القطيعة التامة : مستقبلنا الذي لم نقرأه !! – ج٢

 

الشرق الأوسط بين ” نظرية المؤامرة ” و ” مخططات الأعداء ”

٢- التمويه على المؤامرة

رغم انني لا أحب استخدام لفظ المؤامرة لفرط مالحق به من تهويل في تفسير مجرى التاريخ ، الا ان تفاديه امر مستحيل ولو بمعنى محدد اقصده دون غيره ؛ كل حدث يتم الاعلان عنه وعن أهدافه ثم تتوفر معلومات مؤكدة على ان ما أعلن كان صرفاً مقصوداً للأنظار عن حقيقة الاهداف هو مؤامرة ، رغم ان لفظة المؤامرة قد تشمل انواع اخرى من الأفعال اضافة لما حددته لنفسي لاغراض هذا المقال .

لاغراض هذا المقال ايضاً سأضطر للخوض في تفاصيل متنوعة قد تبدو للوهلة الاولى نوع من الاستفاضة غير اللازمة ، لكن الاستمرار في متابعة الموضوع ستظهر ان هذه التفاصيل لازمة لإتمام الصورة الكاملة للموضوع وتشكل جزءاً من دلائل إثبات ان مانعرضه من احداث كانت مؤامرة .

ان غرضي الأساس منذ البداية هو البحث في تفاصيل ماجرى من احداث قادت الى احتلال العراق تحت ذرائع محددة ثبت انها كانت مفبركة بشكل مقصود وان اهداف الاحتلال كانت غير ماتم الاعلان عنه ، مع عدم استبعاد ان القيادة العليا التي اتخذت قرار الحرب كانت واقعة تحت تأثير الوهم الذي تم الترويج له ، من قبل جهات محددة وعلى صعد مختلفة ، وانها قد تنبهت لهذا الامر في مرحلة ما ، لكن ذلك جاء متأخراً وان ماتبع من احداث كان بهدف استيعاب الاثار السلبية التي نجمت عن قرار الحرب وتحت مبدا تخفيف الضرر .

ان تفكيك ملابسات قصة معقدة مثل موضوع احتلال العراق وتحليله الى مكوناته الأولية لايحتاج أحياناً الى كاتب جيد قدر الحاجة الى قارئ فطن صبور ، وثقتي في قرائي انهم كذلك .

عندما بدات القوات الامريكية والبريطانية باجتياز مناطق الحدود الجنوبية للعراق والتي جاءت بعد تصعيد في الموقف السياسي الامريكي تجاه العراق لأكثر من عام ونصف على خلفية قضية نزع أسلحة الدمار الشامل ، كان المراقبون يعتقدون ان الادارة الامريكية ربما تكون قد ارتكبت احدالأخطاء الكبيرة وانها كانت جديرة بان تمنح المفتشين الدوليين فرصة إضافية لإتمام عملهم مع تزايد الإشارات حول عدم وجود مثل هذه الاسلحة في العراق بعد سنوات طويلة من عمليات التفتيش التي لم توفر حتى غرفة نوم رئيس الجمهورية . ان قناعة هؤلاء بنيت على أساس ان الولايات المتحدة كانت واقعة تحت ضغط شديد جراء صدمة الحادي عشر من أيلول ، وانها تتخذ قراراتها ذات الصِّلة بالارهاب تحت وطأة هذا الضغط ، مع ملاحظة انه تم الربط دائماً في الخطاب الرسمي الامريكي بين العراق والارهاب وأسلحة الدمار الشامل بزعم انه بحيازته هذه الاسلحة قد يشكل جسراً لإنتقالها الى أيدي المنظمات الإرهابية بحكم صلات مزعومة نسبت للعراق مع القاعدة .

