العرب وايران والموصل

 

رمايجري في الموصل وحولها ومايرتبط بها يستحق ان نتوقف عنده كثيرا، ومع ان تحرير الموصل وفرض سيادة الدولة عليها يعتبر واجبا وطنيا واخلاقيا، الا ان الحرب بحد ذاتها ليست اخلاقية تماما، ورغم ان جل الحروب كذلك الا ان حرب الموصل تحديدا يمكن تسميتها – بالمؤامرة- متعددة الاطراف والاسباب والمصالح، الا ان الضحية دائما هم العراقيون بكل اطيافهم، فابن الجنوب الذي قدم الغالي والنفيس وبروح واندفاع وطني وهمة وغيرة وشجاعة واضحة، لم يكن على وعي ان من يمثلونه هم الذين باعوا الموصل وتسببوا بكل هذه الفوضى وهذا الدمار والخسائر المادية والبشرية الهائلة، مثلما لم يكن وعي ابناء المحافظات المحتلة من قبل داعش يتناسب والدور الانتهازي للنخبة التي تدعي تمثيلهم والحرص على مصالحهم..

لقد حققت هذه المؤامرة مصالح كل دول الجوار ولم تحقق للعراقيين سوى الالم والمعاناة، فايران وتركيا تسابقتا للتدخل في الشؤون الداخلية والتاثير على مجريات الاحداث وزيادة الشحن الطائفي، مثلما فعلت دول الخليج ايضا لتحقيق قدر من التوازن الاقليمي برعايتها الواضحة للقيادات السنية على امل الحفاظ على تاثيرها وتواجدها الذي لم ولن يتناسب مع حقيقة الوجود الايراني ، في نفس الوقت حققت هذه الحرب ضمانات ومكاسب جديدة للاكراد بعدما تمكنوا من فرض وجودهم على مناطق جديدة بحجة الاشتراك بالحرب ضد داعش في الوقت الذي كانت اهدافهم واضحة في توسيع رقعة الاقليم وفرض واقع جديد اقل مايمكن القول عنه انه واقع معزز لمفاوضات المستقبل حول المناطق المتنازع عليها..

كل ما يجري لم يضع المواطن ومصالحه ومعاناته قيد الحساب، ولعل صور معاناة اهالي الموصل وخاصة النساء والاطفال لم تهز ضمير الحكومة كما لم تهز ضمير النخب السنية التي ترتع بدعم دول الخليج وتخطط لكيفية الاستفادة من الوضع القائم ووضع ما بعد تحرير الموصل دون ان تنظر وتخطط الى كيفية لملمة الجراح والعمل والضغط باتجاه سرعة اعادة الاعمار وتخفيف مآسي النازحين والمهجرين، واكتفت بحساب الناحية السياسية وكيفية تقاسم السلطة والامتيازات مع انها اختلفت فيما بينها على منصب رئاسة النخبة فجعلته لثلاثة اشخاص وبشكل دوري..

تظن النخب السنية التي اجتمعت في انقرة وجلها من الوجوه المجربة والمعروفة بفشلها وقبحها انها قادرة على جمع ما يكفي من الاصوات في الانتخابات القادمة، اذ انهم شكلوا كتلة سياسية جديدة استعدادا لوضع ما بعد التحرير متناسين ان جمهورهم بين مهجر ونازح ، فكل ما فكروا فيه هو السلطة ومكتسباتها، مع ترديد عبارات اصبحت مملة وسمجة وهي ان كتلتهم عابرة للطائفية، تماما مثلما حاول التحالف الوطني بقيادة عمار الحكيم ترديد هذه العبارة ولكن دون جدوى اذ لاتوجد اذان تصغي في العراق وللاسف الا للنداء الطائفي..

لقد اخفق العرب في تعاملهم مع الوضع العراقي اذ انهم تعاملوا مع جزء منه ودعموه ووضعوا شروط دعمهم بما يتناسب وخلق حالة العداء والتنافس الطائفي، فيما كانت ايران قد اوقدت شعلة الطائفية منذ زمن ليس بالقصير، ولهذا فان اجتماع النخب السنية في تركيا لم ولن يكون سوى فصلا من فصول الطائفية وتعميقا لجراح العراقيين وتسقيطا سياسيا سريعا للوجوه التي اعتقدت ان بامكانها تمثيل ناخبيها ولكنها في الحقيقة لن تمثل سوى نفسها ومصالحها ومصالح دول الخليج التي تنظر الى الباب الايراني من خلال النافذة العراقية..

المقال السابقسرقة وصراعات
المقال التالىامرأة خارقة
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد