براغ

 

براغ هي بصمة الزمان على خد أوروبا وعروسها التي لم يُبْلِها تناوب العصور واختلاف الأزمنة، براغ هي تاريخ اوروبا الذي يصل شرقها بغربها.
براغ هي اللحن الرقيق لقصيدة لم تكتب بعدُ، وهي الخاطرة التي لا تزال تراود الخيال، واللوحة التي تحتاج الى الجرأة قبل الفرشاة والرسام

براغ هي المدينة التي يتوهم المقيم فيها حساب الزمن فيتوهم بين السبع والسبعين لا من الكدر بل لحاجته اليه، هكذا شَعَرَ محمد مهدي الجواهري حين وصفها بعد العيش فيها سبع سنين فقال:
سبع توهمتها سبعين لا كدراً … لكن لحاجتها القصوى الى الكدر
براغ هي السر والحكاية والأثر، ففي كل زقاق من براغ سر، وخلف كل عمود أثر، وعند كل ركن حكاية
براغ هي اختصار للجمال

هل رأى احد منكم جسراً من الماء؟ ذلك هو نهر فلاتفا Vlatva الذي تحتضنه ضفتا براغ مثل كفي قديس، فلاتفا هو جسر الماء الذي يربط بين ضفتي التاريخ ماضيه وحاضره، النهر الذي ما ان تجلس قبالته حتى يبدأ انسيابُه وتكسرُه سردَ الحكاية بايقاء بطيء، سرد تأريخ براغ التي بدأت ولن تنتهي.
أما حجارة جسر تشارلز فتلك حكاية اخرى، فهو وان بدا للرائي قاطعاً للنهر غير انهما رفيقان لم يتقاطعا ولن يتقاطعا ابداً.

لابد لمن يزور براغ ان يتعلم شيئين : كثرة الصمت وأطالة التأمل ، والا فليقبعْ مكانَه ولا يتحملْ عناء السفر وثقل الغربة.
بْراها، ولست مصدقاً عيني وقد طفقتْ تَراها *
بْراها، رقيق اضالعي ضيمُ النوى شوقا بَرَاهَا

ادركت ان أحد اسباب جمال هذه المدينة انها مدينة مليئة بالمفاجآت، في البناء والعمارة في التاريخ والسياسة، في الادب والرسم والنحت، غير انني لم اتوقع المفاجأة التي حصلت لي فيها.

رزت براغ مراتٍ عديدة وعلى مدى سنين لحبي لها وشغفي بها، ثم شاءت الأقدار ان أقمت فيها ايضاً فترة من الزمن فتفحصتها عن كثب واكتشفتها بعناية وتلمستها بحذر حتى الفتها واعتدت عليها وهي المدينة التي لا يألف الشرقي الحياة فيها بسهولة لعدم تقبل اهلها للغريب الا بعد فهم وارتياح له لعل ذلك احدى مخلفات الشيوعية ونظامها القاسي وما تركه فيهم من النظر الى الغريب بعين الإنكار والحذر.
في مساء يوم شتائي ندي بارد دخلت مقهىً من مقاهي براغ كنت قد تعودت الجلوس فيه بين الحين والآخر، أغراني فيه تلك الليلة دفؤها الذي اريد بعد ان تجمدت اطرفي وتكورت اكتافي من شدة البرد.
ما ان دلفت فيه حتى استبدلت دفأها بما اثقلني من اوعيةِ الشتاء من معطف وغطاءٍ للرأس ولفةِ الصوف التي احمي بها رقبتي من وجع البرد.
اخذت مكاني وبدأت انظر حولي الى الجالسين فاغراني البخار المتصاعد من اكواب القهوة وكأنه دخان الفانوس السحري الذي يأتي بكل عجيب وغريب، لكني لم ابدأ بارتشافه كوبي الذي طلبت حتى داعب اذني لكنة عربية متكسرة اتت من خلفي، سيدان اوروبيان على طاولة ورائي يتحدثان العربية الفصيحة بلكنة تشي بأعجميتهما*.

اثارا فضولي وتساءلت مع نفسي: اوروبيان يتكلمان العربية وفي براغ؟ امر لا يخلو من العجب
بادراني بابتسامة لطيفة حين التفتُّ اليهما، وسألاني بصيغة الاثبات وعلى الفور: أنت عربي.
ما هي الا دقائق حتى دعيت للانضمام اليهما، لم اتأخر وحملت معطفي وأشيائي وتحولت الى طاولتهما وتعرفت عليهما انهما:
رئيس قسم التاريخ العربي في جامع تشارلز
واحد طلبته في قسم الدراسات العربية

وهما يتحدثان العربية عند اجتماعهما لاستمرار الممارسة على الكلام وتحسين اللفظ
شاركتهما الحديث، استمتعت معهما جدا، وما ان كان يوم الغد حتى اصطحباني معهما الى الجامعة في جولة رائعة رزت فيها قسم الدراسات العربية وتعرفت على بعض الطلبة التشيك في القسم.

نشأت بيني وبين الطالب الشاب صداقة جعلته مهتماً في ان ياخذني في جولة في براغ الديمة في ازقتها وضواحيها ومقاهيها احيائها بل وحتى مقبرتها وليدلني ايضاً على اسرارها التي لا يعلمها الا ابنها وربيبها ولا نتكلم خلال جولتنا سوى العربية وهو لا يتردد بالسؤال عن كل صغيرة وكبيرة في اللغة والادب وانا اجيبه بحسب ما تسعفني به ذاكرتي ودرايتي، لقد اعجبني فيه اهتمامه وحرصه على العربية ايما اعجاب.

شاب ببشرةٍ بيضاءَ وشعرٍ اشقر وعينين زرقاوين ليس فيه من العرب والعربية شيء يقرأ لك شعرا لامريء القيس وعمر ابن ابي ربيعة وابي نواس في ارض البوهيميا ومدينة الكاتدرائيات والكنائس، اي مفارقة تلك، يا الهي هذا الشاب التشيكي ادهشني

لم ازر براغ ولم اره منذ سنتين ولكنني فوجئت باتصال منه، وفوجئت اكثر حين علمت انه انهى البكالوريوس كما انهى السنة الأولى من دراسته للماجستير في الادب واللغة العربية، اسعدني انه مستمر في مشواره ونهجه واهتمامه ، انهيت مكالمتي معه وفي بالي سؤال واحد، هل بقي لنا أمل بنشر ثقافاتنا العربية وادابنا وتراثنا في بلاد الاصفر؟
سؤال سيبقى بلا اجابة حتى حين.

*براها: اسم براغ باللغة التشيكية.
*الاعجمي: هو من بلسانه عجمة وهي عدم النطق السليم للحرف العربي

المقال السابقأنا وأنتِ وهذه السوسنة
المقال التالىخداع وتضليل ..!!
حسان الحديثي كاتب وناقد عراقي من مواليد مدينة حديثه، محافظة الأنبار ويعيش حالياً في المملكة المتحدة يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية الرصينة منها وكالة أنباء الشعر له مخطوطتان تحت الطبع هما " حديث الخميس " ، " والسياب شاعر الانسانية الاكبر " هو أيضا رجل أعمال ويدير شركات في الامارات العر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد