التناقض في مضمون المقالتين يعكس طبيعة الانقسام داخل الاوساط الفكرية الامريكية حول الموقف من ايران .

في عام ٢٠١١ اصدر كاتب امريكي مرموق هو ستيڤن كنزر كتاباً مشهوراً عنوانه “اعادة ضبط الشرق الأوسط ” :

Reset Middle East , Stephen Kinzer , 2011

في هذا الكتاب يقترح كنزر ان تقوم الولايات المتحدة بإعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها في منطقة الشرق الأوسط وفقاً لمعطيات الواقع . تركيا وايران هم الحلفاء المفترضون الجدد اضافة الى اسرائيل . كما يقترح ان تصرف الولايات المتحدة نظرها عن الحرص على دعم الأنظمة التقليدية في المنطقة مثل أنظمة دول الخليج لان ماتحتاجه هو بلدان صاعدة مستقرة لديها تقاليد قديمة من التحالف مع الولايات المتحدة رغم الموقف السياسي الحالي الذي يمكن ان يجد طريقه نحو التغيير تبعاً لتحسن مواقف الاخيرة من هذه البلدان ؛ رغم ان كنزر يخالف بمقترحاته التوجهات “الستراتيجية “الراسخة الا ان هذه الرؤية لم تختلف كثيراً عما ساد اوساط الادارة الامريكية بشان” السياسة ” اثناء إدارة اوباما والتي فرضتها حقيقة ان الولايات المتحدة كانت تعاني من تدنٍ في الموارد المخصصة لإدارة سياسة خارجية على درجة عالية من الانغماس والفاعلية في مناطق تشهد صراعات حادة مثل منطقة الشرق الأوسط .

انعكس ذلك في سياسة وصفت بأشكال مختلفة منها الانسحاب والانكفاء والعزلة ، الا انها في الواقع سياسة مرحلية انتقالية الى المدى الذي يعيد للاقتصاد الامريكي الذي انهكته حروب شابها طابع ايديولوجي ، او تداخلت في رسم السياسة السابقة فيها مصالح ليست امريكية خالصة ، جاءت تحت تأثير وضغوط لوبيات محددة ؛ عندما تم التنبه الى مدى التردي الذي وصلت اليه البلاد كان الوقت متأخراً وجاءت الأزمة الاقتصادية لعام ٢٠٠٨ لتدق ناقوس الخطر وفرضت استقطاعات كبيرة على تخصيصات النشاط الخارجي ، السياسي والعسكري وترك اثره على الفاعلية والانخراط في شؤون مناطق عديدة ومنها منطقة الشرق الأوسط ، هذا على الأقل هو توصيف الجنرال دمپسي قائد الجيوش الامريكية خلال إدارة اوباما للوضع في مقابلة مستفيضة اجراها في العام الماضي مع مجلة فورين افيرز .

يبدو ان اعادة النظر في هذه السياسة كانت موضع بحث خلال العام الأخير وأخذت خطوط العودة الى السياسة القديمة في منطقة الشرق الأوسط تعود خاصة وان الستراتيجية العامة لم تتبدل وهي تقوم على العمودين التقليديين : النفط وأمن اسرائيل .

ان جميع ما نسمعه حالياً من تصريحات وافكار تقع في هذا الإطار العام ؛ الصفقة النووية الايرانية وما تطلبته من تهدئة للموقف مع ايران لاتخرج عن ذلك ، ومن الطبيعي ان تتبدل نبرة الخطاب مع ظهور بوادر عودة نشطة لشؤون المنطقة ومن مضامينها هو عدم السماح بظهور قوة اقليمية يمكن ان تهدد عمودي هذه الستراتيجية وعدم السماح لقوة عالمية بالتفرد بالوجود في المنطقة . في هذا الإطار تعلن الولايات المتحدة على لسان قائد المتطقة المركزية المكلفة بمنطقة الشرق الأوسط ان الولايات المتحدة عازمة على العودة والبقاء في المنطقة عسكرياً لمدة طويلة قادمة قد تصل خمس سنوات وفي هذا الاتجاه تتوارد الأنباء عن الشروع بإنشاء المرافق اللازمة لمثل هذا لبقاء في كل من سوريا والعراق وهو امر يثير بالتأكيد حفيظة ايران ، خاصة وان هذه العودة الامريكية يصاحبها خطاب يتسم بقدر من عدم الود يتساوق مع شخصية الرئيس الامريكي الجديد الذي عرف بفجاجة لغته السياسية ، كما عين لإدارة سياسته الخارجية مجموعة عرفت بمواقف متشددة ازاء ايران .

