الموصل بلد الخير …

 

ليس أمرا يسيرا في مدينة الأنبياء والأجداد والناس الطيبين والربيعين والتنوع الديني والإثني، ليس يسيرا الحديث عن الذكريات فهي تحمل في ثناياها كمّا هائلا من الأحاسيس والمشاعر والصور الجميلة التي ترسخ في الذاكرة.

وبرغم قسوة تقاليدها وعاداتها وعلاقات أبنائها ببعضهم البعض وجدية الدراسة والأمل بتحقيق الكثير من أحلام الحرية، لكنها تبقى مدينة عراقية تحمل جمال الروح العراقية ففي أحد صباحاتها وبينما كنت واقفة على مقربة من الشارع العام اندهشت لحركة أهلها الصباحية النشيطة على الجانب الآخر منه، فكل موصلي يحمل أنواعا من وجبات وماكؤلات الصباح الشهية واللذيذة الى أهله وأولاده قبل الذهاب الى المدرسة أوالعمل. حيث أن المحلات والدكاكين والمطاعم الموصلية تكون جاهزة صباحا لاستقبال زبائنها الكرام قبل ذهابهم ألى أنشطتهم. وبعدما وصلت الى محل عملي وأخبرتهم عن المنظر الجميل الذي شاهدته هذا الصباح لمدينتي العزيزة أشاد على ملاحظتي المدير قائلا:

بأنه يستمتع يوميا بالأجواء الشعبية الموصلية الرائعة التي تشعره بالدفء والحنان وعشق الموصلي لأرضه الطيبة المباركة، فمديرنا يسكن في أحد الأحياء الشعبية، وتحدث عن استمتاعه بأطباق المأكولات الشعبية الشتوية التي تباع على العربات مثل (المستوى) الشلغم والشوندر،(واللببي) الحمص المسلوق الحار، وأيضا الباقلاء المسلوقة.

هذه المدينة التي عشقها أهلها وأحبها كل من زارها من المحافظات وخصوصا العاصمة بغداد، والسياح والطلاب الوافدين الى جامعة الموصل، حتى أن أحد الفنانين العراقيين المعروفين أخبرني بأنهم كانوا مجموعة من الفنانين ينطلقون بسيارتهم عند منتصف الليل او بعدها بقليل الى الموصل لغرض تناول الباجة الموصلية الدسمة ومن ثم يعودوا الى بغداد، وكما هو معروف عراقيا أن أهل الموصل مشهورين بمطبخهم المتميز اللذيذ.

بالإضافة الى شهرة أهلها بالطبخ، يشتهر الموصليون بمحبتهم للعلم والدراسة والسعي للحصول على مستوى اجتماعي مرموق ومعروف في أنحاء المدينة التي توصف بأنها أكبر مدينة في العراق، لكنها تبقى صغيرة للأهلها المتحدين المتحابين فيما بينهم عبر الزمن، ومجرد الإشارة الى شخص معروف واحد في العائلة الموصلية المعينة يكفي ليكون واجهة متميزة لتلك العائلة حيث يستخدم الموصليون بكثرة مصطلح (بيت فلان) دلالة على مكانة وشهرة ذلك الشخص.

فكيف لمدينة محافظة على عاداتها وتقاليدها وسعيدة بأهلها الدؤبين والنشيطين وبطبيعتها الخلابة، أن تحتضن الشر والمجرمين والمتخلفين من مختلف بقاع المعمورة ؟

جوابا على هذا السؤال، أتذكر عندما كنت في سوريا التقيت بالصدفة بسيدة محترمة ومعها زوجها السوري وعندما علم زوجها بأني من العراق ومن الموصل تحديدا صرخ من مكانه وأشار بأصبعه ويقصد القسم لياخذ ثأر صدام حسين الرئيس السابق للعراق، وأنهم على استعداد لإرسال كل المتطوعين بدون علم الحكومة السورية لغرض القتال في العراق والجهاد حسبما يدعي، ولأن الموصل هي أقرب جغرافيا الى المناطق السورية المتشنجة بأفكارها وعاداتها كانت هي الضحية .

استغربت من عصبيته الشديدة لدرجة أن زوجته العراقية خفضت رأسها خجلا بابتسامة خافتة من أقوال زوجها العنيفة : بأنه لا توجد أية قوة، وحكومة تمنعهم من الأستمرار في المقاومة لأخذ ثأر الديكتاتور المتهور .

وبكل هدوء قلت له أنتم بأفعالكم هذه تقتلون أبناء مدينتي الموصل، وتنشرون الرعب والخراب في أحيائها وبيوتها، أنتم تقتلون الجنود العراقيين والأطباء والعلماء وكل من يفكر في مدينتي .

عندها خفض صوته كما انطفأ وهج بريق عينيه وتلعثم لسانه في الرد.

الآن وأنا في البلاد البعيدة متأسفة لما حل بمدينتي الموصل الطيبة الجميلة من انهيار ودمار لمعالمها الأثرية وتحطيم كل القيم والمعاني الانسانية فيها على أيدي مجموعة من المجرمين الأغبياء الغرباء.

2 تعليقات

  1. Avatar خالد القيسي

    سيدتي ..عشت في الموصل بسبب العمل وانا من بغداد سنتان ونصف غيرت لدي الكثير من المفاهيم السائدة بعكس ما يشاع عن كرم أهل الموصل وطبيتهم ويحبون الغريب وخاصة من بغداد..فعلا مدينة تحب العلم والمعالي ..لكني أستغرب من ادخال تطفل السوري في الثأر لمجرم جبان في الاشارة لمقالك ..وكل ماتعانيه شعوب المنطقة هي من افعاله الغبية النرجسية ..ثم لم تديني بشكل واضح ما فعله الدواعش بحضارة وناس الموصل ..والعتب الاشد على عدم ذكر التضحيات الجسام لابطال قواتنا المسلحة في رفع الغبار عن وجوه الموصليات وما حل بهن من مصائب وتطهير ارضهن من رجس داعش .

  2. Avatar نافع ناجي

    ملاحظة الاخ خالد مهمة جدا..لابد من الالتفات الى حجم اجرام ودناءة داعش..وحجم تضحيات الابطال في تحرير الموصل.

اترك رد