لم يجد المراقبون تفسيراً اخر لعدم عقلانية القرار الامريكي خاصة وان أسلحة الدمار الشامل المقصودة تتطلب ، ان اريد لها ان تكون فاعلة ومؤثرة ، بنى تحتية من المستحيل إخفاؤها مع موجات التفتيش التي تمت على مدى اكثر من اثني عشر عاماً رغم بعض الانقطاعات . لقد عزز من قناعة هؤلاء بعدم صواب الخطوة الامريكية هو التأثير الذي سيتركه الغزو على مجمل النظام الاقليمي الذي يحتل فيه العراق ركناً جوهرياً وهو الاعتبار الأساسي الذي أوقف بوش الأب حرب عام ١٩٩١ استناداً له . ان وجود دولة متماسكة في العراق شكل عامل توازن فريد منع اي امكانية تمدد إيراني من شانه اثارة عدم الاستقرار الذي قد يوصل المنطقة الى حافات حروب اقليمية وأهلية لاتنتهي ، كذلك ضمن وجود العراق حالة من التوازن مع اسرائيل التي اضطرت لكبح جماح دعوات متطرفيها في المضي بمشاريع ضم أراضي الفلسطينيين وتهويد القدس او احتلال مزيد من الاراضي ، وهي قنابل موقوتة ستكون عامل عدم استقرار أبدي في المنطقة ، وهذه كانت رؤية الرئيس جورج بوش الأب ودوائر عديدة في مراكز التفكير .

في الجانب المقابل افترض البعض ، ممن لم تقنعهم الحجج الامريكية او أرادوا تبرير اخطائها ، ان هذه الحرب كانت ثمرة نوع من غرور القوة والرغبة في استعادة روح المبادرة العسكرية الامريكية وتأكيد الذات بعد انكفاءة ڤييتنام ، خاصة وان الحرب في أفغانستان قد اقتصرت على الجهد الجوي وتقديم الدعم لقوات تحالف الشمال الافغاني دون الزج بقوات برية أمريكية الا بعد ان حسم الموقف وهزمت طالبان وجاءت المشاركة الامريكية بقوات برية في إطار اممي – أطلسي ولذلك فهي لم تكن حرباً أمريكية خالصة .

خاضت امريكا بعد الحرب العالمية الثانية حروباً عديدة وكانت لكل حرب سماتها الخاصة لكنها تشترك في سمات تكتيكية وضع أسسها الجنرال برادلي رئيس هيئة أركان القيادة العامة لقوات الحلفاء تحت قيادة أيزنهاور خلال الحرب العالمية الثانية وأصبحت تعرف في العلوم العسكرية بالمعركة البرية – الجوية ، وتمثل خلاصة التجارب والدروس المستفادة من تلك الحرب وتعتمد على الاستخدام المكثف للدروع والطيران لتدمير دفاعات العدو واختراق جبهته وان يتم تحديد حجم القوات لكل حملة حسب الهدف الستراتيجي لها ، اما حجوم القوات وأنماط حشدها فإنها تخضع لظروف كل حرب ونوعية أهدافها .

كانت حملة عام ٩٠-١٩٩١ لأخراج العراق من الكويت ذات طابع شامل سيق اليها اكثر من نصف مليون جندي امريكي وحليف مع آلاف الطائرات والعربات المدرعة والمدفعية الثقيلة . جاءت إدارة الحرب بهذه الطريقة الشاملة تطبيقاً لأسلوب جديد في ستراتيجية إدارة حروب امريكا اعتمدتها هيئة الأركان الامريكية بقيادة كولن پاول تقوم على مبدا الحشد الشامل للقوة العسكرية الامريكية لخوض الحروب الخارجية بهدف عدم ترك آية فرصة لاحتمالات خسارة حرب وجعل فرائص المعادين للولايات المتحدة ترتعد حين يفكرون بمناوأتها وفق تعبير پاول نفسه ، الا ان نوع التكتيك الميداني لم يتغير والقائم على ثنائية الدروع سريعة الحركة والطيران لتأمين نيران كثيفة متحركة ؛

