متى يصل العرب .. ل .. سن البلوغ


 

سؤال يحيرني و يربكني، و هو يشغل بالي دائما، متى تصل دولنا العربية إلى سن البلوغ، و تستقل برأيها و شأنها، و تغني نفسها و الآخرين مذلة العوز و الحاجة الدائمة للدعم و التشجيع و التمويل و الإستشارة و الشحاذة أو الشحاتة و الجدية و طلب الرأي و غالبا طلب الإذن و الموفقة، و أحيانا كثيرة طلب الحماية ..

نحن كأشخاص من جيل الخمسينات من القرن المنصرم، و عينا و كبرنا و بلغنا و تقربنا من سن الشيخوخة، و نحن ننتظر من بلادنا و قياداتنا العربية أن تواكبنا و لو بعض الشئ من حيث العمر و النضج و الوعي و الإدراك و العقل و العلم و الفهم، و الإعتماد على النفس و القدرة على العطاء ..

ننظر إلى حالنا العربي اليوم، و لسان حالنا يقول، ” إلى متي يبقى البعير على التل “، و لمن لا يعرف هذا التعبير، هو تعبير كان يستخدم في القراءة الخلدونية العربية للدراسة الإبتدائية في العراق، نعم، إلى متى يبقى هذا البعير على ذلك التل منتظرا العون من الآخرين، و الرحمة من رب العباد، بلا حول و لا قوة و لا إرادة و لا قدرة على الفعل أو رد الفعل ، و لا إتخاذ القرار، و ربما و لا حتى الجرأة على التفكير في الفعل و رد الفعل أو إتخاذ القرار ..

نطالع قادة العرب الواحد بعد الآخر، فنرى الأغلبية لا ينطبق عليهم الأسم، فلا هم بقادة، و لا هم بعرب، بمفهومنا الذي عرفناه للعربي الشجاع الهمام ..

ذاكرتنا و قراءاتنا و مطالعاتنا تسعفنا بالرجوع ربما إلي فترة الخمسينات، زمن الثورات في مصر و العراق، و إستمرارا إلى يومنا هذا، معظم البلاد العربية أو كلها حصلت علي إستقلالها من المستعمر بشكل ما، أو عاصرت ثورات فيها نفس الحرية و القومية العربية، و غير ذلك من مفاهيم جميلة ممتعة و مسرة للسامعين و الناظرين ..

خلال هذه السنوات الخمسين أو الستين، عاصرنا العديد من الحروب و المعارك، كانت في البداية مع العدو التقليدي، إسرائيل التي ولدنا و نشأنا و تربينا على كونها العدو التقليدي للعرب و المسلمين، و أنها هي التي إحتلت و إغتصبت أرض فلسطين، و شردت و هجرت شعب فلسطين

ما بين الداخل و الخارج ..

لكننا بمرور الزمن أنعم الله علينا ، و العياذ بالله، بعدو جديد أكثر شراسة و خباثة، ألا وهو الجار اللئيم النظام الفارسي المجوسي، و قضينا الأعوام الثلاثين أو تقريبا الأربعين عاما في نزاع طويل و حروب و معارك عديدة و متنوعة مع هذا الجار اللئيم الخبيث، و هو يستغل ركاكة و ضعف ما وصل إليه العرب، لينهي عليهم و على عناوين تاريخهم و كرامتهم و قوميتهم، شيئا فشيئا بتنا نتعرف أنواع جديدة من الإحتلال، إحتلال العراق الثنائي الأمريكي و الإيراني، و محاولات إحتلال و نزاعات إقليمية لا تقل شراسة في كل من سوريا و اليمن و لبنان و دول أخري في المنطقة، كلها عانت من التمدد و التمادي الإيراني الفارسي المجوسي خلال فترة الثلاثين أو الأربعين عاما الأخيرة ..

بلاد عربية أخرى حالها ليست أحسن حالا، ليبيا مثلا، كان مصيرها كحال العراق و سوريا تقريبا، تدمير و تقسيم و تدخلات خارجية أجنبية، من أوربية إلى عربية إلى أمريكية، و طبعا دائما نجد من يمثل الجماعات الإسلامية المتشددة، سواء أكانت داعش أو القاعدة أو غيرها، لأن ذلك سيكون الغطاء لأي عمليات أمنية أو عسكرية أو قصف أو قتل أو تدمير أو تهجير ..

مصر ليست أحسن حالا، فالأوضاع هناك تغلي تحت صفيح ساخن منذ حوالي الخمس سنوات، و لا أحد يعرف كيف ستنتهي بها الحال، و خوفنا و قلقنا على أكبر البلاد العربية أن يحذو حذو العراق أو سوريا أو ليبيا بشكل ما، المشكلة أنه لم يعد هناك أي مجال لمزيد من المهجرين و اللاجئين في أي مكان في العالم، بعد أن وصل الحال لحد الإشباع خلال العقدين أو الثلاثة الماضية ..؟؟!!

من ينظر إلى هذه الأوضاع، قد يصل إلى قناعة أن الأوضاع في الخليج العربي و المغرب العربي ربما أحسن حالا من غيرها من البلاد العربية، لكن في المغرب العربي كانت تونس هي السباقة في ما يسمونه بالربيع العربي، و رئيسها السابق بن علي لا زال لاجئا في السعودية هو و عائلته، و هي الآن في وضع مستقر نوعا ما، ربما أفضل من غيرها من بلاد المشرق العربي ..

ليبيا كما أسلفنا لا زالت تعاني بعد مقتل رئيسها القذافي، و سيطرة أطماع عربية متمثلة بمصر و الإمارات، و أطماع أوربية، متمثلة بفرنسا و إيطاليا، و أطماع أمريكية و إسرائيلية، كلها تعمل على بقاء البلد مهدما منقسما بغير نظام و لا حكومة رسمية قوية موحدة، كحال الصومال القريبة تقريبا، و لو بشكل آخر ..

الجزائر لا زالت في غرفة الإنعاش مع رئيسها المتهالك المسن المريض جدا بوتفليقة، الذي أضاع تاريخه السياسي القومي العريق بأطماع بقائه في السلطة حتى آخر لحظة في حياته، رغم أنه أعلن عدة مرات عن موته، و هناك من يشكك في كونه لا زال على قيد الحياة، كل هذا أدى أن يكون البلد العربي الغني القوي العريق الجزائر في خبر كان، حتي يعلن عن وفاة بوتفليقة و نجد من هو الخليفة و ما هي توجهاته، و إن كان سيتمكن من الحفاظ على وحدة و قوة و عراقة الجزائر أم لا ..

الخليج العربي حالة مختلفة، فعلى الرغم من الثروات الهائلة التي توفرت لهذه الدول خلال الخمسين أو الستين عاما الماضية، و خاصة في فترات إرتفاع أسعار النفط الخيالية مؤخرا، لكنهم جميعا لم يتمكنوا من خلق نظم إقتصادية و سياسية و إجتماعية و إدارية قوية و مستقلة و متميزة تتناسب مع هذه الثروات، و كانوا فعلا و بشكل ما أدوات بيد قوى عظمى، و بالذات بريطانيا و أميركا في تنفيذ و تمويل و تغطية نشاطات و عمليات و فعاليات عسكرية و أمنية و مخابراتية في العديد من دول العالم، من العراق إلى سوريا إلى ليبيا إلى مصر إلى أفغانستان إلى اليمن و غيرها ..

و اليوم تجد هذه الدول أن وضعها المادي و المالي و الإقتصادي و السياسي الداخلي و الخارجي صعب جدا بعد أن أضاعت فرص عديدة للنمو و التطور و التقدم، حتى الإمارات التي تمكن الشيخ زايد رحمه الله أن يجعل منها نموذجا يحتذى به، وجدت نفسها ضائعة في خضم العديد من النزاعات الإقليمية و الدولية التي إنزلقت إليها بدافع خلق موقع قدم متميز لها في العالم السياسي الجديد، لكن ذلك برأيي إنعكس سلبا عليها ، و لا ندري إن كانت ستتمكن من معالجة هذا الخلل أم لا ..

