الحكام العرب وشماعة اسرائيل

 

تتداول وسائل الإعلام العربية والغربية الخطابات التي يلقيها عادة الرؤساء العرب والمسلمين وذلك لقياس الحالة السياسية العربية ومدى جدية الإصلاحات ودور المؤسسات المدنية في مجال صياغة خطاب مجتمعي صحيح يتناغم مع العصر. ولكن على وقع تنامي الفساد والاستبداد والتخلف، وتصاعد دور التيارات الإسلامية الجهادية وقتل الأبرياء تحت راية الله اكبر..لم تعد هناك أي مصداقية للحكام العرب في السير باتجاه الإصلاحات الجذرية في الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات، ناهيك عن فشلهم في دعم الدور الوسطي او المعتدل في تقديم صورة حضارية عن الاسلام بعد تنامي عمليات الارهاب الاسلامي وخروج غالبية التيارات الاسلامية الارهابية من مناهج الاسلام ومدارس الاسلام وتعاليم الاسلام.

فنوايا الاعتدال او الإصلاح التي ينادي بها الرؤساء العرب لا أراها حقيقية أو تمثل الفعل الصحيح لمواجهة الإرهاب الإسلامي الذي يحدث بشكل يومي تقريبا..فالإصلاح يحتاج الي خطوات عملية، قانونية وتعليمية وسياسية، ولعل أهمها فصل الدين عن السياسة على الاقل، قبل فصله عن التشريع والقوانين والدولة، وإلغاء تدريس الأديان في المناهج، وإلغاء خانة الديانة في الهويات المدنية وكل هذا من أجل تحقيق الحد الأدنى من المواطنة والمساواة بين الأفراد في مجتمع واحد.

وأمام احتقان الحالة الطائفية في مصر والعراق وسوريا بسبب تداعيات الأفكار الإسلامية تجاه الآخر المختلف وعجز الحكومات العربية عن مواجهة التهديدات التي تطالهم وبناء الهوية المواطنية، يصبح من الضروري أن تتحول مجتمعاتنا الي دول علمانية كاملة حتى تختفي هذه الحساسيات المدمرة للوحدة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى تصبح قيم التعاقد الاجتماعي والمواطنة والتعايش هي الغالبة. ولكن يبدو أن الفرص الموضوعية لنجاح هذا التغيير ضئيلة. ففي ظل القمع المتواصل لحرية التعبير والحريات الشخصية عامةً، سنبقى، على ما يبدو زمنا ليس قصيرا لنعيش ما عاشته الشعوب الاوروبية قبل ثورة الحداثة والتنوير. إن أفكار

التنوير والإصلاح الديني في العالم العربي معرضة لابتزاز سياسي، يوظفها النظام في حين ويقمعها في حينٍ آخر لمصالح توافقية تنجح مرة ولكنها تخفق مرات عديدة.

ولهذا الإخفاق اسباب عدة، ولكن أكثرها سذاجة اليوم، ما تدعيه الأنظمة العربية من أنها مشغولة بالصراع مع اسرائيل ومواجهة الامبريالية والاستعمار الغربي. فإلى أي مدى يعتبر هذا الكلام صحيحا؟.. وهل فعلا أن الصراع مع اسرائيل يستحق ان تتدمر مجتمعاتنا من أجله دون أن يطلق العرب رصاصة واحدة تجاه العدو المفترض؟..أم أن اسرائيل بالنهاية ماهي الا شماعة ناجحة يعلق عليها الزعماء العرب فشلهم التاريخي في بناء دول حديثة ومواطنة حقيقية ومجتمعات ديمقراطية تؤمن بتداول السلطة؟!!

لا شك ان القضية الإسرائيلية معقدة ومتداخلة سياسيا وتاريخيا منذ أمد بعيد وطويل. وحدث هذا مع انتصارات وإخفاقات الإسلام والمسلمين في العصور القديمة لنشوء الإسلام. ومع دخولهم الي عصر الحداثة والديمقراطية وهم فاقدون لكل آليات النقد والقوة بما يجعلهم متكافئين مع الأقوى. وهذا ما جعلهم يربطون القضية الفلسطينية الإسرائيلية بالدين وحتمية الانتصار الإسلامي عليهم في آخر الزمان لفقدانهم القوة المعرفية والعلمية التى تمتلكها اسرائيل وهي الشرط الأول للنهضة والتطور.