مع إدارة بوش الابن وتسلم رامسفيلد وزارة الدفاع وبعد تلقيه أوامر الرئيس الأولية ببدء الإعداد لخطط غزو العراق في الحادي والعشرين من نوڤمبر / تشرين الثاني ٢٠٠١ ، تم تبني مبدءاً جديداً للحملة يقوم على استخدام اقل قدر ممكن من القوات سريعة الحركة ذات القدرة النارية الهائلة التي تعمل على شل العدو وتدميره من خلال توظيف وحدات آلية مدرعة صغيرة الحجم نسبياً مسندة بنيران جوية كثيفة ومدفعية آلية متحركة لتحقيق ما اسماه” الصدمة والترويع ” وان تكون هذه هي ستراتيجية الحرب وتكتيكات معاركها الفرعية في ان واحد . اراد وزير الدفاع رامسفيلد اعتماد هذه النظرية بديلاً عن الخطة المكلفة السابقة والتي يصعب اخفاء تحضيراتها لوقت طويل مما يتيح للنظام في العراق زُج قواته في اجراءات استباقية كإعادة احتلال الكويت او اعادة نشر قواته في خطة دفاعية جيدة التحضير مما يزيد من صعوبة مهمة الحملة { سنرى لاحقاً عند تحليل معطيات الحملة على العراق ان المبررات الحقيقية لاعتماد نموذج إدارة الحرب هذا كان مقصوداً وله أهدافه المحددة التي ستعمل الادارة على تداركها وفق توصيات لجنة بيكر – هاملتون } . هذا يعني ان تصبح ستراتيجية الحرب وتكتيك إدارة معاركها من ذات الجنس . لقد وضعت الخطة النهائية لغزو العراق استناداً لهذه النظرية الجديدة وعلى أساس الا يزيد عدد القوات المنخرطة في عملية الغزو وإسقاط النظام عن ١٥٠ الف جندي .

عارضت هيئة الأركان المشتركة استخدام هذا النمط الجديد في معركة العراق حين عرضت عليها بعد اعدادها من قبل قيادة المنطقة المركزية باعتبار ان هدف الغزو هو اعادة بناء الدولة العراقية بعد اسقاط النظام ( Nation Building ) وليس عملية تغيير للنظام السياسي فقط ( Regime Change ) ؛ وثمة فرق ستراتيجي بين الامرين مع اختلاف كامل في النوايا والاهداف . لذا أناطت القيادة السياسية التي كلفت بإدارة عملية العراق امر اعداد خطط غزو العراق منذ البداية بقيادة فرعية هي القيادة المركزية وليس هيئة الأركان المشتركة كما هو المألوف ، وقد أضيف لذلك عامل جديد وهو ان يتم اعداد خطط الغزو بسرية كاملة وبعيداْ عن أنظار او إسماع آية قيادة اخرى حتى العليا عدا الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد حصرياً ، لقد اعتمدت القيادة الامريكية اُسلوب المعركة الجديد القائم على استخدام وحدات مدرعة سريعة هدفها اختراق الدفاعات وتدمير العدو والمضي قدماً الى العاصمة بأسرع وقت لإنهاء النظام ، فيما كانت الإعلانات السياسية تتكلم بلغة اخرى وركن الزاوية فيها هو ان هذه الحرب هي جزء من الحرب الشاملة على الاٍرهاب من خلال وضع نهاية للانظمة التي ترعاه او تغذي منابعه وتهدد بترتيب أسلحة الدمار الشامل الى أيدي الإرهابيين وإحلال أنظمة ديمقراطية تعددية على صعيد بناء الثقافة الشعبية العامة من خلال اجراء إصلاحات شاملة في منظوماتها الاجتماعية والتعليمية وفتح أبواب عقول ابنائها للثقافة العالمية … الخ من فقرات البرنامج الذي سمعناه حينها .
ان مجرى العملية العسكرية والقوات المخصصة لها لم تكن تتناسب مع هذا الهدف المعلن ، وفي مناقشات لاحقة بين قائد المنظفة المركزية الجنرال (فرانكس )والمسؤول عن الشؤون السياسية في البنتاغون دوجلاس فيث حول فترة ما بعد الحرب كان واضحاً ان مايدور في ذهن فيث هو غير مايدور في ذهن جندي محترف مثل الجنرال ( فرانكس ) الامر الذي اضطر الجنرال الى وصف فيث بانه اغبى رجل قابله في حياته ، ولكنه لم يكن يدرك ان فيث يعمل على غير مايعمل هو عليه وان له مرجعياته وأولوياته التي سترد في قسم قادم مفصلاً .

ولنا ان نتساءل : هل كان ذلك خطا ستراتيجياً في التقدير والحساب ، ام ان اعتبارات اخرى جعلت المستوى السياسي يفرض على الجانب العسكري هذا الخيار حصراً ؟!!

