اللذة الجمالية في قصائد محمد علي شمس الدين

 

لا شك في أن اللذة الجمالية التي تخلقها النصوص الشعرية المبدعة من محفزات الرؤيا الخلاقة ،والموهبة اللغوية في تحريك الأنساق الشعرية، لتغدو القصيدة شكلاً لغوياً مبتكراً وحساسية جمالية عالية؛ وهذه اللذة لا تنشأ مصادفة، أو فجأة ،بل تتولد من حنكة إبداعية ،وخبرة جمالية في توليف الأنساق اللغوية، لتكثيف منتوجها الجمالي المؤثر.
ووفق هذا التصور،فإن ما يغني الحساسية الجمالية،ويولد اللذة الجمالية في هذا المنتج الفني أو ذاك، تلك الطريقة الأسلوبية المبتكرة في صوغ هذا النسق اللغوي،أو ذاك؛ وهذا ما يهب النص المبدع الإثارة والجمال.
ومن منظورنا: ما من متعة أسمى ولا أرقى من متعة الجمال، والمغامرة الجمالية؛ فالفن مغامرة جمالية قبل أن تكون إبداعية ، ومغامرته الجمالية تبدأ من لحظة إحساسه، وصولاً إلى لحظة إنتاجه واكتمال بذرته الإبداعية، وتقييمه، وروز قيمه الجمالية؛ فالفنان الجمالي هو خالق إبداعي يتحثث الأشياء، يتلمسها، يحركها، لينفث فيها روح الحياة من جديد، ولن يرقى الفنان في مغامرته الجمالية إلا حين يرتاد عوالم تخييلية جديدة، ويبتكر طرائق فنية جذابة في جعل منتجه الجمالي يحايث عوالمنا الداخلية، ليحرك فينا مشاعر قد خمدت ، وآمالاً قد انقطعت، وكأننا خرجنا من روتين الحياة مصقولين بالموهبة والشعور والحس الجمالي، فالفنان ليس من مهمته على الإطلاق إبهارنا ومفاجأتنا بمنتوجه الإبداعي جمالياً، بقدر ما من مهمته الرئيسة جذبنا إلى لذة قد فقدناها وإحساس جمالي، قد رانه الصدى،طويلاً، وفجأة تحركت فينا المشاعر في أخاديد، واتقدت جذوة الجمال فينا من جديد لحظة أن وجدناها في هذا الشكل الفني، أو ذاك، فعادت جذوة المتعة، والشرارة الإبداعية التي خمدت منذ زمن طويل لتصطلي من جديد ، يقول جان برتليمي:”لست واثقاً من أن يكون لدى الفنان النية حتى ولو كانت لا شعورية- في منح الحياة والحركة لأعماله ، كما تفعل الطبيعة بالحيوان والإنسان ولا أظنه يشعر بشيء من الألم إذا لم ينجح في هذا”().
وهذا القول على ما فيه من مجازفة كبيرة، أو مغالطة قد تبدو للمتلقي منذ الوهلة الأولى، صحيح أن المبدع لا يأخذ –باعتباره- أن يحرك الأشياء، وإنما يحرك الأحاسيس إزاء الأشياء، ويبعث فيها روح الجمال أو روح النبض الجمالي في نمنمة الأشياء، وتشكيلها كما لو أنها مخلوقة من جديد، وتظهر لأول مرة، بحيويتها الخصبة، وألقها الجمالي، يقول( مالرو):” الواقع أن الفن يدخل بنا عالم الإبداع الفني الذي يحل محل عالم الواقع، التافه، اللاإنساني. والحركة التي يبديها الفنان ،حركة رجل ثائر ينافس العالم ويضع في وجه هذا العالم عالماً آخر”().
فالفنان لا يهمه فقط المغامرة والمجازفة الجمالية، وإنما يهمه أن يبني عالمه الإبداعي بعيداً عن حيز الواقع الروتيني الممل الذي أنهكته القوى البشرية ، والنظرة التافهة إلى حركة الأشياء، فالفن لغة تحطيم الأشياء، والخلوص من خلالها إلى فن الإخصاب الجمالي، ونمنمة الأشياء بصورة غير مألوفة، ولهذا، يبقى الفنان في اغتراب، وقلق دائم، يجسد هذا القلق بشكل فني جمالي؛ وبقدر ما يرهقنا المبدع بتأزماته وانكساراته الشعورية الحزينة؛ يمتعنا بلذة التجربة،وعمق المعاناة، وجمالية التعبير عنها يقول جان برتليمي:” يعمل الشيء الجميل على إسعادنا وإنهاكنا في آن واحد”().
فالفن الجميل هو الذي يهزنا من الداخل، وينهكنا في متابعة حيثياته الجمالية، لتلمس مسبباته الجمالية وخلفياته الشعورية، فالفن الجمالي هو فن إثارة الغريزة المدهشة- حسب العالم الجمالي برادين:” إنها هذه الغريزة المدهشة الأزلية للجمال التي تجعلنا ننظر إلى الأرض ومناظرها كملخص للجمال ،وتقابل للسماء. إن العطش الذي لا يروي لكل ما هو فيما وراء الدنيا، والذي تكشف عنه الحياة لهو دليل على أبديتنا، والروح ترى عن طريق الشعر ومن خلال الشعر مالا تراه غيره”().
فالدهشة التي يثيرها المنتج الجمالي هي التي تحفزه وتثيره، وتبعث فيه اللذة الجمالية، ولذلك تعد المغامرة الجمالية مغامرة إبداعية شاقة، لأنها تتطلب مهارة ووعياً وإدراكاً فنياً وخبرة بالغة في تحقيق اللذة، والإثارة الجمالية، يقول برتليمي:” إن اللذة الجمالية تملأ كياننا الروحي، وتكشف عن مطالبه ، في حين تشبعها في نفس الوقت، ولهذا كان التأمل الجمالي علاجاً عظيماً لضجر الحياة، ولا نقصد هنا” الضجر العابر أو ذلك الضجر الذي نرى منبته، أو هذا الذي نعرف حدوده، بل نقصد الضجر الكامل، أو السأم الخالص، السأم الذي لا يرجع إلى سوء الحظ أو إلى العجز والذي لا يختفي بظهور ظروف طيبة. أي ذلك الذي لا مادة له إلا الحياة نفسها… إنه هذا الضجر المطلق الذي هو في ذاته الحياة عارية عندما تنظر إلى نفسها بوضوح”().
ومن أجل ذلك، تعد المغامرة الجمالية هي المحرك الشعوري الداخلي للتفرد، والتميز الإبداعي؛ وتأسيساً على هذا فإن ما يستثير اللذة الجمالية هي المغامرة الجمالية في التقاط الشكل الفني المناسب والأسلوب الجمالي الرائق في التخييل الفني من حيث بداعة العالم التخييلي المجسد، وغناه المعرفي؛ وبقدر ما تزداد المغامرة الإبداعية سموقاً واختراقاً فنياً لأساليب جمالية معتادة إلى آفاق خصبة من الإبداع والتخييل الجمالي بقدر ما تزداد جاذبية المنتوج الفني، وسحره الإبداعي، يقول جان برتليمي:” الفن موهبة.. وجدية الفن جدية تتحول إلى مأساة”().
والفنان لا يمكن إلا أن يكون جاداً إلى مغامرته الجمالية، في البحث عن أسلوب جديد، وطرائق تشكيلية مبتكرة، تساعده على الارتقاء بمستوى منتوجه الفني؛ بالارتكاز على أسس جمالية تتفتق لحظة النشوة، والانعتاق الوجودي القصوى، ولهذا لا تثمر المغامرة الجمالية إلا بالارتكاز على محفزات وأسس وشروط إبداعية معينة، ترقى بمغامرته ولذته الجمالية.
وبتقديرنا: إن اللذة الجمالية في لغة الشعر المعاصر، تختلف من شاعر إلى آخر،ومن تجربة إلى أخرى، بحسب درجة الإثارة والجمالية التي تثيرها كل تجربة على حدا، وتأسيس منتوجها الجمالي المؤثر، وهذا ما ينطبق على تجربة الشاعر محمد علي شمس الدين، إذ تتنوع مظاهر إثارتها الجمالية، من مثيرات لغوية، إلى مثيرات صوتية، إلى مثيرات رؤيوية، تبعاً لمحركها اللغوي،وشعريتها الخلاقة.
وهذا يعني أن شعرية الشاعر محمد علي شمس الدين لا تقتصر على مثير جمالي محدد،وإنما تتنوع المثيرات الجمالية،وتختلف مصادرها في قصائده، باختلاف حركة القصيدة ،ومسارها الرؤيوي،ومنظورها الإبداعي المراوغ، وأبرز مظاهر لذتها الجمالية نوجزها فيما يلي:
1- لذة التلاعب اللغوي بالأنساق السردية:
ونقصد ب( التلاعب السردي بالأنساق السردية) : التلاعب بالأنساق السردية وفق مجريات الحدث وتكثيف الرؤية ،وهذا التلاعب من شأنه أن ينوع الرؤى، ويفتح أواصر الدلالات على مثيرات عدة،تتنامى تدريجياً شيئاً فشيئاً محققة أقصى تفاعلها ومظهر إثارتها الشعرية؛ ولعل ما يرفع وتيرة الإثارة الجمالية في قصائد محمد علي شمس الدين، هذا التفاعل والحراك بالأنساق السردية، مما يجعلها بغاية الانفتاح والتنوع الدلالي، على شاكلة قول الشاعر:

