حول تجارب الإمام علي (ع) في بعض شؤون الحكم ومسؤولية بناء الدولة


 

..ولنا في تجربة الخليفة الرابع أمير المؤمنين الإمام علي(ع) في السّلطة السّياسية –على قِصر مدتها التي دامت بضع سنين- مثالاً حقيقياً ونموذجاً صارخاً على ما يمكن أنْ نسميه بدولة العدل والحق.. دولة الإنسان والكرامة الإنسانية.. دولة الحاكم (المواطن) الذي يعيش مثل عيشِ أي فرد وإنسان في دولته ومجتمعه..
فالإمام علي(ع) جاء إلى الحكم مكرهاً لا قابلاً، جاء زاهداً لا طالباً، أي لم يكن مهتماً بمغريات السّلطة ونعيمها، ولم تجذبه إغراءات المال والدنيا، بل زهد فيها حتى الرمق الأخير، وهو الذي قال فعلاً (لا خطاباً أو شعاراً): “يا دنيا غرّي غيري، إني طلقتك ثلاثاً..”.
ولأنه كانَ رجلَ مبادئ، أحاطتْ السلطة به، وجاءت إليه راجية طالبة، وطوقته رجالاتها من كل اتجاه دونما أنْ تؤثر على قيمه وقناعاته الفكرية والسياسية الراسخة القائمة على حكم القيمة، على منطق العدل كأساس للقيام بأعباء الحكم ومقتضيات السلطة على الناس.

نعم، أساس الحكم عنده(ع) هو أنْ تكون القيمة والمبدأ الأخلاقي هي قاعدة البناء السياسي والمجتمعي، في البيت والمجتمع والعمل، وخاصة على مستوى تحديد مسؤوليات الحكم في الدولة بكل مواقعها ومستوياتها.

لقد كانت قيمة الإمام علي(ع) في ذلك كله، أنه لم ينشغل بالسّلطة، ولم تكن هاجسه، ولم تشكل شيئاً له قيمة عنده، بل السلطة ورجالاتها هم من انشغلوا بهكما قلنا.. ولهذا نجح في بناء بعض مقدّمات دولة الإنسان، كدولة قادرة على العطاء والدوام والثبات.. ويمكن ملاحظة هذا من خلال أمرين اثنين:
1- النّظر والتّدقيق في عهده(عليه السلام) إلى واليه أو عامله على مصر، مالك الأشتر النخعي (وهو كان أحد قادة جنده الأوفياء والمخلصين).. فهذا العقد (ولا مجال للخوض فيه هنا، وإنما للإشارة إليه لمن أراد العودة) عقدٌسياسي اجتماعي مدني مبدئي رفيع، صاغه قبل “مونتسكيو” بمئات السنين.. وفيه الشيء الكثير من الفاعلية الفكرية والعقلانية العملية لبناء أسس الدولة العادلة والقوية والقادرة..
2- ما فعله مع فئة الخوارج، وهي الفئة الضّالة والمنحرفة، وصاحبة التفكير الجامد والحرفي الظاهري للدين، وهم أيضاً الذين تسببوا بقتله واستشهاده على يد أحد قادتهم وهو “عبد الرحمن ابن ملجم”.. حيث أنه(ع) لم يظلمهم أو يحاصر فكرهم رغم انحرافه ونقيضيّته مع الإسلام الحقيقي.. بل عاملهم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً كأفراد مواطنين مسلمين، لم يصادرهم ولم يمنعهم ولم يواجههم، بل سمح لهم بالدعوية الفكرية والاجتماعية وبالاجتماعات ورفع الشعارات (يعني بكل شؤون ومقتضيات العمل الحزبي)، تحت مظلة الدولة وقانونها، طالما أنهم لم يرفعوا سيفاً في وجه الدولة والمجتمع، ولم يرهبوا أفراده وأبناءه.. حيث أنهم كانوا يرفعون شعارات النقد له(عليه السلام) وللدولة التي هي بقيادته، ومن أوسع الأبواب.. كانوا يقولون ما يريدون قوله ضد الدولة وحاكمها، وبالمنطق الأجوف والمتبلد والمتكلس حتى بمناخ ذلك الزمان، ولكنه(ع) رغم ذلك كله،لم يقاتلهم ولم يستخدم العنف ضدهم، إلا عندما سلكوا طريق العنف والدم، وصادروا مواقع المجتمع والدولة التي هي ملك عام لكل الناس.
من هنا الفكرة (حيث أن الماضي لا يعود ولن يعود، وليس مطلوباً منه أن يعود وأن نعيده نحن بعد مئات السنين) وهي:
– أن الحكم لا يستقر ولا يدوم إلا بالعدل والحرية والتحقق الفعلي لكرامة الإنسان، وتقبُّل الحكم القائم للمشورة والنقد والمساءلة، مساءلة الحكم والحاكم وآليات الحكم وشخوصه ورموزه مهما علوا وارتفعوا وتساموا.. فهل هناك قدسية وسمو ورفعة أعلى من رئيس الدولة آنذاك الإمام علي(عليه السلام) الذي قبل بالنقد الذي وصل حدوداً ذاتية؟!!
– إن الحاكم ينبغي أنْ يُلْزَم (ويلتزم) قانونياً ودستورياً بأنْ يكون منشغلاً فقط بمصالح الناس، وتأمين عيشهم وأمنهم، ومتطلبات وجودهم وكل احتياجاتهم، وأنْ يضحي بالغالي والنفيس في سبيل ذلك، حتى بحياته، إحقاقاً للحق وتنفيذاً لمبدأ العدل بين الرعية والمواطنين.. أي أنْ يقدّمَ نموذجاً عملياً حقيقياً للقيم التي يتقوُّلها وينادي بها… لا أنْ يكون مجرد رجل شعارات وخطابات دونما وعي وتطبيق لها… وأنْ يمتلك أيضاً مواصفات ومزايا وأخلاقيات قيمية ذاتية من: التربية الصالحة والمنبت الأخلاقي، والوعي العقلاني، والرشد الفكري، والمسؤولية الحقيقية، والقلب الكبير، والصبر والمصابرة، وجمالية الخُلُق، والحُلم الكبير، وسعة الصدر، وتقبُّل الآخر، والتعايش مع المختلفين والأغيار.. وووالخ.