أما إذا إنتقلنا إلى التجمعات العربية و الإسلامية المحلية و الإقليمية، فحالها لا يختلف كثيرا عن حال بلادنا العربية، فمجلس التعاون الخليجي كيان يجمع عددا من الدول كنا نفترض أنهم الأكثر تناسقا و تقاربا في عالمنا العربي جغرافيا و لغويا و دينيا و سياسيا و إقتصاديا، لكننا في الأونة الأخيرة إكتشفنا أنهم في السياسة و الإقتصاد مختلفين لدرجات تصل أحيانيا إلى ١٨٠ درجة، و أن هذا الكيان بات ربما عالة على بعض الدول الخليجية، فلا هو موجود و لا هو مفقود، ربما يعمل بروتوكوليا و في المناسبات السارة و المحزنة فقط ..

الجامعة العربية حالها كحال مجلس التعاون، بل هي على الأغلب أسوأ كثيرا، خاصة في الفترات الأخيرة بعد تسلم نبيل العربي و أخيرا أحمد أبو الغيط، فهم في حال و كأنما يحضرون لإعلان وفاة هذا الكيان الذي ولد مريضا و ناقص الأهلية، و لم نر له أي نشاط أو فاعلية تذكر خاصة منذ أزمة إحتلال العراق للكويت، حيث فشلت الجامعة في لم الشمل العربي و في التعامل مع هذه المشكلة، بل أن كثيرا من التقارير تؤكد أن للجامعة و رئاستها و قيادة دولة مصر التي تحتضن موقع الجامعة الدور الكبير لما وصل إليه العراق و المنطقة و حتى اليوم ..

لا نريد أن نستمر في تفاصيل أمراض و مشاكل و معوقات كل بلادنا العربية، و ما ذكرناه كان مجرد نماذج لندعم تساولنا، متى يبلغ عالمنا العربي مرحلة الرشد، متى يصل سن البلوغ، ليكون مستقلا قادرا على إدارة شؤونه بنفسه، لا أن يركض أو يزحف على الأغلب لإستجداء الدعم و المعونة و المساعدة من أميركا أو بريطانيا أو روسيا أو الصين أو ربما حتى من مالطا، عند أية مشكلة أو معضلة يواجهها، سواء كانت مع إيران أو تركيا أو إسرائيل، و هذه هي الدول الأقوى التي قدر الله أن تحيط بعالمنا العربي و أن تستغل نقاط ضعفه بأشكال شتى، منذ القدم و حتى اليوم ..

إلى متى يبقى البعير على التل، نعم إلى متى .. ؟؟

متى يبلغ عالمنا العربي مرحلة النضج و البلوغ .. ؟؟

لا أدري ، لكن برأي كثيرين أن العالم العربي اليوم، رسميا و شعبيا و ثقافيا و إقتصاديا و سياسيا، إنما يتحضر ليدخل مرحلة الشيخوخة و الكهولة إن لم يكن قد دخلها فعلا، و من ثم الإحتضار و الموت ربما، قافزا و متجاوزا مرحلة النضوج و البلوغ، هذا ما أراه و ما يراه كثيرون غيري للأسف ..

و .. رحم الله إمرئ عرف قدر نفسه .. ؟؟ !!

1 تعليقك

  1. لافض فوك استاذ غسان على هذا المقال او اقول انه تحليل صحيح جدا لواقع أليم , واكثر ما اثار اعجابي انك قلت حقيقة دقيقة جدا جدا قد لايعرفها الكثير او لايعيها , وهي (قافزا ومتجاوزا مرحلة النضوج و البلوغ) وهذا يعني انه لم ولن ينضح .

اترك رد