كان الصبي واقفا بالباب
منتظرا قدومها
منحنيا كالشجر القديم
مات الصبي واقفا بالباب
ولم تزل ترصده النجوم “(7).
إن قارئ هذا المقتطف الشعري يلحظ اللذة الجمالية في توصيف الحالة ،ورسم الصورة، عبر المشهد المتحرك لحركة الصبي، وكأن ثمة حركة جمالية مراوغة تتبدى في تفعيل الأنساق ،وإكسابها متحركها الإبداعي، عبر شعرية الصور،ومتحولها الجمالي المتحرك، على شاكلة التتابع السردي النشط في تصوير المشهد بحراكه المشهدي ولقطاته المتتابعة:
وكان دائماً
يطير نحو بابها المهجور
يدور حوله
تلفه غياهب الديجور

وحينما دنت
من الصبي , و انحنت
كأنها عيناه أو خياله
كان الجميل دونها
يشبهه جماله

ومرة
تناول الصبي قلبه
كحزمة من الذهب
وقام نحوها
لعلها تراه
لكنما عيناه
كجمرتين في الأعشاب
ظلتا غريبتين “(8).
إن الممعن في هذه الأنساق يلحظ قوة متحركها الجمالي؛ وفواعل الرؤيا الشعرية التي تباغت القارئ، وكأن ثمة ولعاً في ترسيم الصور السردية بفواعلها في رسم المشاهد واللقطات المتتابعة(ومرة تناول الصبي قلبه كحزمةٍ من الذهب/ لكنما عيناه كجمرتين في الأعشاب ظلتا غريبتين)؛وهذا يعني أن درجة إثارة الأنساق اللغوية تظهر بمحركها الجمالي الفاعل وحسها المرهف عبر رصد المشاهد،وتنشيط مجريات السرد،لتتعمق شعرية الموقف وتزداد درجة إثارته.
والجدير بالذكر أن لذة التلاعب الجمالي بالأنساق الشعرية تظهر بوضوح من خلال فاعلية الأنساق اللغوية وتناغمها مع الموقف،والحدث الشعري، وهذا ما نلحظه في قوله:
” ” جلستُ في مربعِ الظلامِ وحدي
منتظراً من النهار أن يجيء كاشفاً سريرتي
وكنتُ قد أودعتُ في الترابِ وردةً
ولذتُ هارباً إلى الجبال
تاركاً على الثرى ما يشبهُ الجسدْ
وقلتُ: ربما أعودُ في غدٍ
وقد أكونُ جائعاً
فآكلَ التي في فمها دم الحياة
وقد أكون عارياً
فأكتسي بما يكونُ قد نما من الأوراق
فوق جسمها النحيلْ
وحينما رجعتُ قلتُ
أستردُّ كنزي الدفين من غياهب التراب”(9).
بادئ ذي بدء، نشير إلى أن اللذة الجمالية التي تثيرها قصائد محمد علي شمس الدين تتمثل في التلاعب بإيقاعات السرد، وتنويع مجريات الأحداث، والصور، تبعاً لفاعلية الموقف،وحساسية الرؤيا الجمالية؛ وهذا ينعكس على شعرية القصيدة بإحكامها وتناغمها وتناسقها الفني؛ ووفق هذا التصور؛ فإن شعرية الرؤيا تتحدد من خلال بلاغة المنظور الجمالي للأنساق الشعرية، ولذة تناغمها مع الرؤى والأحداث الشعرية.
وتأكيداً على هذا ، فإن شعرية الأنساق تتبدى في حراك الصور،والدلالات،والأنساق اللغوية التالية:[أسترد كنزي الدفين من غياهب التراب]؛وهذا الأسلوب في تكثيف الأنساق اللغوية وتفعيلها يضاعف من مردود القصيدة جمالياً؛ لتشتغل على أكثر من محور ودلالة.
واللافت أن محركات اللذة الجمالية في قصائد محمد علي شمس الدين، لا تتحد بالنسق اللغوي وتفاعله مع الأنساق الأخرى؛وإنما في تناغم الموقف الشعري، وتفاعل الأحداث والرؤى الصوفية التي يجسدها، على شاكلة قوله:
” كالنرد
أقذفُ أيامي على عجلٍ
وأنحني كي أرى في وجهه
قدري
فواحدٌ مثل شكي وهو مبتدأٌ
واثنانِ آخر ما يأتي به خبري
ولي ثلاثةُ أحوالٍ يفرقها
ويحتويها قرانُ الشمسِ بالقمرِ
لا يلتقي فوق جسمي وهو أربعةٌ
من العناصر إلا الريحُ بالشرر
فإن تقابل ضداها بها اشتعلت
غمامة الله بين الركن والحجر”(10).
أول ما نلحظه – في النسق الشعري- تفاعل الرؤى والدلالات الشعرية من حيث التكثيف والإيحاء والشاعرية؛ فالشاعر- على ما يبدو- يشعرن الحدث، والمشهد الصوفي، ويفلسف الرؤيا، بأسلوب جمالي يرتقي به حيزاً من التكثيف والإيحاء، كما في قوله:
[فإن تقابل ضداها بها اشتعلت / غمامة الله بين الركن والحجر]
واللافت أن شعرية النسق تتبدى في اللذة الجمالية التي يخلقها التوافق والتوازي لإثارة الحركة الجمالية في النسق الشعري، بفاعلية رؤيوية مركزة، تستثير الحدث الجمالي والمشهد الجذاب،كما في قوله:
[لا يلتقي فوق جسمي وهو أربعةٌ /من العناصر إلا الريحُ بالشرر]
وبتقديرنا: إن أهمية النسق الشعري جمالياً تتبدى في الحراك الجمالي المتوازي الذي تبثه الأنساق الشعرية،محققة تناغمها الجمالي وإحساسها الرؤيوي العميق.