ان التعامل مع ايران على أسس جديدة – قديمة ومنها قضية نشاط مؤسساتها العسكرية الثورية والمخابراتية التي تهدد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة والتهديد باعتبارها نشاطات ارهابية ، مع توصيف ايران ذاتها على انها اكبر دولة راعية للارهاب في العالم ، هي من معالم هذه السياسة لخدمة الستراتيجية الجديدة – القديمة .

تتباين الاّراء حول تفاصيل الموقف الامريكي من ايران الا ان الموقف العام المتفق عليه هو ان لايسمح لايران ان تتجاوز خطوطاً محددة وان عليها ان تتجنب زعزعة استقرار او آمن بلدان تعتبرها امريكا حليفة بشكل دائم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الان .. هل يفهم الايرانيون مدى جدية السياسة الامريكية هذه المرة كما عهدناهم ، ام تتغلب الأيديولوجيا وغرور القوة الذي عاشوه في ظل غياب قوى اقليمية فاعلة مثل العراق مع غض النظر من طرف الولايات المتحدة التي قدمت عشرات آلاف من ابنائها لفرض واقع ستراتيجي جديد في المنطقة يقوم على عدم السماح بطغيان قوة اقليمية او دولية منفردة فيها رغم انكفائها في مرحلة ما ؟! بانتظار المستقبل وتطوراته وهو مايجب على تساؤلاتنا .

المقال الذي أقدمه يقع ضمن اتجاه المتشددين ازاء ايران ولكن مجلة فورين افيرز تحرص على تقديم آراء متنوعة تعكس اتجاهات الاّراء المختلفة حول ذات المواضيع ؛ لقد نشرت مقالة مضادة لهذا المقال سأقدم خلاصة مكثفة به بعد عرض المقال الرئيسي ، لنتابع ….

تسمية الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية ، والذي تتدارسه الادارة الامريكية الحالية ، يعني ادراجه ضمن قائمة وزارة الخارجية للمنظمات الإرهابية الأجنبية التي تضم حماس وحزب الله وتنظيم الدولة الاسلامية رغم ان بعض معارضي الادارة يعتبرون ذلك تصعيداً لا مبرر له حالياً .

منذ عدة عقود والولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة تعتبر ايران احد اكبر رعاة الاٍرهاب في العالم ، وفي عام ٢٠٠٧ قام عدد من المشرعين الأمريكان ، بضمنهم هيلاري كلنتون وبإدراك اوباما ، بتبني لائحة قانونية تحمل عنوان ” قانون منع ايران من حيازة سلاح نووي ” وبموجبها تم الطلب من إدارة الرئيس بوش توصيف الحرس الثوري الايراني باعتباره منظمة ارهابية اجنبية . لم يفلح مقدموا اللائحة في تمريرها كقانون في حينه .

لقد تم انشاء الحرس الثوري الايراني عام ١٩٧٩ ومنذ ذلك الحين كان الاٍرهاب سمة نشاطه الاساسية ، وعبر تاريخه هذا تعاقب على قيادته مجموعة من الشخصيات الرجعية ذات الأيديولوجية الدينية المتشددة .

في مطلع الثمانينات شنت هذه القوة حملة وحشية ضد الأقليات العرقية ومعارضي النظام وخاصة الاكراد والبلوش ، وخلال التسعينات هاجمت الحركة الإصلاحية وأصبحت مصدراً لاثارة الخوف في صفوف الايرانيين يفوق ما تثيره وزارة المخابرات من خوف في وقت سابق . لقد اطلق السيد خامنئي الحرس الثوري عام ١٩٩٩ لسحق تظاهرات الطلبة وهي خطوة أيدها الرئيس الحالي حسن روحاني الذي كان يشغل موقع سكرتير مجلس الامن القومي حينها .

