محمد على يترك صياغة الذهب لصالح الفن والشعر والسياسة

 
الصدى- للفنان محمد علي

على غير عادة الكتب المدرسية، رأيت غير مصدق فى أحد كتب المرحلة الابتدائية، صورة لوحة للفنان الفطرى محمد على، وهو الأمر الذى يعد اعترافا مباشرا بأهمية هذا الفنان، على الرغم من أن موهبته نبتت على الجدران الرطبة فى المعتقلات، يرسم بطفية السجائر، مع أصدقائه الشاعر احمد فؤاد نجم، والشيخ إمام عيسى، الدهشة دفعتنى الى ان أطلع الفنان على هذا الانتصار المعنوى، فاخترت يوم الأحد مقصدا الى درب المقشات قرب باب زويلة، بجوار مسجد الصالح طلائع، تفاديا للزحام، ومع ذلك شعرت بأننى داخل جهاز هضمى، من كثرة الالتفاف، والانحناءات، ودورانات ورجوع ونفاذ وانقباض وانبساط وضيق ورحب، فى طريقى الى صائغ الذهب، الذى ترك حرفته من اجل الفن و الشعر والسياسة، لكنها معدة مصر الهاضمة، وبمجرد عبورى قصبة تربط بين بيوت شارع المعز لدين الله الفاطمى، استطعت ان أتفادى اندفاع شاب يرتدى الكتان ويمتطى فرس بنى محمر بلا سرج،

فقال أحد الباعة المرابطين علي جانبي الطريق الذين يطلبون الفرج والتساهيل: مملوكى! الحديد يقترب منا بعنف بعد ان تركت باب زويلة التى شنق عليها طومان باى، فى اتجاه درب المقشات، تسلقت سلالم بيت درجاته بدون سور (درابزين)، بينما أسياخ الحديد التى تخرج من السقف تحميه، وتقترب من الرأس والدماغ، بعنف، وأخيرا وجدت في الدور الثاني باب خشبي مدهون بالأخضر الزرعي عليه رقم تليفون بالأبيض، بمجرد وضع يدى على الباب انفرج. قابلنى بترحاب وبشاشة تتجاوز حالته الصحية.حجرة الاستقبال مستطيلة بها أريكتان ومساند وكليم، ومنضدة عليها الألوان، وشمس وبلكونة ومآذن وقبقاب وبيوت عتيقة وسماء صافية، فيما أخذت الأيام من محمد على الكثير، لكنه ظل فارع القامة بقميص أبيض وبنطال أسود،

معتمر بشعر أبيض كثيف ووجه ممتلئ في غير بدانة، وبشرة قمحية لا تخلو من تفانين الأيام وشارب خفيف ولحية عمرها ثلاثة أسابيع. من رحم القاهرة التاريخية جاء محمد على فى الخامس من مايو، فى العام الذى اختار فيه “نجيب محفوظ”، ليدمغه على أحد رواياته الخالدة، (القاهرة 1930)، حيث يقول على طريقة الحكائين المصريين: أرسلنى أبى إلى الصاغة منذ طفولتى الباكرة فلم أتعلم القراءة أو الكتابة، كنت أصيغ أشكالاً من الفضة، يقبل عليها السياح (نماذج فرعونية)، وفى البيت أعاود الصياغة ومع الوقت ابتكرت أصنافاً جديدة من حلقات وكرادين و غوايش وما شابة. وعن بيت حوش قدم الذى تشكل من سبيكة موسيقى وغناء، انصهرت، وأصبح هذا المكان علامة مضيئة يعرفه الدانى والقاصى، مصريون وأجانب، سياسيون وفنانون، أدباء وطلاب. فكان حدثاً معاشاً تصدر عنه بيانات احتجاج فى شكل أشعار تعرى الزيف وتكشف العيب وترفض الذل أياً كان صورته وأشكاله، بصوت الشيخ أمام وأشعار أحمد فؤاد نجم.