ووفق هذا المنظور، فإن ما يحرك اللذة الجمالية في قصائد محمد علي شمس الدين الحنكة اللغوية،وبراعة النسق الجمالي في توليف الأنساق اللغوية المبتكرة في نسقها ،ناهيك عن التنظيم النسقي الفاعل الذي يثير الحساسية الجمالية،ويرفع سوية القصائد جمالياً، لاسيما في السرد القصصي، ورسم الأحداث بتفاصيلها،وصورها التوصيفية الدقيقة،كما في قوله:
“سبحانَ الذي أعطى لهذا الطينِ قلبَهْ
وكساهُ ريشَهُ الضوئيَّ
… فالطين يمامْ
جاءَ صيّادٌ، رمى عند الظلامْ
طلقةً
فاهتزّ قلبُ الليل…
صيادونَ في الوادي
وذئبٌ في الحقولْ
والشجيراتُ على السفحِ
يغطّيها الذهوْل
تَنْعَفُ الريحُ بيوتَ القريةِ الخضراء
والنارُ استفاقَتْ في السهولْ
طار عصفورٌ من الضوءِ
إلى التلِّ
وعادْ
ريشُهُ في النار أحياناً
وحيناً في الرماد.”(11).
إن حسن التوظيف النسقي والتنظيم المفرداتي للجمل والتراكيب،ضاعف من مظاهر الدهشة واللذة الجمالية، لا سيما على مستوى تفعيل الأحداث، والصور، والمشاهد المتحركة، بحركة بانورامية مفتوحة تشي بنبضها الجمالي، كما في هذه الأنساق الفاعلة في إظهار مظاهر التنظيم،والتفعيل النسقي للأحداث الرؤى الشعرية، على شاكلة قوله:[ طار عصفورٌ من الضوءِ /إلى التلِّ /وعادْ ريشُهُ في النار/أحياناً /وحيناً في الرماد]. إن براعة الشاعر في توظيف تقنية السرد، عبر تكثيف الصور التوصيفية المتتابعة زاد من شعرية السرد والوصف المشهدي، وبدت الحركة الجمالية للأنساق بغاية الإثارة والمتعة الجمالية والترسيم المشهدي للأحداث والرؤى الشعرية.
وبتقديرنا: إن حراك الأحداث والمشاهد والرؤى الشعرية من محركات القصيدة الحداثية عند محمد علي شمس الدين، فقصائده تتأسس على تتابع المشاهد والرؤى الشعرية لتغدو مثيرة في نسقها، فاعلة في تحفيز المتلقي، وإثارته جمالياً.وهذا يدلنا أن قصائده تملك مؤشرها الفني البليغ من خلال لذة التلاعب اللغوي بالأنساق السردية؛ على شاكلة قوله أيضاً:
شهوتي كالحصان
وأنت ممددة كالمراعي
وأنا جائع ويتيم
يلمع العشب فوق سرتك الأنثوية كالسيف
سأرعى إذن كل هذا الحشيش الربيعي
مثل جرثومة
أفتك بالأصغر
الأصغر
الأصغر المنتهي من رذاذ النساء
ومن زغب الصدر والفخذ تحت الرداء
وأشرب ما يترك الزغب المشتهى
من حنين المساء” (12).
بادئ ذي بدء، نقول: إن شعرية أي نسق شعري تتحدد جمالياً بمقدار ما يثير النسق الشعري من إيحاءات ودلالات جديدة ضمن القصيدة،لاسيما من خلال التلاعب النسقي بالأنساق اللغوية ،محققاً التكثيف والتنامي الجمالي.
ولعل أبرز ما نلحظه في الأنساق الشعرية تفاعل الأنساق وتناغمها في إثارة الموقف الشعري،والتعبير عن مظاهر الاحتراق الشعوري؛ كما في الأنساق التصويرية التالية:[ شهوتي كالحصان،وأنت ممددة كالمراعي/ وأنا جائعٌ ويتيم”؛ وإن من يدقق في النسق الاستعاري يلحظ شريطاً من الصور المتفاعلة والمتداخلة فيما بينها، في رسم المشهد الشعوري بكامل احتراقه وأساه العميق؛ كما في قوله:[وأشربُ ما يتركُ الزغبُ المشتهى/ من حنين المساء]؛وهذا الأسلوب التصويري المراوغ هو ما يحرك النسق الشعري،ويكسب الصور البراعة والدهشة الجمالية؛ وهذا يرفع شعرية النسق ؛ ويزيد من فاعلية المشهد الشعري صوتاً ودلالة.
وبتقديرنا: إن خصوبة شعرية الأنساق اللغوية تتحدد بفاعلية الموقف الشعري، ودرجة حركة الأنساق اللغوية وتفاعلها في النسق؛ وهذا ما يرفع قيمة التجربة الشعرية ،وينمي كثافة الرؤيا،ويعزز مردودها الجمالي.
ولا يسعنا أخيراً في هذا الشق البحثي إلا القول: إن لذة التلاعب اللغوي بالأنساق السردية – في قصائد محمد علي شمس الدين- يهبها التميز،والتكثيف، والإيحاء؛ لاسيما عندما يقوم الشاعر بتكثيف الصور التوصيفية المشهدية الدقيقة ،في إكساب الموقف الشعري حرارته وكثافته الدلالية.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن قيمة الرؤيا الشعرية جمالياً تتحدد بمستوى تفعيلها للأنساق الشعرية،وإكسابها موقفاً جديداً وفاعلية تصويرية محنكة تزيد فاعلية الصورة في نسقها وإبراز متخيلها الجمالي الإبداعي الدقيق؛ على شاكلة قوله:
0أيها الخنجر المرصع في القلب
أيتها الشوكة البنفسجية في اللحم الشفاف
ويا أيها الندم الباطل الأبدي
إن دعواي ساقطة مثل كفي
وهذا بكائي على شرفة في الفراغ “(13).