فهذا علي(ع) (على قدسيته وعظمته وعلة شأنه) كانَ رجلَ مبادئ وحقوق بالتطبيق لا بالشعارات.. كان ينفتح على كل من كان ينتقده برحابة صدر، ويتقبله بأريحية وابتسامة وجدية ومسؤولية الحاكم العادل في التنفيذ على نفسه قبل غيره.. فأين غيره منه(عليه السلام) وهو أمير المؤمنين، وابن عم الرسول الكريم(ص) وزوج ابنته ووالد السبطين الحسن والحسين(ع)… أين هؤلاء جميعاً منه؟!!…
لقد قدّمتْ تجربة علي في الحكم واقعاً سياسياً مميزاً للحاكم العادل، ورفض الحكم بالقوة والمزاج ورفض الآخر..
واليومُ –بطبيعة الحال- ليس مطلوباً لا نَقْل التجربة، ولا العيش فيها.. فهي ذهبت في غياهب الزمن، ومسؤوليات الناس فيه، ولن تعود كما سلف القول… وإنماالمطلوب:
الوقوف الإيجابي وأخذ العبر والدروس من تلك التجربة وهي من تجارب (تاريخنا الحضاري والثقافي الإسلامي، وليس من تجارب الآخرين الذين تُهنا فيهم، ونسينا كثيراً من جماليات تاريخنا)، والتأمل الموضوعي في فكرة المسؤولية والحق والواجب، والوقوف الواعي أمام معنى الحكم كرسالة لا كمهنة، وكمسؤولية لا كامتياز، وكتكليف قانوني، لا كتشريفٍ ذاتي أو تكريمٍ شخصي كما هو واقع وقائم اليوم للأسف.. وسمّيتْ المسؤوليةُ “تكليفاً” لأنها مسؤولية جسيمة وثقيلة وأمانة كبيرة (تنوءُ تحتها شامخات الجبال) ملقاة على عاتق حاملها، حتى يحققها وينفّذها أو يَتْرُك..!!..

شارك
المقال السابقالقطيعة التامة : مستقبلنا الذي لم نقرأه !! – ج٢
المقال التالىالصراع

نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد