جبل المحامل – البحراني يعيد بناء الذاكره الإنسانية

 

لست بمبالغ حين أقول أن العراقي من أكثر الناس التصاقا بفلسطين وبالقضيه الفلسطينيه مشاعرا وفعلا ومنجزا وعطاءا ,
ولست مبالغا اليوم حين أقول أن هذه القضية / الحق قد تعرضت لإقسى معاول التخريب والتشويه والتهميش على طوال معاناة شعبنا الفلسطيني منذ النكسة السوداء 1948 الى اليوم .
وليس من الإنصاف أن لا نقر أن الجميع ساهم بمعوله بهذا الخراب الممنهج عالميا وعربيا بطريقة أو بأخرى … ولعل أشدها فتكا هو غسيل الذاكرة الإنسانيه عموما والعربيه تحديدا من تفاصيل العذابات الأزلية للفلسطيني ,فجيلنا اليوم يصاب بالحيرة والذهول من نتاجات هذا الفعل حينما يقف عاجزا أمام هذا التسويف الكبير بحق شعب المنافي وقضيته الإنسانيه ووطنه المصادر …نذهل مما آلت له الأمور حين نرى الأجيال الجديده تأنف حتى من التعامل بوعي وضمير وانصاف بل على العكس هنالك من بات يعمل بالضد منها علنا وعلى رؤوس الأشهاد ,

من سبقنا ونحن وجيلان ممن اتوا بعدنا يفهمون القضية وقيمتها المعنوية الحقيقيه لشعوب المنطقه , وكيف كانت تشكل الغصة الأكبر لكل انسان عربي أو مسلم أو مسيحي بل وحتى اليهودي المنصف على مدى العالم كله حينها .
فلسطين شكلت ذاكرة أجيال وأجيال …وباتت أيقونه ثورة ونضال ..وتجسيد لقبح الظلم والإحتلال .
فلسطين كانت ترافقنا منذ الحصة الأولى لأول يوم في مدارسنا وخارطتها المعلقه على جدران فصولنا وممرات مدارسنا المظلله باشجار الكالبتوس والنخل وزيتونات (( أمام حديقة المدير )) ,
فلسطين كانت مسألة ضمير بالنسبة لطفولتنا حينما نتوجه بكل عفوية وبخجل الطفولة لنسقط قطعة معدنية صغيرة في صندوق التبرعات الخشبي وكأنها ((نذور)) لعائد من بعيد .
فلسطين كانت ((غترة )) حمراء
خيمة في العراء
وفيروز تغني … يا قدس يا مدينة الصلاة أصلّي
وكانت (( عيوننا ترحل كل يوم
تدور في أروقة المعابد
تعانق الكنائس القديمة
وتمسح الحزن عن المساجد )) ,

تسربت فلسطين من ذاكرة الإنسان بين جور الإنسان وخيانة الإنسان ,
تراجعت فلسطين في ضمائر الإنسان بعد أن اشعلوا النيران في بيوتنا ونخيلنا واوطاننا
ويبست ((زيتونات حديقة المدير )) وتحولت صناديق الدعم الى جيوب عميقه لاتقبل العمل المعدنية الصغيره وغيرت بطانتها باتجاه معاكس ,
وبقي الحرف واللون صدى يتردد في اعماقنا ويؤجج ومضة في ذائقنا وضميرنا
نصوص الشعراء عبد الكريم الكرمي , فدوى طوقان , إبراهيم طوقان ,توفيق زياد , محمود درويش , سميح القاسم و معين بسيسو .
ولوحات إسماعيل شموط ,سليمان منصور ,أميه جحا ,مصطفى الحلاج ,كمال بلاطه وغيرهم كثر .
والفن كمنتج عقلي وروحي يكون وقعه وفعله كبير كلغة خطاب وإداة تواصل بل سجل انساني ربما يتجاوز بعطاءه منظومة المؤتمرات والسياسه والجعجه الفارغه والمال ….ولست هنا في وارد تقييم تجربة فنان كبير كسليمان منصور رسما ونحتا وماده ولا إعادة قراءة وتقييم لإيقونته الكونيه الكبيره (( جبل المحامل )) فإبن (( بير زيت )) ليس رساما أو نحاتا عاديا فهو تجاوز كل هذا ولو على الأقل نقديا … سليمان منصور انصهر في القضية فصار جزءا منها نتاجا وحضورا وفعلا … منصور هو طين تراب فلسطين وخشب زيتونها وعطر حبقها ونعناها وريحانها مواده من بياراتها وزيته من بيرها ودمه حنائها …. سليمان هو نفسه ذلك الشيخ الذي يحمل القدس على كاهله دون أن يخنقه حبل الوجع الذي صيره وسيلة للحياة ,
يأتينا البحراني أحمد الكوني اليوم ليولم وجبة وفاء وموقف وانسانيه ويقف بكل عزم العراق يسند كاهل الشيخ ويمزج طين الفرات بطين بير زيت ,
إنه التراب نفسه والحناء هي هي , وبساتين طويريج يشرق عليها نفس صباح فلسطين ,
هاهي ذاكرة منهوبه يستعيدها احمد البحراني المبحر بزورق بابلي متفرد غير آبه بالريح …. وكل يوم يؤسس لميناء جديد على شطآن العالم بناءا ماهرا ..مجدا ..مبدعا ..مسؤولا ..مقتدر .
أنا اسجل موقف هنا …لإنسان يعيد بناء ذاكرتنا من جديد .

لا تعليقات

اترك رد