ويضع محمد على راحة يده فى الأخرى ويقول: بيت حياتى واصدقائى الشيخ إمام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم، ناس كتير، و طلاب جامعيين وغيرهم شافو أن أشعار نجم خير معبر عن أحوالهم، صوتٍ أحلامهم وآمالهم، فالتفوا حولنا. غضب السلطة و يرجع محمد على بجذعه الى الخلف علي الدكة الاسطمبولي ويقول: عندما غضبت السلطة السياسية من قاطنى هذا البيت، اعتقلت نجم وإمام عام 1962، حيث تعذر على دفع إيجار البيت الشهرى (ثلاثون قرشاً) واضطررت أن أبيع بطاطا إمام البيت، عشان أبعت أكل لنجم وإمام فى المعتقل. هذا الحادث فجر الرسم عند محمد على، فرسم وجه الشيخ إمام، بقطعة خشب متفحمة، من بقايا وقود نار البطاطا، ومن ثم اعتراه داء الرسم والتلوين، وفى قصر الغورى يفتتح معرضه الأول “مذبحة أيلول الأسود” ويحضر الفنان حسين بيكار و الكاتب الصحفى عبد الفتاح الجمل و الناقد كمال الجويلى، يرى بيكار نقاء وصدق وتلقائية محمد على فينصحه بقوله: لا تتلوث. فيما كتبت الصحف عنه، كظاهرة فنية، وتتوالى المعارض فى الجامعة الأمريكية، وجامعة بنها، أتيلية القاهرة 1984 والمركز الهولندى، والمركز الألمانى، ودار الأوبرا وغيرها.

وعن ذكرياته مع الموسيقار الشعبي ” الشيخ أمام ” يقول الفنان ” محمد علي ” كنت وأنا طفل عمري ست سنوات أقوم بتوصيل الشيخ أمام للمنازل والمحلات كدليل ليقرأ بها القران وبعد ذلك بسنوات طوال جمعتنا شقتي في حوش قدم بالغورية وقد كان الشيخ فرحا بهذه الشقة لأنه كان يستطيع الاستحمام وعشت أنا وهو في هذه الشقة ست سنوات قبل أن ينضم ألينا الشاعر احمد فؤاد نجم. ويضيف الفنان الفطري ” محمد علي ” و هو يتكأ على مسند قطن: في هذه الفترة كنت اعمل في صياغة الحلي، من خلال طاولة صغيرة في أحد أركان الشقة، فى الوقت الذى كان الناس يتعاقبوا كل يوم لسماع الشيخ وهو يتغني بأشعار نجم، كانوا يدفعوا الطاولة بالمصنوعات التي كنت قد أنجزتها طوال اليوم، فيتلخبط شغل اليوم كله، ويوم وراء يوم أصبح الحال مستحيل، وأحس بالوضع الشيخ أمام فعرض علي أن اعمل معهم كضابط إيقاع والكورس الوحيد. جيفارا وهوشى منه ويلتقط ” محمد علي ” خيط في الذكريات ويقول: عندما بدأنا نعمل أغاني سياسية هل علينا الفنانون والأدباء والمباحث أيضا!!، بعد غنائنا لأغنية ” جيفارا “، ” وهوش منه ” ” وشيللني واشيلك ” وانتشرت الأغاني، ورغم الفقر والحاجة والعوز، في واحدة من اللحظات الجميلة التي عشناها سويا، عندما جاءنا المخرج ” يوسف شاهين ” وطلب من نجم وأمام أغنية ” بهية ” عشان يقدمها في مقدمة فيلم العصفور، وذهبنا سجلناها في أستوديو مصر وهي الفترة التي كان الرئيس السادات بيقول ما اقدرش أحارب أمريكا، فرسمته مع الضباب، وطلبة الجامعة أخذوا اللوحة وطبعوا منها كثيرا، بل علقوها علي الجدران، لكن عندما جاء المخبرين علي البيت يفتشوا علي اللوحة، لم يجدوا شيئا. وبصوت يملئه الشجن والآسى يقول ” محمد علي ” عندما قبض علينا ثلاثتنا بعد مظاهرة في ميدان التحرير في أوائل السبعينات كان نصيبي زنزانة انفرادي في سجن القلعة سمعت في جوف الليل صوت الشيخ أمام بيغني: “أتوب أزاي وأنا أيوب رماني الوعد والمكتوب” وكان نجم قد كتب هذه القصيدة لأنهم طلبوا منهم ان يعلنوا توبتهم للنظام،

وبعد أن انتهي الشيخ أمام وجدت نفسي أقول: أتجمعوا العشاق في سجن القلعة، أتجمعوا العشاق في باب الخلق، والشمس غنوة في الزنازين طالعه. بابتسامة مليئة بالانتصار الممزوج بالألم: اليوم الذى كنا نروح فيه الجامعة، تانى يوم كانت تقوم مظاهرة. لكن هذه المرة اعتقلنا فترة طويلة جدا وكل ما نأخذ إفراج الرئيس السادات يعترض رغم أن القاضي في كل مرة كان يعطينا إفراج بفضل مرافعات المحامي المخضرم ” نبيل الهلالى ” الذي كان يقول لهيئة المحكمة ” طبلة محمد علي بتزلزل كيان الحكم “، وعندما خرجت في السجن بدأت انظر للحارة بشكل جديد فرسمتها وكأني أراها لأول مرة.