لاشك في أن شعرية أية صورة لا تتحدد جمالياً إلا بفاعلية الصور الأخرى،وقيمتها ضمن النسق،ومدى دلالاتها عن التجربة الشعرية بكامل تفاعلها ونبضها الجمالي التشكيلي؛ وهذا لن يتحقق بتمامه إلا بتفاعل الرؤيا مع الأحداث والرؤى والصور الشعرية؛وما يميز النسق الشعري السابق فاعلية الصورة الإيحائية التي تفيض بدلالاتها المبتكرة،وفضاء متخيلها الرؤيوي العميق،كما في النسق التالي:[أيها الخنجر المرصع في القلب]؛ وهذا دليل أن شعرية القصيدة تتمحور على أكثر من رؤيا، وأكثر من دلالة، لدرجة أن كل صورة تخلق لذتها الجمالية من بكارتها وحسن دلالتها على الموقف والرؤيا المجسدة؛ على شاكلة الأنساق التالية:
[إن دعواي ساقطة مثل كفي/ وهذا بكائي على شرفة في الفراغ]،
وما ينبغي ملاحظته أن كل صورة تتفاعل في نسقها ،لتؤكد شعريتها داخل النسق ،وخارجه،من خلال الدهشة الجمالية التي تولدها في القارئ،محركة فيه دلالة معينة أو منظوراً جديداً؛وهذه ثمرة النصوص الإبداعية الحقيقية التي تملك مقومها الجمالي وحسها الرؤيوي الخلاق.

