عذرا انه بلد الارياف


 

صديقي العزيز:

بلد الحضارات، اول من علم البشر الكتابة، احفاد السومرية، ال بيت حمورابي…الخ مما لقنت به من شعارات تعود الى قرون طويلة، عن مجد اصبح من قصص الاساطير، ليست صحيحة، انما الحقيقة شيء اخر!
انت من بلد الارياف هذه هي الحقيقة ،وما سواها يعتبر اساطير وقصص خرافية، ومايدل على اصولك الريفية اكثر مما يدل ويثبت على اصولك من رقعة جغرافية حكمها نظام او استوطن بها شعب عظيم!

فتامل معي جيدا بين حقيقة اصولك الريفية وبين وفرضية اصولك من بلد الحضارات وتاثيرها فيك ايهما تجد أكثر واقعية؟

دعك من هذا السؤال الذي قد يعتبر مغالطة او سفسطة متحايلة ، اخبرني اي لذة واي مغزى من افتخارك ببلد الحضارات, هل فعلا لانك كذلك ام له صلة باصولك الريفية المعتادة على التباهي والفخر!

ام قد يكون نتيجة تأثر باكسسورات التيار العلماني العربي بالحنين الى الماضي المندثر وحرق الماضي القريب, وهل من الممكن يكون من دافع العلماني العربي الى هذا الاتجاة نتيجة اصوله الريفية ليست من مقررات نسخ وتجربة فكر ونظام؟

مهلا، المقال ابعد ما يكون عن قضية الحنين للماضي المندثر، او انتقاد لاطراف ذكرت، او حتى انتقاص الريف العراقي او القيم القبلية والعشائرية؛ انما ما اطرحه قضية مهمة يجب اخذها بعين الاعتبار والتطبيق من الباحثين والكتاب والمفكرين والسياسين وحتى المواطن العاقل، الذين يرغبون بانقاذ الواقع الاجتماعي والفكري العراقي، او على اقل تقدير فهم أنفسهم كعراقيين!

ما اريده أن نجرب الايمان بحقيقة اصولنا الريفية، ونتحدث من هذا المنطلق، كما تحدثنا وعملنا من منطلق اصولنا السومرية او الحضارية، وشخصياً أعتقد، أن ادراك هذه الحقيقة والعمل من هذا المنطلق-اصولنا ريفية- سيأتي بحلول لم يسبق ىبراعة اختراعها، ويخلق افكار ومعالجات فورية عظمية لمشكلات المجتمع، ليس فقط في المجتمع العراقي، انما العربي مادام مرتبط بالأصول الريفية.

اما عن حقيقة صحة الاصول التي اطلنا الحديث عنها، هي بحسب كتاب “القرية العراقية دراسة في أحوالها واصلاحها” الكتاب الذي فاز بجائزة المجمع العلمي العراقي سنة ١٩٤٧ ، هي -الحقيقة- بأن غالبية سكان العراق إلى نسبة حوالي ٧٥-٨٠٪ من سكان الارياف والبدو ماجاء نصه:
“وتقدر نفوس المدن والبلدان التي يزيد عدد نفوسها على (٢٥.٠٠٠) نسمة بحوالي (١,١٥٠,٠٠٠) اي بنسبة ٢٥٪ من مجموع السكان، كما يبلغ عدد افراد القبائل الرحل حوالي (٤٥٠,٠٠٠) نسمة اي بنسبة تقارب ١٠٪ ، اما ما تبقى من النفوس فهم الريفيون من سكان القرى والأرياف الذي يكونون أكثرية السكان، الذين تترواح نسبتهم مع البدو والرحل ما بين ٧٥-٨٠٪ من مجموع السكان العام” اي الى حد قريب كلنا ارياف، وليس هذا فقط اذ ٢٥٪ من سكان المدن نسبة تضاءلت نتيجة ما مر به البلد ولاسيما بغداد وخاصة بعد الاحتلال الأميركي.

عموما لعل من المفيد ذكره الان بأن الأنظمة التي حكمت العراق سبب رئيسي في تكريس التأثير المبالغ للعشائر الريفية وان كانت هذه المعلومة ضمن مقالة قادمة، بعيدا عن قصة العثمانيين مع القبائل العراقية والريف، وهي هناك حقيقة اخرى مكملة لاتقل أهمية يجب أن ندركها وردت في كتاب (القبيلة والدين والخرافة والسياسة في جنوب العراق) لـ د.حامد عطية ماجاء فيه،:” حتى قيام الجمهورية في عام ١٩٥٨ كان النظام القبلي هو السائد، كما شكل اعتراف النظام الملكي بسلطات رؤساء العشائر وشيوخ القبائل دور في تكريس وجودهم وتأثيرهم”
اما بعد الحكم الملكي ودور العشائر الى حكم (صدام حسين المجيد) وتعامله معهم الى حين الغزو الامريكي، الذي كان المسبب والمتعمد لفك قيود الريفي، التي قد احكم منها صدام حسين الكثير, واقع معلوم يدركه الجميع.
ادراك وتعمن بهذا العرض، من شأنه ان يمد لنا جسور الى اعماق العراقي، لفهم، سلوكياته، لمعرفة عملية تفكيرة، لايجاد اجوبة على سلوكياته الغريبة، لبحث لغز تناقضاته، لفهم مجعتمة عامة، وعلى سبيل الذكر لماذا نحن العراقيين نبغض القوانين؟