الصدى-لوحة للفنان محمد علي
لوحة للفنان محمد علي

ينتمي محمد على سلالة الفنانين الفطريين، فقد عرفت الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة فنانين كثرا يمثلون هذه الظاهرة الفطرية ووصلوا الي أن تنبتهم قاعات عرض محليه وأوربية ويعد الفنان ” محمد علي ” منهم، والذى يقول وهو يتطلع تجاه نافذة فقدت بعضا من زجاجها: جاء لي القاص والرسام ” محمد جاد الرب ” وقال أنت عنك موهبة لازم تستمر، فقلت له: أجيب التكاليف منين، فغاب عني ساعتين ولقيته راجع في أيديه الألوان والأدوات، وبدأت ارسم أقنعه، بتأثير من حرفتي التي كنت أكل منها عيش وهي صياغة الحلي والتي تركتها بسبب أيماني لما كنا نعمله مع ” الشيخ أمام ” رغم السجن والاعتقال، والحرمان والوجع. مذبحة أيلول الأسود وتعد البداية الحقيقة لهذا الفنان الفطرى، بعد انفعاله بأحداث مذبحة ” أيلول الأسود ” في العام 1970، والتي عبر عنها من خلال مجموعة من اللوحات تصور مأساة الفلسطيني وكان المعرض الذي أقيم لهذه المجموعة أول معارضه، وحضرت هذا المعرض وفود عربية كثيرة تصادف وجودها لانعقاد مؤتمر القمة العربي في القاهرة الذي سبق وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مباشرة، في الوقت الذي كان فيه ” الشيخ أمام ” والشاعر احمد فؤاد نجم في السجن. فبعد خروجهما، اتجهوا بنشاطهم مرة أخري، الى جامعة القاهرة باحتفال كبير حضره خمسة ألاف طالب في مدرج الحقوق. وهي الفترة التي شهدت توهج الثلاثة، حيث كان نجم يتفجر شعرا ويلحنها الشيخ ويرسمها الفنان ” محمد علي فقد جاءت لوحاته،

تترجم القصائد الي خطوط وألوان فطرية صارخة وحديثة وحارة، ثم فى مرحلة تالية تخلي علي الارتباط بالقصائد واتجه الي رسم الحارة وما يدور فيها بمسحه في البهجة والتفاؤل. رسم الموالد الدينية وحفلات الزواج والسبوع وزحام الأسواق، وألعاب والارجواز، والسيرك الشعبي وصخب الباعة الجائلين والمشعوذين وصور مشربيات البيوت القديمة والنسوة بالملاءات اللف أو بأزيائهن وألوانها الزاهية الصارخة وذلك بأسلوب الفنان الفطري الذي لا يعرف شيئا عن المدارس الفنية أو الاتجاهات. الأسلوب الذي لا يتقيد بالواقع إنما يأتي انعكاسا للانفعالات والأشكال المختمرة في ذهنه عن الواقع ويتميز بمقدرة واضحة علي استخدام الألوان الصريحة، التي تبدو شديدة الثراء في صخبها وقوتها، وهو الأسلوب الذي يشابه في تعبيره ما يقوم به الفنان الشعبي المجهول منذ مئات السنين والذي نجد رسوماته حتى اليوم علي واجهات البيوت الشعبية في مناسبات الحج والزواج التي لا تقيم وزنا للمنظور الأكاديمي فقد نجد رسم الجمل يأتي فوق الطائرة. ظل محمد على فى حديثه، يتذكر شيخ النحاتون، عبد البديع عبد الحى ويترحم عليه. وفى مواضع كثيرة يتغنى بأبيات مطولة لنجم، وفى الوقت الذى كان قرص الشمس يستأذن فى الذهاب خلف المآذن والقباب وأطباق الدش على سطوح البيوت العتيقة، بجوار مسجد الصالح طلائع، لملمت أوراقي تاركا محمد على، يرسم الخفاش الأسود المنقض على البقرة. بينما كان بيت حوش قدم سقط فى(زلزال 1992) وينفرط العقد، فالشاعر نجم هو نجم أمسيات وندوات فى الفضائيات والشيخ إمام رحل سنة2001 عن ثمانين عاماً بعد أن ملء الدنيا غناءً. وأخيرا يرحل الفنان الفطري “محمد علي” في صمت، لكن مازلت رسومه في كتب الاطفال. سيد هويدي

لا تعليقات

اترك رد