2- اللذة التشكيلية:
لاشك في أن اللذة التي تخلقها النصوص المبدعة لا تأتي من فراغ، ولا تأتي من محض المصادفة،وإنما تأتي من إثراء الخيال،والحنكة اللغوية في نقل المتخيل بأسلوب لغوي جذاب يرقى الشاعر خلاله أعلى مراتب الإثارة والتكثيف،وهذا يعني :”أن لغة الشعر تتطلب نمطاً معيناً من القول؛ وإن كانت لا تتطلب مفردات خاصة؛ ولذلك، فإنها تصل إلى أرقى الدرجات من خلال استخدام الشاعر جميع وسائل التركيب الممكنة؛ وهاهنا تعتمد جمالية الأسلوب على طريقة تشكيل المفردات في جمل تدخل في سياق يفصله الشاعر نفسه في أثناء عملية الإبداع الشعري”(14).
واللذة الجمالية لا تنشأ فقط من لذة الدلالة أو دهشة الرؤيا الشعرية؛ وإنما تنشأ من فاعلية التشكيل؛ واللذة الجمالية في التشكيل وتوليف الأنساق الاستعارية بما يخدم التجربة،ويعمق منظورها الجمالي؛ في نقل الرؤيا وتعزيز الموقف الشعري؛ والشاعر المهم لايقف في لذته حد الشكل الجمالي ولا حد النسق الجمالي ،وإنما يدخل أتون الرؤيا،ويصيبها في الصميم؛ بمعنى أكثر دقة: إن اللذة التشكيلية المؤثرة قد تكون نقطة تمفصل الرؤيا وتعزيز التجربة.
والشاعر المبدع هو الذي يتفنن في أنساقه التشكيلية ليصيب الدلالة في الصميم ،ويعمق التجربة الشعرية بمغرياتها ومؤثراتها الجمالية الخلاقة؛ ووفق هذا المنظور؛ فإن حنكة الشاعر لاتقف حد الدلالة السطحية أو المباشرة؛ وإنما تنفتح على آفاق خصبة من الدلالات والإيحاءات المبتكرة؛ وهذا ما يضمن شعريتها وتكثيفها الإيحائي. و”مثل هذا يؤكد مقدرة الشاعر الإبداعية على تشكيل علاقات لغوية جديدة، إذ يبتدع لنفسه نظاماً خاصاً نابعاً من رغبته الملحة في التعبير عن التجربة الوجدانية التي يعيشها”(15).
وبتقديرنا: إن مكمن إثارة اللذة الجمالية – في قصائد محمد علي شمس الدين- اللذة التشكيلية في اختيار النسق اللغوي الفاعل، والبنية اللغوية المميزة في التخليق الإبداعي المؤثر؛ ووفق هذا التصور؛ فإن كل ما يحفز الشعرية – في قصائده- يعود إلى المهارة والخبرة الجمالية في توليف الأنساق وتركيبها بحنكة شعرية وتوليف جمالي مؤثر؛ كما في قوله:
“يا أنا
يا أيها الجميل في مدار الموت
تدور حول نفسك المعذبة
كما تدور قطة عمياء حول نفسها
وتنتهي في الصمت
كنقطة في جوف هذا العالم الضرير “(16).
بادئ ذي بدء، نقول: إن شعرية اللذة الجمالية تتبدى في لعبة الأنساق والمراوغة بالرؤى والدلالات؛ وهاهنا، بدت الدلالات في حراك وتتابع رؤيوي مفتوح، من خلال لذة الأنساق اللغوية:[ مدار الموت- نفسك المعذبة- العالم الضرير]؛ وهذا يعني أن تفعيل الأنساق اللغوية يتضمن فداحة الدلالة التي تصيبها الأنساق الشعرية،محققة تفاعلها وتناغمها الجمالي.
ووفق هذا التصور، تبدو القصيدة- عند محمد علي شمس الدين- لعبة نسقية تشكيلية مراوغة تصيب الدلالة في الصميم، بل تسهم في إنتاجها وتفعيلها جمالياً؛ فالقصيدة- لديه- ليست ممارسة لغوية، أو خلخلة نسقية، وإنما إنتاج رؤى ،وتكثيف مداليل، على شاكلة المقتطف الشعري التالي:
“تعبنا يا شهريار تعبنا
وركضنا طويلا خلف أعمارنا
حتى انحدرت دمعتان على عنق الحصان
فماذا لنا
سوى أن نكتشف ثانية
أن هذا الخط الذي يبدأ في طرف الكف
لا ينتهي في أطراف الأصابع
وأننا شريدان مثل خطي سكة الحديد في الزمان”(17).
لابد من الإشارة بداية إلى أن اللذة التشكيلية في قصائد محمد علي شمس الدين تتأسس على فاعلية الرؤيا،وعمق مخزونها الجمالي، وهذه الفاعلية تزداد درجة إثارتها ، بالانتقال من نسق لغوي مبتكر إلى نسق آخر أشد إثارة وتأملاً وانفتاحاً؛ مما يدل على أن اللذة التشكيلية ليست لذة مفردة في قصائده ،وإنما لذة توالدية مرجعها السياق النصي وفاعلية الرؤيا التي تجمع هذه الأنساق في بوتقة واحدة هي الرؤيا العميقة؛ والصورة البليغة.
وبتدقيقنا – في المقتطف الشعري السابق- نلحظ أن جمالية النسق ولذته التشكيلية تبدو في اجتماع وتفاعل جميع البنى اللغوية والبصرية، وتخليقها للرؤيا البليغة التي يرومها الشاعر،لإبراز أثر الزمن، عليه وعلى محبوبته،كيف شردتهما الأيام وفرقت ما بينهما، وتركت كل واحد منهما يهيم في واد مثل سكة الحديد لايلتقيان.
وبتقديرنا : إن فاعلية أي نسق لغوي جمالياً تبدو في تلاحمه وتفاعله مع الأنساق اللغوية الأخرى محققة قيمة جمالية أو بلاغية في الرؤيا والموقف الشعري؛ وهذا يعني أن شعرية الموقف تسمو بمحفزها الإبداعي؛ ولا ترتقي إلا به.
وما ينبغي التأكيد عليه أن اللذة التشكيلية هي لذة لغوية بالأساس، أي هي ممارسة لغوية خلاقة تنتج دلالة أو رؤيا خلاقة؛ وهذه الدلالة أو اللذة اللغوية تتأسس على الخبرة الجمالية التي يملكها الشاعر،ومقدار إصابته المعنى من الصميم، أو الرؤيا من الجوهر؛ ولهذا ؛ فإن الشعرية الخلاقة بالأساس هي شعرية رؤيا، وشعرية لغة مترجمة أو ناقلة لهذه الرؤيا، و هي حرفنة للشعر بالتلاعب بهذه الأنساق اللغوية،محققاً قيمة جمالية.
ووفق هذا التصور، لا تتحدد شعرية القصيدة – عند محمد علي شمس الدين- إلا بتفاعل الأنساق وانسجامها،وتضافرها ضمن النسق الشعري،لإبراز متحولها الجمالي عبر هذا الشكل اللغوي أو ذاك، كما في قوله:
“يتكسر قلبي
في حضرة وجهك يا مولاتي
كالكوكب
كوكب طبشور
أو عصفور متعب
مرمي تحت سماء الله
وجهك يا مولاتي
ذي الأبواب السبعة والأقفال
وأنا أحمل مفتاحي بيميني
وانقله بين العين وبين القلب “(18).
هاهنا،تظهر براعة الشاعر اللغوية في إصابة الدلالة العميقة، ومتحولها النسقي،عبر تكثيف الأنساق اللغوية المبتكرة ومخزونها المؤثر؛ وكأن شيئاً ما يحرك الأنساق؛ ويبرز مؤثراتها الخلاقة؛ عبر النسق التالي:[عصفور متعب= يتكسر قلبي= في حضرة وجهك- كوكب طبشور]؛ وإن المدقق في الأنساق السابقة يبرز فاعلية النسق،مما يدل على شعرية بالغة الإثارة والتحفيز؛ فالشاعر على ما يبدو
مغرم في إبراز فواعل النسق اللغوي بمتحولاته النسقية،ومحركاته الفاعلة المحفزة للشعرية.
وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول: إن اللذة التشكيلية التي يعتمدها الشاعر محمد علي شمس الدين تتأسس على فاعلية الرؤيا الجمالية ومتحولها الدلالي، مما يدلل على شعرية بالغة الإثارة والتحفيز في تنوع متحولاتها الدلالية وبناها اللغوية المؤثرة.