من جهة اخرى فقد أعلن اكثر من مسؤول امريكي ان المشكلة التي واجهت الاحتلال هي عدم وجود خطة لليوم التالي . اي ان الخطاب السياسي الخاص بنشر الديمقراطية باعتباره الجزء الثاني من الحملة الدولية الشاملة على الاٍرهاب كان ، حسب زعمهم ، مجرد خطاب عام وانه لاتوجد خطةً لوضعه موضع التنفيذ ولذلك اضطرت سلطة الاحتلال الى وضع خطط طارئة او تمشية الأمور بشكل يومي ، ومن يوم الى الذي يليه ….. لكن هذا الزعم ليس صحيحاً هو الاخر ، فقد أنيط بوزارة الخارجية الامريكية وضع خطة مفصلة لإدارة شؤون العراق لمرحلة ما بعد الاحتلال وان مجموعة من خيرة الخبراء بشؤون العراق بينهم أكاديميون بارزون وضعوا خطة تفصيلية في ثلاثة عشر مجلداً وبأدق التفاصيل لتحقيق هذا الغرض . استغرق وضع هذه الخطة عملاً دؤوباً متواصلاً على مدى عام كامل … تم ايقاف العمل بالخطة بعد بضعة خطوات عملية باتجاه تنفيذها على يد الجنرال غارنر اول حاكم امريكي للعراق بعد الاحتلال من قبل وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية دوجلاس فيث الذي قرر تولي إدارة الامر بنفسه بعد ان اصدر الرئيس بوش أمره القاضي باناطة الملف العراقي بوزارة الدفاع بدلاً عن الخارجية ، امر اثار استغراب الكثيرين لمن لايعرفون مالذي كان يجري في اروقة الادارة الامريكية العميقة قبل الغزو وبشأن إدارة شؤون العراق بعد الاحتلال تحديداً ، فضلاً عن ذلك فان هنالك شهادات موثقة تؤكد ان ماجرى في العراق بعد الغزو وإسقاط كامل كيان الدولة وما أدى اليه من فوضى وانفلات أمني ثم حروب طائفية كان محسوباً بدقة وانه حصل كما تم التخطيط له ” كلمة بكلمة ” كما صرح بذلك احد الضالعين في ذلك المخطط كما سنعرض في موضع اخر فضلاً عن شهادات موثقة لأكثر من طرف امريكي له صلة مباشرة بالموضوع .

في اول اجتماع عقد في كامب ديفيد بعد هجمات سبتمبر للقيادة الامريكية برئاسة بوش اقترح ” پول وولفويتز ” نائب وزير الدفاع غزو العراق رداً على الهجمات ،هذا الامر الذي اثار انزعاج الرئيس بوش . وعندما أعاد وولفويتز طرح الموضوع ثانية جاءه تأنيب من الرئيس بوش وطلب الا يعاد طرح الموضوع عليه مجدداً ، لكن وقتاً طويلاً لم يمر حتى غير الرئيس رأيه واعطى رامسفيلد الامر بالبدء في اعداد خطط غزو العراق .

پول وولفويتز ، اليهودي الصهيوني واحد ابرز وجوه المحافظين الجدد ، سينحى عن مركزه بعد غزو العراق ووقوع القوات الامريكية في مستنقع العراق رغم ان التنحية جاءت بشكل ترقية كرئيس للبنك الدولي ، لكن اخرين من مجموعته كادوا ان يحالوا الى المحاكم لولا الاعتبارات السياسية كما سنفصل لاحقاً ، فيما أُحيل من هم اقل شاناً ومن ذات الدائرة الى المحاكم وسجن بتهمة التجسس لصالح اسرائيل ، وطالت التغييرات اكبر الرؤوس في الادارة مثل رامسفيلد نفسه ومن التداعيات احالة سكوتر ليبي مستشار تشيني نائب الرئيس الى القضاء والحكم عليه بالسجن لفضحه اسم عميلة المخابرات التي رفض زوجها جوزيف ولسون التعاون مع الادارة لتزوير الحقائق بشان أسلحة الدمار الشامل المزعومة ؛ لقد كانت مهمة ليبي اليهودي الصهيوني تسلم تقارير مزورة تعدها المخابرات الاسرائيلية ويتبناها كل من عبدالعزيز الحكيم واحمد الچلبي ويتم فرضها على المخابرات الامريكية من فبل تشيني باعتبارها ادلة حول الاسلحة المزعومة لتعرض بعد ذلك على الرئيس باعتبارها ثمار عمل مجتمع الاستخبارات الامريكي ويتم تسريب بعضها الى الرأي العام على هذا الأساس { اعتذرت صحيفة نيويورك تايمس عن دورها في ذلك } .

