عين المؤلف الثالثة الثاقبة


 

الكاتب منوط له البحث عن الحقيقة والخير والجمال و المعرفة لأنه متحوّل بذلك إلى مرآة عاكسة لافتة للانتباه على سبيل التقويم ، فالكاتب بالنسبة للقارئ إيقونة معتمدة، مخوّل بنيابة السرد وعلى هذا الاعتبار فإن مسؤوليته تتعاظم مع المتلقي الذي لا يضع في حسبانه إن أسرع المؤلف فيما كتب أو أبطأ.

فديار النشر في الغرب تعتمد الاحترافية منطلقا لها لمسؤوليتها أمام القارئ الذي يربطه بها عقد مادي ومعنوي من جهة القانون ومن جهة الصناعة ومن جهة القارئ. فالمحرر الأدبي ضرورة لعلمه باللغة والنحو والنقد وما يملكه من معارف، إنه المدقق، المستقرأ، الرابط للأجزاء، المحافظ على الاتساق للمبنى العام للنص، المعتني بالفعل كما الزمن، الخشن مع النص، المضيف الحياة إلى المعنى في أحيان كثيرة والمنقص لأثقال لا فائدة يرجى منها والمتتبع للتاريخ يرى أن شهرة الروائي الأمريكي جوزيف هِلَر ورائها المحرر الأمريكي بوب غوتليب كما أن الأمريكي ماكسويل بيركنز يعود إليه الفضل في شهرة أعمال يرنست همنغواي وإف سكوت فيتسجيرالد وتوماس وولف حتى أضحت من كلاسيكيات الأدب الحديث ولأن دار النشر الغربية تحترم قارئها فقد أوجدت علاقة ثلاثية من منطلق الجودة.

إن وظيفة المحرر أوجدتها المعطيات الاقتصادية ومنطق الإعلام فتطور ليصير المتبني والمدافع عن الأعمال الجيدة التي يراها أصحاب ديار النشر تافهة وبذلك يصير المحرر المكتشف والكيميائي الذي يحدد قيمة العمل المهمل وبكثير من الصبر و الجهد إلى جانب الكاتب تتم عملية في اتجاه واحد تمهيدا للنجاح التجاري والنقدي، إنها ثنائية متلازمة متوافقة رغم تعامل المحرر برفق موضحا نقائص وهنات المؤلف حتى يقيم عليه الدليل والإقناع.

هل الكتاب العرب يلجأون إلى المحرر ؟ إن عدم التفريق بين وظيفة المحرر وبين الإبداع ليس مشكلة بقدر ما تبقى الثقة مفقودة فديار النشر ليست في المستوى على اعتبارها كأي مؤسسةsarl تستثمر في الكتاب وتعتبر العمل كأي مقاولة بل وحتى مزرعة وتتعامل مع الزبون على اعتباره غير واعي ودون المستوى و لا يملك آليات قانونية ولا ثقافية تمكنه من محاسبتها والمؤلف مع هذا قد يجهل بأن وظيفة المحرر تقاليد ثقافية.

المسؤولية تقع وحدها على لجان المراقبة و المعاينة و المتابعة التي تغفل الجانب الهام ولأن فكرة الفرد العربي لا يقرأ فكل ما يكتب من أعلى إلى أدنى مستوى لا يقرأ بذلك ضاعت وظيفة المحرر من خلال حكم مرضي يحيل إلى رداءة متجذرة في مفاصل الثقافة والفكر المصابان بسكتة تخلف. الكاتب الحقيقي يضع عمله في يد أمينة نزيهة ناقدة ونافذة، مسددة، يد تمسح على اللؤلؤ لتزيده صفاء وبريقا دافنة ما هو ميت لعل زهورا تنبت فوقه. هذه وظيفة المحرر التي نفتقدها، حالة نظر وفرض فرصة لانبعاث حياة جديدة، وظيفة المحرر أوجدتها الحاجة والنقص المنوط بالآخر، إنها عين المؤلف الثالثة الثاقبة هذا كله الذي تقصيه دار النشر و المؤلف معا في أوطاننا.

لا تعليقات

اترك رد