في صيف عام ٢٠٠٩ قام الحرس الثوري بسحق الثورة الخضراء التي انطلقت من اجل الديمقراطية كما قام افراده باعتقال الآلاف وتعذيب المئات . يقوم الحرس الثوري كذلك ومنذ إنشائه بالاشراف على اجهزة ارهابية تقوم باغتيال المثقفين والصحفيين والسياسيين المعارضين والاُدباء .

يمارس الحرس الثوري كذلك نشاطات ارهابية في الخارج . في مطلع الثمانينات قام بتجميع عدد من المنظمات الشيعية اللبنانية لتأسيس حزب الله الذي اصبح اكثر وكلاء ايران موثوقية . بتوجيه إيراني قام الحزب بتفجير مقر المارينز الأمريكان في بيروت عام ١٩٨٣ وقتل ٢٨٣ جندي امريكي . لقد باشر الحرس الثوري منذ ذلك الحين بتأهيل وتدريب منظمات شيعية مسلحة غير إيرانية ذات توجهات متطرفة للقيام بنشاطات مضرة بالمصالح الامريكية . في عام ١٩٩٦ تم تفجير برج ” الخُبٓر ” السعودي والذي أدى لمقتل ١٩ جندي امريكي بتوجيه من ايران ، ومنذ عام ٢٠٠٣ تقوم منظمات مليشياوية ذات تدريب وتسليح إيراني بالعمل ضد القوات الامريكية في العراق .

قام الحرس الثوري عام ٢٠١١ بأول هجوم له على الاراضي الامريكية من خلال محاولته اغتيال السفير السعودي عادل الجبير في احد المطاعم في واشنطن العاصمة ، وقد أعلن المدعي المدعي العام الامريكي في حينه ان العملية تمت بتوجيه عناصر في الحكومة الايرانية وحدد عناصر قيادية في فيلق القدس بالاسم وهو احد أذرع الحرس الثوري ، وأدين احد عناصره وحكم بالسجن لمدة ٢٥ عاماً .

في سوريا ، شكل الحرس الثوري اداة فعالة لابقاء الأسد في سدة الحكم . في إطار الحرب الأهلية قام الجنرال حسين همداني بتشكيل قوات سورية على غرار حزب الله وزجها في المعارك . يمكن الجزم بان جميع جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد هي جرائم يمكن نسبتها للحرس الثوري طالما انه يقوم بتوجيه العمليات العسكرية التي تقوم بها المليشيات الشيعية او قوات الأسد والتي تؤدي الى مذابح يذهب ضحيتها المدنيون . لقد أفلت النظام الايراني من المحاسبة بسبب ان الرئيس اوباما كان يركز على إنجاز الاتفاق النووي مع ايران مع مايقتضيه ذلك من تجنب المواجهة العسكرية معها او مع المليشيات المرتبطة بها في سوريا .

ان على إدارة اوباما ان تتفهم انه من المستحيل احلال الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط دون اضعاف الحرس الثوري الايراني ولأجل تحقيق ذلك ينبغي تعقب الامبراطورية المالية الخاصة به . ان الرئيس قد يواجه معارضة اذا ما اراد اتخاذ اجراءات جديدة بهذا الصدد . يمكنه بدلاً من ذلك تفعيل القرار التنفيذي الرئاسي الذي اصدره الرئيس بوش تحت الرقم ١٣٢٢٤ بعد الحادي عشر من سبتمبر والذي يعطي الادارة سلطة تجميد الأصول المالية العائدة للأفراد او الجماعات التي تُمارس أعمالاً ارهابية او يمكن ان تشكل تهديدا في هذا الاتجاه . يمكن للرئيس ترامپ ان يفرض ذلك على الحرس او من يسانده من خلال إغلاق الاسواق المالية والتجارية في وجوههم ، وقد استخدم بوش هذه الصلاحية عام ٢٠٠٧ وأمر بتجميد ارصدة فيلق القدس بعد ثبوت تقديمها الدعم لحزب الله وطالبان وعدد من المنظمات الإرهابية الفلسطينية .

ان تشخيص ارصدة قوة القدس قد لايكفي طالما انها فرع من قوة اكبر هي الحرس الثوري وهما يعملان بشكل متكامل ويتم تبادل الشخصيات القيادية بين الطرفين بشكل دوري ، ومن الجدير بالاشارة الى ان قوة القدس لاتمتلك سوى جزء بسيط من اجمالي النشاط الاقتصادي للحرس الثوري .