وذلك لسبب بسيط أن روح القبلي فينا تأبى الخضوع متحدية دوما، تكون سعيدة بانتهاك القانون، حب الظهور جزء من شخصيتنا الريفية/البدوية، أن نتلزم بالقانون شيء يمس كرامتنا، ومثلاً لماذا يعتبر العراقي الحكومات شر مطلق وان كانت هي كذلك فعلاً، الإجابة بأن المسبب الاول نحن، تقاليدنا وفكرنا يرفض أن يخضع للحكم، يرفض أن يدفع الضرائب, الخدمة الإلزامية كابوس رعب بدأ في العهد العثماني وتناقل إلى عهد صدام، فالحكومة “اله” تسرق اموالنا تمس كرامتنا، تنتقص من قدر قبيلتنا!
مع الإشارة بان الاسباب وسياسة الأنظمة المتعاقبة ودورها، لكن المسبب الاول هو الاصل الريفي لهذه المشكلة، كذلك قضية تناقض مشاعر الحزن والقسوة، الاستخفاف بالسعادة، العوق العاطفي الذي يعاني منه-سبق وكتبنا مقال حول هذا الموضوع- حيث أن تقاليدنا ومفاهمينا وفرض قوالب على سلوكياتنا تنطبق على واقع وبيئة ريفية او بدوية، في احدى المدن، أمرا صعب جدا، بل اجده سببا في اختلال مشاعر العراقي.
وغيرها من الأسئلة والقضايا التي لو تأملنا بحقيقة الاصول لوجدنا له اجوبة وتفسيرات مقعنة، وتطرح ايضا أسئلة أعمق بكثير.
الى هنا لم اكتب واوضح غايتي من هذا المقال، بعد العرض التاريخي لهذه الاصول، سواء بواقعها او ارقامها، والسؤال الان كيف هو واقع الاصول الريفية بعد الاحتلال الاميركي للعراق؟

بكل بساطة “انصهار قيود الريفي” حيث اخذت العشائر والأرياف دورا وتاثير وسلطة تفوق إمكانيتها، ليس بالضرورة علمية، انما نفسية ، ثقافية، علمية، خالية من تأثير من عقد الريف والمدينة، متحرر فكريا. حيث أدى انفجار القيود هذه القيود إلى ثلاث مشاكل خطيرة على سبيل الحصر:

١-الانتقام من ابن المدينة: كلنا نعلم بأن غالبية الجنود والعساكر في نقاط المدن من سكنة الريف، تخيل معي شخص ولد في قرية اعتاد على أن ابن المدنية كائن مغرور متكبر يحقد على الريفي بالفطرة -هذا الانبطاع في أصله صحيح-،بدون سبب، هذا الشخص الريفي، الذي تمت ادلجته على هكذا تصور وخاصة إذا كان أميا فكريا او دراسيا، عندما يجد نفسه مسؤول نقطة عسكرية امام مدني ضعيف في حي من احياء المدينة ماذا تتوقع ردة فعله وسلوكه؟
انا لم اقل ولااقول الجواب، اترك لكم التأمل بهذه القضية، ولا اريد التوسع بها لنية طرحها في مقالة قادمة، عموما هذا على سبيل فرد بسيط من الريف كيف بالريف عامة؟, عندما تمتزج هذه الانطباعات مع حب السلطة، واغراء الاموال، ولذة الحكم، وقوة الحمية وغياب القانون…!!

٢-مشكلة ترييف المدينة: ان الإشكالية النفسية في هذه القضية معلومة سبق واشرت إليها -العوق العاطفي، اما العام هو تحول احياء المدينة إلى حظائر ابقار ودجاج، اذ لاعجب أن تشاهد في حي او مجمع سكني، قطعان من البقر تسير في أزقة الحي!، ولاعجب أيضا أن تشاهد مسؤول انباري قام باحالة مقاولة تعبيد طرق قريته حتى حظائر البقر في منزله، ومدن الانبار غارقه كأنها مستنقعات!

ومن العام ايضا والاخطر هو تمادي سلطة الريفي على هذه المدينة وخير واقع ما نشاهد اليوم من تمادي سلطة العشائر والاحتكام الى العرف الريفي لحل المشاكل والصراعات والانتقام بمسميات “مطلوب دم” الخ. هذا التمادي الان يسارع من فجوة الريفي وابن المدينة، اذ استمرار هذه الفجوة يؤدي الى عواقب وخيمة، أن لم أدى إلى ذلك بكل اسف من قبل الريفي، اما من قبل المدني اعتقد بعد عودته سينتقم من الريفي!، فضلا عن استمرار ماهو الأخطر مسلسل الجهل والظلم اليومي من معارك دامية بين افردد العشائر.

٣-مشكلة هجرة الريف: اصبحت الهجرة الى المدينة، واقع بديهي وبارقام مرعبة، من هجرة الفلاح أرضه وعمله بالزراعة الى شرطي او جندي، مخلفا مشكلة اقتصادية تفتك بالبلد ومستقبله الاقتصادي، اذ اعتماد العراق اليوم من الاستهلاك على الاستيراد، اذا ما اضرمت النار بين العراق ايران، كما دعى الخطاب، فاننا مقبلون على مجاعة, فضلا عن تسببنا بتدمير اراضي زراعية خصبة تحلم بها مئات البلدان.

ختاما اؤكد غالب طرحي من منطلق تفلسفي-تاملي، اعترف بأن طرحي يقبل الخطأ اكثر من الصواب والمنهجية، والاهم خالي من اي قصد اساءة او انتقاص، فسلبية الريف هي بالجهل والانغلاق، فالجهل كما روي عن “افلاطون” اصل الشرور، فالريف في البلدان المتقدمة فكريا اصبح اكثر اغراءً للعيش والاستقرار خاصة من قبل الكتاب والفلاسفة، وهذا ما احلم به أو هو غاية طرحي أن تكون ‘الچفة” قرية على نسق القرى السويدية او البريطانية، وان تكون مدننا مثالا للمدنية والتحضر بأخلاقها وسلوكها.

لا تعليقات

اترك رد