3- اللذة المشهدية
ونقصد ب( اللذة المشهدية): اللذة الجمالية التي تتولد من اللقطات والمشاهد الشعرية المتحركة، بمؤثراتها البصرية الفاعلة في الإحاطة بالمشهد الشعري بتفاصيله وحيثياته الصغيرة؛وتزداد مؤثرات اللذة المشهدية بتتابع المشاهد المتحركة،ولقطاتها المكثفة؛ التي تثير حراك الصور والمشاهد والرؤى الشعرية؛ ولعل ما يحفز المشاهد الشعرية احتفاؤها بالدلالة، واكتنازها بالرؤى والدلالات المراوغة،
ولهذا، تكتسب المشاهد الشعرية خصوصيتها البليغة، تبعاً لحراك المشاهد وتتابع اللقطات ،والإيحاءات الشعرية،وبقدر ما تتفاعل المشاهد والصور الشعرية تزداد مثيرات الرؤيا،وتتعمق شعريتها.وللتدليل على ذلك نأخذ قوله:
” كتمت شهقتي
وسرت خائفاً كأنني مطارد
وليس لي سوى الرصيف من ملاذ
أنام ها هنا : وسادتي الحجر
وحول مرقدي الكلاب والذئاب والبشر
تجمعوا
فإخوتي هم الذين يشبهوني
من قال إنني رغبت أن أكون ما أكون ؟
من جاء بي كذرة في كرة الجنون ؟
ومن رماني ” هكذا” كطابة مفقوءة العيون فوق ملعب الأقدام ؟
” فحيرتي ”
” تفاحة جالسة ” على بحيرة السكون”(19).
بادئ ذي بدء؛ نقول: إن جمالية اللقطات أو تحقيق اللذة المشهدية تتأتى من تفاعل الصور واللقطات وتتابعها بشكل مرئي منسق؛وهذا ناتج من تفاعل الأنساق التصويرية،واللقطات والمشاهد بإبراز متحولها البصري، وهاهنا يرصد الشاعر الأجواء من حوله بحراك شعوري تصويري متلاحق، ناتج عن تفاعل المشاهد لرصد إحساس الوحدة والغربة الوجودية التي يعانيها الشاعر، كما في قوله:[ أنام ها هنا : وسادتي الحجر /وحول مرقدي الكلاب والذئاب والبشر تجمعوا]؛ إن الشاعر هنا يبث مشاعره الاغترابية المأزومة بلقطات تصويرية متتابعة ترصد الحراك الشعوري، والتأزم الداخلي، فلم يجد الشاعر أبلغ من تقنية المونتاج التصويري المكثف، لتصوير الحالة الاغترابية بمشهديتها البالغة للتأثير بالمتلقي ونقل كل ما يمور في داخله من وحشة وحرقة واغتراب،وهذا ما يظهره قوله بوضوح:[ فحيرتي تفاحةٌ جالسةٌ على بحيرةِ السكون]؛ دلالة على غربته وتأزمه وإحساس الوحشة والذهول التي يقاسيها في واقعه.
وبتقديرنا : إن اللذة المشهدية في تحريك الشعرية تتأتى من بلاغة اللقطات،والمشاهد الشعرية في التعبير عن الحالة الشعورية بكل زخمها الشعوري، وإحساسها العميق،فتأتي المشاهد ارتداداً أو انعكاساً نفسياً عما يمور في قرارة الذات الشعرية من مشاعر، وأحاسيس محتدمة لا يمكن التعبير عنها جمالياً إلا من خلال بلاغة هذه التقنية، وقيمتها في إصابة المعنى المقصود،وتحقيق منتهى الإثارة والمتعة بالمتلقي/ المشاهد، كما في قول الشاعر محمد علي شمس الدين:
“يا أيها الصقر الذي غامر في مملكة الضياء
بنى في العالم الجديد فوق أرضهم
أندلس السماء

أبصرتك
عابراً
وساحراً …
وصاعداً إلى النجوم
ظلك العظيم فارد جناحه
تلوذ تحته الأنهار والطيور
والبيارق الخضراء
وتقبع البيوت في معاطف الدخان