مالذي حصل اذن كي تتورط الولايات المتحدة وتقع في هذه الورطة الستراتيجية وتقوم باستخدام نظرية قتالية أعدت لاغراض تختلف ستراتيجياً عن الاهداف المرجوة من حملة العراق ، ولماذا تضطر لخسارة عشرات الآلاف من جنودها بين جريح وقتيل بسبب التعطيل المتعمد لخطط مسبقة لإدارة مرحلة مابعد الاحتلال بالاستعانة بما يمكن من اجهزة الدولة العراقية لتعويض عدم كفاية عديد الحملة العسكرية لضبط الامن في داخل البلاد ، ومن شان ذلك تجنيب قوة الغزو خسائر باهظة تكبدتها في الأرواح والمعدات فضلاً عن التكاليف المادية الإضافية جراء الاضطرار لاستخدام شركات آمن خاصة لتعويض النقص … اين هي الحلقة المفقودة ، او بالأحرى ماهي تفاصيل المؤامرة ؟!

هنا لابد من العودة الى تفحص اهداف الحرب الحقيقية على أساس الوقائع وما جرى إعلانه بهذا الصدد .

افترض البعض ان هدف الحرب كان نفط العراق . ففي عصر تنامت فيه قوى دولية عديدة مثل الاتحاد الاوروپي والصين مما يهدد تفرد الولايات المتحدة كقطب عالمي وقوة عظمى وحيدة لم يعد بامكانها الا ان تمسك بمفاصل ستراتيجية مما تشكل عناصر قوة لابديل عنها ومن اهم هذه العناصر هي الطاقة التقليدية المتمثّلة بالنفط والغاز والتي لايبدو ان لها بدائل قريبة المنال ، وطالما ان العراق يضم ثاني اكبر احتياطي نفطي وربما الاول وهو مازال في بواكير عهده في الانتاج الواسع لهذه الطاقة وان اكثر من ثلثي احتياطياته مازالت بكراً لم تمس بل ربما لم تعرف على كامل حقيقتها بعد ؛ من الطبيعي ان ينصرف التفكير الى اعتبار ذلك سبباً كافياً لتبرير الحرب ، وهي فرضية مقبولة من الناحية النظرية ، ولكن لاتوجد ادلة واضحة على ان ذلك كان هو الهدف الرئيسي وربما لم يكن هدفاً من الأساس . من المعروف ان نائب الرئيس تشيني هو رجل نفط من خلال ترؤسه لشركة هالبرتون وتنسب له بعض الأحاديث الخاصة بالنفط العراقي وأهميته الاقتصادية والجيوستراتيجية . هنالك مفكرون ومثقفون ذوي اعتبار ذهبوا في تفسير الحرب بهذا الاتجاه مثل نعوم چومسكي والمخرج مايكل مور .

ان نظرية النفط ، رغم إغرائها ، ليست كافية لتفسير الامر ؛ صحيح ان النفط كان احد عمودي السياسة الامريكية تجاه الشرق الأوسط الى جانب آمن اسرائيل الا انه لاتوجد في تاريخ السياسة الامريكية سابقة واحدة تفيد بان اي من الإدارات الامريكية قد فكرت في عملية احتلال المنطقة الا في حال ظهور تهديد مباشر مثل استحواذ قوة اجنبية او قوة ثورية غير منضبطة على المنطقة وهو ما لم يكن حاصلاً في حالة العراق خاصة بعد ان تم إخراجه من الكويت ، كما لم تتغير خارطة علاقات العراق النفطية قبل حرب عام ١٩٩١ او بعدها وظل النظام العراقي حريصاً على استمرار مبيعاته الى زبائنه التقليديين وخاصة الغربيين منهم . اضافة لذلك فَلَو ارادت الولايات المتحدة السيطرة المطلقة على احد الاحتياطات الكبيرة كضمانة لاستمرار الهيمنة على صناعة وتجارة النفط الدولية فان السعودية تبدو هدفاً اكثر سهولة وبالتالي اكثر إغراءاً لهذا الغرض مع حجم إنتاجها واحتياطها . من جانب اخر فلا توجد آية ادلة على ان الاحتكارات النفطية الكبرى قد مارست ضغوطاً من اي شكل كان من اجل الترويج لقضية الحرب بل ان العكس هو الصحيح لان شركات النفط شانها شان اي مستثمر تبحث عن الاستقرار في مناطق عملها وليس الحروب .