اذا ماتم ادراج الحرس ضمن المنظمات الإرهابية فسيكون ذلك اكثر فاعلية خاصة مع قيام إدارة ترامب بتوسيع قائمة العقوبات ضدالهيئات والافراد المرتبطين بالحرس الثوري . ان هذا الإجراء سيؤدي الى توسيع قائمة العقوبات من ٦٠ فرداً وهيئة الى آلاف الشركات الواجهية التي يشغلها الحرس وسيقلص ذلك قدراته المالية ويرفع من المخاطر التي قد تواجهها الشركات الأوروپية والاسيوية التي تتطلع لاعمال بالمليارات في قطاعات يسيطر عليها الحرس .

ان الحرس هو اداة طهران في سياسات القمع الداخلية والارهاب الدولي ؛ من اجل تدجين ايران فان على إدارة ترامپ ان تجد طريقة ما لتقليص قوة الحرس الثوري وان ادراجه ضمن المنظمات الإرهابية هو احد الوسائل لذلك .(انتهى المقال )

في رد على هذا المقال قام الكاتب Tyler Cullis ( عضو اللوبي الايراني المسمى بالمجلس الوطني الايراني – الامريكي ) بنشر مقالة قصيرة تحت عنوان ” Don’t Label the IRGC ” نشر في عدد العاشر من هذا الشهر من ذات المجلة اهم ماورد فيه :

ان دعوة كاتبي المقال السابق لفرض العقوبات على الحرس من اجل تأمين استقرار الشرق الأوسط لا معنى له لان الحرس هو بالفعل احد اكثر الهيئات تعرضاً للعقوبات الامريكية في العالم ، وان الاتفاق النووي لم يغير من ذلك كثيراً . ان طبيعة وحجم العقوبات التي يمكن ان يتعرض لها الحرس في حال توصيفه منظمة ارهابية لن يغير كثيراً لان اجراءات مكتب الرقابة على الارصدة الأجنبية في وزارة الخزانة قد فرض بالفعل على الحرس ذات الإجراءات التي يمكن ان تطاله كمنظمة ارهابية على خلفية دوره في ملف الصواريخ وممارساته ضد حقوق الانسان واضطهاده للمواطنين الايرانيين ،

ان المكتب المذكور في وزارة الخزانة قام بفرض عقوبات واجراءات رقابة ثانوية صارمة على الحرس وهي تقضي بفرض عقوبات على آية شركة او مصرف تتعامل مع الحرس او المنظمات المرتبطة به ويحرمها من فرصة الدخول للسوق الامريكية وهي اجراءات تتجاوز ما قد يمكن فرضه من اجراءات في حالة توصيف الحرس كمنظمة ارهابية . في الحالة الثانية سيتم فرض العقوبات في نطاق الولايات المتحدة بينما العقوبات الحالية ذات طابع دولي .

وفق الكاتب فان دعوة الادارة لتوسيع نطاق الهيئات والافراد الذين يمكن ان تشملهم العقوبات لامعنى لها طالما ان اجراءات وزارة الخزانة تطال آية هيئة يمتلك الحرس الثوري أغلبية في اصولها وان ذلك يطال آية هيئة سيمتلك الحرس أغلبية فيها مستقبلاً الامر الذي جعل الكثير من المؤسسات المالية والتجارية الدولية من التعامل مع ” الشركات الواجهية ” التي أشار اليها الكاتبان .

ان توصيف الحرس بانه منظمة ارهابية قد يؤثر على الاتفاق النووي وهذا قد يزيد من التوتر في الجانب الايراني ويقود الى التأثير بدوره على التعاون القائم ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق لانه سيدفع بالحرس والمليشيات الشيعية هناك الى اعاقة الجهود الامريكية هنالك مما قد يعرض حياة الجنود الأمريكيين للخطر .

من المحتمل ان يقود ادراج الحرس كمنظمة ارهابية الى قيام الولايات المتحدة بالتضحية ببعض مصالحها لانه من غير المؤكد انه سيدفع ايران لإجراء تعديلات في سياستها وربما سيضع البلدين على سكة المواجهة …

 

شارك
المقال السابق“شيمه واخذ عباته”!!
المقال التالىراحتك ريح عاصفة

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد