عقليات مذعورة وهواجس مظلمة

 

الخوف شعور إنساني لازم الإنسان منذ فترة زمنية فارطة ، وكان لصيقاً بحياة الإنسان البدائي الذي كان يرتعد للترجرجات والهزات والتغيرات ويخاف من الظواهر الطبيعية غير المعلومة ، وكان عاجزاً عن تفسير ما يحدث حوله ، فيتملكه خوف ورعب دون انقطاع .

بوجه عام .. تؤكد الدراسات العلمية أن : ” الخوف انفعال عابر أو شعور ثابت يتولد عند الإنسان من جراء خطر فعلي أو موهوم . وينعكس الخوف ، كظاهرة نفسية تتسم أسبابها بطابع نظري أو اجتماعي ثقافي ، في الاضطراب والعذاب والهلع والذعر و الرعب ، وكذلك في الأفعال ( الشعورية أو اللا شعورية ) ، الرامية إلى حفظ البقاء وعندما يؤدي الخوف إلى فقدان تحكم الإنسان بنفسه ، وإلى تصرفات منافية للمطالب الأخلاقية ، يقيمه الوعي الأخلاقي على أنه جبن ، وعلى العكس ، يعتبر تخلص المرء من مشاعر الخوف جراءة ورجولة ” .

وفي هذا السياق يمكن القول أن الدونية وأمية التفكير وعدم الكفاءة وارتكاب المخالفات الفاحشة ، يؤدي بالبعض للخوف من المجهول ، فتراهم يمارسون فعل الوخز والتشكيك ويرمون التهم الجوالة على الناس دون تمييز ، حتى أنهم يخافون من دبيب النمل وحركة القلم وهبوب الريح و مواء القطط وسقوط الأوراق وخطوات الأقدام النجيبة الثاقبة لصمت المكان .

وفي عمق هذه العقلية الخائفة والمذعورة سوء تفسير وجهل يستوطن الشك في كل شيء ، وتنسج خيوط المؤامرات والهواجس العليلة ، حتى أنهم يتصرفون بتجاوز اللياقة والذوق ، ويدفعهم الغرور إلى تطاول على كل شيء .

فإذا كتبت بضمير حي فأنت خائن للوطن ، وإن صمت فأنت متآمر تحيك الدسائس ، وإذا نمت فأنت تحلم بما هو محرم وممنوع .. يريدون للإنسان أن يتحول إلى إمعة ، إلى جسد بلا روح بلا عقل بلا ضمير ، تخيفهم الأيدي والألسن والعقول النظيفة ،

والأرجل التي تقف صامدة امام الرياح والعواصف ، والضمائر الحية غير الملوثة بجراثيم الفساد .

إن الهيئات التي تأكل و تعتاش من عرق وكدح الجبين لا بد أن تخدم مجتمعاتها ، وتوفر الأمن والاستقرار ، لا بد أن تكون عامل تنمية ورخاء وسكينة ، وترفع الضيم والكآبة والظلم عن عاتق المواطنين ، لا تعمل على تدمير كل نبضة حياة في المجتمع ، لقد وجدت هذه الأجهزة لرقي المجتمع وتمهيد السبيل للاستقرار والنماء ، ولا بد أن تدافع عن الفكر والأنسنة والتساكن الاجتماعي .

لسنا مع تحويل البشر إلى حيوانات عاشبة أو لاحمة ، تأكل وتشرب وتنام وتتحرك بالأوامر والإشارات لا تتعقل ولا تتفكر ولا تجتهد ولا تطمح إلا إلى الأكل والنوم والشرب وممارسة الغرائز البدائية .

لا بد من احترام الإنسان عقلاً وجسداً ، والذود عن كرامة الإنسان من المهانة والإذلال ، إذا كنا نطمح في خلق إنسان عاقل وحكيم يشارك ويتفاعل ويبدع الجديد والمفيد لحياة المجتمع .

إن مشكلة العالم العربي – على حد تعبير الشاعر نزار القباني – ليست (( مشكلة جغرافيا .. ليست مشكلة رمل وحجارة .. لكنها مشكلة إنسان الذي يريدونه له أن يكون على هيئة حجارة .. ويريدون لعقله أن يبقى مغلقاً كضريح الحجارة )) .

لقد أدرك الشاعر الإنجليزي جون ملتون ، صاحب ملحمة الفردوس المفقود ، أهمية الحرية وإشاعة التسامح وتبادل الأفكار والمعلومات ، وأصر على ” رفع الرقابة عن التفكير والكتابة ” .. فلا نحتاج إلى من يحرس الأفكار والمشاعر ويفتش في الضمائر والعقول ، ويعتقل الكلمات ويكمم الأفواه ، نحتاج إلى الحرية والحكمة والتخلص من عقدة الخوف ونظريات المؤامرة حتى تنساب الحياة بشكل هادئ ووديع ، بعيداً عن الهواجس المظلمة وبلاهة التهم الجاهزة .

لا تعليقات

اترك رد