فقد تشبعت الشعوب العربية بمرارة الهزيمة وفشل التقدم وبقاء الهيمنة الدينية والسياسية جاثمة على رقابهم، فلم يبقي لديهم الا خلق العدو الدائم كما يقدمه الإسلام في صورة النصارى واليهود ليتم تجييش العامة ضد هذا العدو الذي نزل من السماء لمصلحة الحكام العرب في تهديد شعوبهم بالاستعداد والمواجهة وهزيمة إسرائيل..لكن الواقع يختلف تماما، فإسرائيل استطاعت تحقيق العديد الإنجازات، سواء في المجال السياسي او الاقتصادي او التكنولوجي، فقد اهتموا ومنذ نشوء دولتهم بالإنسان والمواطن وتعزيز الهوية الإسرائيلية مستغلين ضعف العرب وتشتتهم وتصارعهم منذ سنين طويلة بين علي وعمر وأحقية كل مذهب بالحكم

والخلافة التي لن تعود ابدا. وهكذا استمرت إسرائيل وقويت شوكتها واستطاعت الثبات وصنع التحالفات السياسية مع اقوى الدول وأعمقها سياسيا واقتصاديا.

اليوم، تقع الشعوب العربية محتارة بين فكرتي السلام معهم لما يرونه من تفوق إسرائيل وتوسعها سياسيا واقتصاديا، وبين استمرار التجييش الإسلامي لكراهيتهم وضرورة القاءهم في البحر، وكل هذا في غياب فكرة السلام معهم او تحقيق تقدم في المحادثات السياسية للوصول الي حل لهذه الأزمة والتي هي بالفعل معطلة للكثير من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا اليوم أن مجتمعاتنا قد وصلت إلى أدنى حالات التخلف والفشل وتفشي مظاهر الفقر والجهل والفساد بالإضافة الي انهيار التعليم وارتفاع وتيرة الاحتقان المذهبي. أفلا يضعنا هذا الواقع المر والشعور القاسي بالهزيمة أمام اجتراح خط سياسي واجتماعي جديدين لمواجهة ازماتنا ووضع الحل النهائي للصراع مع اسرائيل. أولم نكتفي من قصة هذا الصراع الطويل جداً مع إسرائيل، وقد دفعنا من دماؤنا وأموالنا ومواردنا وثرواتنا فواتير لحروب لم تقع، وأموال باهظة نهبت وصرفت في طرق غير مشروعة من أموال يفترض ان تكون للشعوب العربية ورفاهها، وكل هذا باسم مواجهة العدو وهزيمته.. أفلا يدعو هذا الأمر ان تنهض كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في التيارات الوطنية والحداثية وحتى السياسية الحاكمة في التفكير بعقلانية ومنطقية بوجود اسرائيل القوي، وأن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة، ليس لتجييش العامة ضد إسرائيل، وإنما لإعادة التوجه للتنمية داخل بلدانهم بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس مجتمعاتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب والفساد والترهل والاستبداد في الصميم نتيجة لتاريخ طويل من تفشي القهر والتسلط والظلم في كل مواقعها وامتداداتها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل والتطرف. وبعد ان ننتهي من بناء مجتمعاتنا وتنمية الانسان، يمكننا الحديث عن هزيمة إسرائيل.

وأمام هذا أيضا، وضمن لقاءات لي ومقابلات مع العديد من الشباب العربي عبر مواقع التواصل الاجتماعي او بشكل شخصي هناك صورة بدأت تتشكل بضرورة تحريك محادثات السلام والعمل بشكل جدي للضغط على الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية في ضرورة مواصلة الحوار وتقديم رؤية مشتركة تدفع الي تحقيق العدالة لكلا الطرفين. فالشعوب اليوم لم تعد مغفلة او غير واعية لما حولها، بل تفهم تماما الفرق بين إسرائيل كقوة اقتصادية وعلمية وديمقراطية تحاكم المفسدين وتهتم بمواطنيها وشعبها، وبين مجتمعاتهم التي يلفها الفساد والديكتاتورية والظلم، مما يجعلهم في صورة معرضة للانفجار بشكل جديد وربما للقيام بثورات عربية ولكن باتجاه استنساخ تجربة إسرائيل هذه المرة.

لا تعليقات

اترك رد