يعتقد اخرون ان هدف الحرب كان خطوة أولى باتجاه اجراء تحولات اجبارية في المنطقة نحو الديمقراطية واحترام حقوق الانسان واحترام حقوق الأقليات الدينية …. والى اخر أبيات هذه الأنشودة ؛ هذه الأنشودة التي تنتهي بالزعم ان هذه المنطقة وانظمتها الشمولية وانغلاقها الثقافي قد شكلت مصدر الاٍرهاب الاول في العالم وان اعادة صياغة انظمتها السياسية هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع الاٍرهاب .

ماجرى بالفعل على ارض الواقع لم يكن يسير بهذا الاتجاه بل ان الولايات المتحدة قد عملت على ازاحة نظام علماني يتمتع بقدر معقول من الاستقرار ، على كل عيوبه ، لتسلم البلاد الى مجموعة من الاحزاب الدينية المتطرفة ، وان العراق وهو البلد الوحيد في المنطقة الذي لم يكن يعاني من مشكلة الاٍرهاب ولايمتلك نظاماً تعليمياً منتجاً لثقافته ، اصبح بعد الاحتلال بؤرة الاٍرهاب الاولى ، وبالتالي يمكن الجزم بان ذلك لم يكن الهدف ولو ارادت الولايات المتحدة من حربها في المنطقة ان تجتث جذور الاٍرهاب فان بلدان اخرى كانت ستشكل قائمة الاهداف المناسبة وليس العراق .

لم يكن اي من هذه الاهداف موضوعاً للحرب ، ولو كان الامر كذلك فقد كان يتعين إدارة المعركة العسكرية بطريقة مختلفة تضمن انهاء النظام السياسي القائم وليس الدولة لان استهدافها يعني أغراض اخرى تتلخص في ازالتها كقوة جيوستراتيجية من خارطة المنطقة وهو ما لايتطلبه تحقيق اي هدف من الاهداف المذكورة سابقاً ، اضافة الى وجوب استخدام مختلف للقوة العسكرية يضمن الحفاظ على الاستقرار من اجل تحقيق هذه الاهداف في حال اذا كان قد تقرر إلغاء كيان الدولة في العراق ولكن أمراً كهذا لم يكن في ذهن القيادة السياسية الامريكية العليا بل توجد تأكيدات ان الرئيس بوش قد فوجئ بالقرار الذي اتخذه الحاكم الامريكي بالتنسيق مع مراجعه في البنتاغون وتحديداً دوجلاس فيث .

إذاً لم تكن هذه هي اهداف الحرب !!!!

لقد تم تبرير إدارة الحملة العسكرية وحجمها وفقاً لعاملين : المباغتة والكلفة . ان اعادة اللجوء الى سيناريو الحملة الشاملة التي تم اعتمادها في حرب عام ١٩٩١ تستدعي تحضيرات يصعب إخفاؤها بسبب الوقت الطويل الذي تستغرقه فضلاً عن حجم القوات التي يصعب إخفاؤها بعد مرحلة معينة من الشروع في اجراءات الحشد ، وبالتالي فان استخدام قوات اقل واعتماد اُسلوب الضربة القوية المباغتة التي اطلق عليها ” الصدمة والترويع ” هو السبيل الأمثل لتنفيذ حملة احتلال ناجحة ، وبالتالي فان هذا الأسلوب يحول دون استخدام النظام العراقي اجراءات مضادة استباقية مثل اعادة احتلال الكويت او اجتياح الاْردن ومهاجمة اسرائيل . في كلتا الحالتين يمكن معالجة الموقف وإلحاق الهزيمة بالجيش العراقي ولكن بتكاليف كبيرة يمكن تجنبها عن طريق اخفاء النوايا من خلال تقليص حجم الحملة .

من الناحية الاخرى فان تكاليف حملة بحجم حملة عام ١٩٩١ ستكون باهظة ومن الحكمة التقليل من تكاليفها من خلال تقليص حجمها هو الأسلوب الأنجح .

ان هذين الاعتبارين لايصمدان امام فحص متانٍ . ان راديو” سوا” كان يبشر العراقيين بقرب الغزو قبل اشهر من الحملة كما كانت بعض قيادات المعارضة العراقية قد أبلغت بقرار الحرب وحظي بعضهم بلقاء بوش نفسه لهذا الغرض ، كما توفرت لدى العراق معلومات عن بدء قدوم قوات امريكية لمناطق مجاور او قريبة من العراق مثل الخليج العربي وخاصة الكويت وقاعدة كونستانسا الرومانية على البحر الأسود ؛ وبالتالي فلم تكن قضية الغزو على هذا القدر من السرية وبالتالي فان تقليص حجم الحملة تحت ذريعة السرية لم يكن وارداً .