هي الحياة غابة
يملؤها تنهد الكمان

كأنك السهم
الذي لا يخطئ التسديد “(20)
بادئ ذي بدء، نشير إلى أن اللذة المشهدية – في قصائد محمد علي شمس الدين- تتأسس على اللقطات المباغتة والصورة الجمالية المتحركة، بإيقاعها الجمالي،وحراكها المتناغم، كما لو أن حراك الدلالات مقترن بالصور المتحركة، واللقطات المتتابعة ،وبقدر ما تتحرك اللقطات وتتناغم فيما بينها تزداد الركيزة الجمالية للأنساق برؤاها ومداليلها المتحركة، كما في قوله:[ ظلك العظيم فارد جناحه
تلوذ تحته الأنهار والطيور]،وهذه اللقطات المتتابعة ترفع وتيرة الشعرية ،وترقى بالنسق التصويري،وخصوبة المشهد المتحرك؛وهذا يدلنا على أن شعرية المشاهد المتحركة تتأسس على دينامية اللقطات،وتناميها الجمالي.
وبتقديرنا: إن فاعلية المشاهد واللقطات الشعرية المتحركة تتأتى من خصوبة فواعلها ورؤاها التصويرية الخلاقة؛ وارتباط بالرؤى والدلالات التي تشي بها في نسقها الشعري المتحرك؛ وهذا يدلنا على أن شعرية الرؤيا، تتأسس على حراك الرؤى المشاهد واللقطات المتحركة التي تغذي الرؤيا ،وتستثير الحساسية الجمالية، على شاكلة قوله:
“يا صبايا قرية الرمّانِ
شَيّعْنَ القتيلْ
وانتشِلْنَ الدمعَ من آبارِهِ، حتى السماءْ
وتَخَضَّبْنَ.. تَخَضَّبْنَ له، عند الأصيلْ
جرحُهُ كان لنا خبزاً وماءْ
….

يا صبايا قرية الرمّان قد طالَ المطالْ
وهُمُ قد سافروا بعد الغروبْ
أوغَلوا في البينِ،
لا ريحُ الشمالْ
سوفَ تأتينا بهم يوماً ولا ريحُ الجنوب”(21).
هنا، يعتمد الشاعر على حراك اللقطات والمشاهد المتحركة في تصوير صدق العاطفة، وحرارة الإحساس؛ وكأن الشاعر يرسم بعدسة مونتاجية دقيقة الرؤى الشعرية، بجمالية آسرة، وفاعلية حسية مراوغة تشي بفاعلية المشهد،وإحساس الفقد والفراق التي يعانيها، وكأن فراق الأحبة أسدل بسدوله المؤل2222222مة على حركة المشهد،ليغدو حزيناً صامتاً تلفه جنائزية الفقد واللوعة والفراق؛ وهكذا، تتحقق اللذة الجمالية في مشاهد الشاعر المتحركة ،والصور البليغة التي تصيب مرماها بحس جمالي لايغيب عنه الرؤى والدلالات المتحركة،تبعاً لمسار الرؤيا وإيقاعها المتحرك.
وبتقديرنا: إن اللذة الجمالية التي تولدها الصور والمشاهد واللقطات المتتابعة في قصائد محمد علي شمس الدين،مردها الحساسية الجمالية، والدهشة التصويرية التي تثيرها الأنساق الشعرية في حراكها الجمالي والشعوري.
4- اللذة الجمالية في فلسفة الرؤيا:
لاشك في أن للشعرية جماليتها الخاصة في كل تجربة شعرية على حدة، وهذه اللذة لاتنشأ من سراب،وإنما تنشأ من مركزها المحرقي إلا وهو [ الرؤيا]، فالرؤيا الوثابة الخلاقة أساس كل منتج فني إبداعي مثير على الإطلاق؛ ولا يمكن لشاعر ما ، أو تجربة شعرية معينة أن تفقد مصدر الجمالية والحساسية الشعرية طالما ترتكز على عمق الرؤيا وفاعلية التعبير.
وبهذا المعنى يقول الباحث وليد منير:” الشعر هو الفن اللغوي الذي يعتد أولاً وقبل كل شيء بمستويات الانحراف في الإسناد؛ وهو لغة المجاز الأولى وإن استعارت منه الفنون هذه اللغة فيما بعد بدرجات مختلفة. الشاعر هو صاحب الحق الأصلي في أن يقول:” إن السماء بيضاء” وإن الأسماك تطير”؛ ولذلك فهو يعيد تركيب العالم في الوقت الذي يكتشف فيه علة ويكتشفه”(22).
وبمنظورنا: إن اللذة الجمالية التي تخلقها الرؤيا الخلاقة المبدعة تنشأ من حساسية اللغة والتوظيف الفني الجمالي لهذه اللغة بحياكة جمالية ونبض جمالي آسر؛ يتضمن فاعلية الرؤيا ،وقوة تفعيلها للمشاهد والصور الشعرية البليغة،وهنا”تكمن عبقرية الشعراء الأفذاذ في استيلاد الكلمات معاني جديدة لم تكن لها قبل أن توضع في هذه التراكيب التي يختاورنها”(23).
وبتقديرنا: إن اللذة الجمالية التي تخلقها الرؤيا الفاعلة هي من مغريات إثارة القصيدة عند محمد علي شمس الدين ،وهذه الرؤيا تتمثل في فلسفة الواقع، وإثارة الجدليات، كما في قوله:
“ما بين هذه الأيام والجسد
تدور ساعة حزينة
كطائر حزين
يقول واه … قبل أن يموت
أنا الذي تجرفني الأرقام
وهكذا أكون واحداً
حينما أقف
أصير اثنين حين أمشي
ثلاثة إذا ركضت
أربعة حين أطير
وخمسة حين أنام
وستة إذا حلمت
وسبعة حين تعود يقظتي
وحين أسترد وحشتي ثمانية
لكنني أعود تسعة إذا لعبت
واسترد الصفر حينما أموت “(24).
بادئ ذي بدء،نقول: إن اللذة الجمالية عندما تتعلق بالرؤيا، لابد أن تكون معمقة، أو فاعلة في تحريك الحدث،وتعميق التجربة، وهنا تكمن براعة الشاعر في التقاط الموقف الحساس والرؤيا العميقة، وغالباً ما يمغنط الشاعر الرؤيا بالفلسفة،لإكسابها طابعاً جدلياً، أو رؤيوياً عميقاً،وهنا يفلسف الشاعر الرؤيا، لتحميلها من الدلالات مالا تحتمل؛ فهو يفلسف الثنائيات الجدلية ( الأيام/ الجسد)، والتعبير بالأرقام عن فلسفته بالحياة، لتدخل حساباته الرقمية ضمن أفلاك الحياة والموت والوجود والعدم، وهو بذلك يعمق من لذته الجمالية عبر الرموز والدلالات الرقمية المفتوحة على آفاق لامتناهية من التأويل، وكأن الشاعر يصيغ الرؤيا، بفلسفة رؤيوية مفتوحة على عدد لامتناهٍ من الرؤى والمعاني البعيدة.
ومن ذلك قوله:
” سأمضي
كلاعب نرد
قديم
وأعمى
كهر الفلك
وهو يأكل أبناءه
من صغار النجوم
كما لو غراب
يحوم
على جثة هامدة
هات لي واحدة
من بنات الهوى
ثم دعني
لأهوي بها
إلى آخر الهاوية
تقول شربنا
من الكأس
حتى ارتوينا
ولا كأس لي
أنا لم أنل غير
هذا الظمأ
كالنديم الذي
كسر الكاس
ثم ارتمى
فوق أيامه
خسرت
على كل حال “(25).
إن القارئ لهذا المقتطف الشعري يدرك اللعبة الشعرية بفواعلها ورؤاها ومؤثراتها النصية؛ فالشاعر على ما يبدو يخلق اللذة الجمالية من خلال عمق الرؤيا،ومحركاتها الفاعلة التي تتطلب وعياً في التشكيل وإصابة الدلالات العميقة، من خلال حجر النرد،وفلسفة الحياة، بمغرياتها ومفارقاتها،وما تحمله من تناقضات ومفاجآت بين الإرادة واللا إرادة، والقوة والضعف، والربح والخسارة،وكأن الحياة أشبه ما تكون بتقلباتها بحجر النرد، تارة تؤذن بالربح ،وتارة أخرى تؤذن بالخذلان والخسارة، وهكذا أراد الشاعر أن يفلسف رؤيته من خلال إجراء المقابلة بين الحياة بجوانبها المتناقضة، وحجر النرد بتقلباتها بين الربح والخسارة/ والفوز والخذلان، وهكذا،تتنوع الرؤى،ومغرياتها عبر درجة الدهشة التي تصيبها الرؤيا في نسقها ومؤشرها الرؤيوي الفاعل،لتحقق الإثارة والتكثيف.
وفق ها التصور لا تتعمق اللذة الجمالية إلا بفلسفة الرؤيا،وإبراز متحولها الرؤيوي الأعمق،مما يزيد من شعرية القصيدة ويخلق متغيرها النسقي الفاعل والمؤثر على إبراز الدلالات،وتحقيق متغيرها الجمالي الخلاق.
نتائج أخيرة:
1- إن اللذة الجمالية – في قصائد محمد علي شمس الدين- تتأسس على فاعلية الرؤيا، ومتحولها الجمالي؛ وعلى مثيرات السرد ومتعلقاته المشهدية حيناً،والحوارية والدرامية حيناً آخر؛ مما يدل على قوة في التكثيف الدلالي والتنوع الجمالي؛ ومن ثم تتعدد مصادر الجمالية في هذه القصائد بتنوع مؤثراتها وفواعلها الجمالية من رمز وصورة ودلالة؛ وهذا يعني أن الحرفنة الجمالية في تشكيل القصيدة من استغراق بالتنظيم والبناء الشعري المؤثر،والتركيز على الفاصلة التصويرية المركزة ،والقفلة المؤثرة هو ما يزيد من خصوبة هذه الشعرية ومصادر جماليتها .
2- إن اللذة الجمالية – في قصائد محمد علي شمس الدين- تعتمد على مثيرات السرد بسلاسته ورشاقته وخفة صوره الوصفية المتلاحقة،مما يدل على موهبة قصصية في ربط الأحداث وتطعيمها بالمشاهد المكثفة،مما يدل على دقة في الوصف وقوة في تحميل الدلالة حرارة الموقف وعمق التجربة.
3- إن مصادر الإثارة واللذة الجمالية – في قصائد محمد علي شمس الدين- ترتكز على كل مايثير الشعرية،فلا تقف هذه اللذة حيال الموقف الدرامي أو الحدث الحواري،أو اللقطة المكثفة،وإنما تتعدى كل هذه البني والتقنيات لتدخل في صلب الرؤيا الجمالية ومحركاتها الكثيفة من إيقاع ورمز ودلالة؛ وهذا يدل على أن محركات الشعرية خصبة بخصوبة مرجعياتها ومؤثراتها الجمالية، وبلاغة الموقف وحرارته التعبيرية في سياقه الشعري.
4- إن القيمة الجمالية المثلى التي تحقق اللذة الجمالية في قصائده تتمثل في النسيج الجمالي المنظم الذي ترتكز عليه القصيدة في إبراز متحولها الجمالي؛ مما يدل على شعرية جمالية في هذا النسيج الخلاق وحركة تصويرية بليغة في هذا النسق أو ذاك،وهذا ما يحسب لقصائده على المستوى الجمالي.

قمر
على طبقين من دمه البهي
سماؤه حبر
ودمعته سحاب
قمر
على سجادة بيضاء
يسجد لا ينام
كأنما
ضربته حمى العاشق البدوي
فاستلقى
ورغبته حجاب
وأقام ينتظر التي غابت
فلما كاد
أو لمست أصابعه النحيلة
خصرها النجفي
أوقفه العذاب
…..

لا تعليقات

اترك رد