لقد كان الهدف الرسمي المعلن للحرب هو ازالة أسلحة الدمار الشامل ، ولكن هدف اجراء تحولات ديمقراطية في المنطقة لم يكن بعيداً عن الحديث الرسمي وكان مادة للترويج السياسي للحملة ، وهذا الازدواج في الاهداف كان مفهوماً باعتبار ان المبرر القانوني للحملة ينبغي ان يكون في إطار قرارات الامم المتحدة ولم تكن قضية تغيير الأنظمة من بينها ، ولكنه امر تمسك به المسؤولون الأمريكان في إطار حربهم العالمية على الاٍرهاب ومعاركها الاستباقية وبالتالي فقد كانت قضية تقليص حجم الحملة العسكرية غير واردة او مفهومة في ظل هذا الموقف بل كان الامر يقتضي حملة عسكرية وبعديد يحقق اسقاط النظام وإدارة البلاد بعد ذلك . اما قضية الكلفة فهي غير واردة ايضاً في ظل حرب عالمية على عدو شرس وله أذرع ممتدة على مساحة الكرة الارضيّة كما ان الحسابات الختامية للحرب اظهر انها كلفت ما لايقل عن ثلاثة تريليونات دولار نجمت بالدرجة الاساسية عن تقليص حجم الحملة مما تسبب في تدهور الوضع الأمني في العراق خارج نطاق قدرة عديدها المحدود من الجنود الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مقاومة شرسة اعقبت الاحتلال مباشرة فضلاً عن كونهم قد أصبحوا للسبب نفسه اهدافاً سهلة امام المنظمات الراديكالية ووسط تقاطع نيران المنظمات الطائفية المتقاتلة ، مما يبعد قضية التكاليف عن الموضوع .

لماذا اذن تم اعتماد هذا الأسلوب في إدارة الحرب اي باستخدام قوة عسكرية محدودة العدد بالكاد تكفي لتحقيق الهدف الأولي وستقف عاجزة امام تدهور الوضع الأمني بالشكل الذي قاد الى استشراء ظواهر الاٍرهاب والجريمة المنظمة كما شكلت المليشيات جهاراٍ نهاراً دون امكانية التدخل لمعالجتها .

لقد تم وضع خطة شاملة من قبل فريق من الخبراء لإدارة شؤون العراق بعد الاحتلال على أساس ان المطلوب هو اعادة صياغة نظامه السياسي ليكون نقطة انطلاق نحو التحول الشامل في المنطقة كما أسلفنا ، الا ان نزاعا حاداً حول إدارة سلطة الاحتلال في العراق قد نشب بين البنتاغون من جهة وبين وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية من جهة اخرى وقد انتهى بتسليم زمام الادارة الى البنتاغون وتحديداً تحت اشراف دوجلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية والمسؤول عن مكتب الخطط الخاصة الذي تولى مهام محددة قبل وبعد الاحتلال ، ومن خلال تفاصيل هذا النزاع يمكن الامساك برأس الخيط الذي يمكن ان يكشف الكثير من تفاصيل المؤامرة وحقيقة الاهداف ، كما ان العودة الى ايام التحضيرات للحرب وكيفية إقناع الرئيس بوش بحتميتها تكشف الكثير من التفاصيل التي كان بعضها ظاهراً ومكشوفاً ، غير ان حمى المعركة قد حالت دون فهمها في حينه .

لأجل البدء بجوهر المؤامرة لابد من العودة قليلاً الى عام ١٩٩٦ حيث تبدا حكاية اعادة صياغة المنطقة ولكن وفق رؤية إسرائيلية لان الولايات المتحدة كانت تتجه لتبني ستراتيجية الاحتواء المزدوج لكل من العراق وايران تحت إدارة كلنتون ، وفي ظل هذه الادارة بدات تتجلى أولى بوادر المؤامرة بشكل عملي على ارض الواقع وبقدر ماتسمح به ظروف تلك المرحلة .

( يتبع )

لا تعليقات

اترك رد