وليمة


 
(لوحة للفنان ميسر القاضلي )

الوضع رهيب ، والقسوة بالغة الفظاظة ، لقد أرعبني وقلب قنا عاتي ، لم أكن أحسب أن الإنسان ، المخلوق العاطفي الرقيق ، يمكن أن يقدم ، وبملء إرادته ، على عمل تقشعر لهوله الأبدان ، ومن قام بهذا العمل الرديء والآثم ؟ انه ولدي ، الابن العاق الذي ربيته يوما بعد يوم ، سهرت على راحته ورعايته ساعة بعد ساعة ، قام هذا الابن بطعني وبأعصاب باردة ، وبدون أي شعور بالتردد

هالني ما أقدم عليه ولدي ذاك ، لم أمنحه العلم فحسب ، بل غرست في نفسه المباديء السامية والعواطف المرهفة ، لكن الذي أثار فزعي ، وولد حزنا بالغا في نفسي أن المشاعر الرقيقة التي غرستها في نفس ابني لم تثمر ، وأن الشجرة التي تعهدتها بالعناية والسقاية والاهتمام ، قد ماتت قبل أن تورق أغصانها ، أحاول أن أخبيء حزني وأستر لوعتي وخيبة أملي ، وأنا أجد ولدي العائد توا من السفر يقدم على قتل حبيباتي ، حمائم جميلة رقيقة ، زاهية الألوان ، كانت تملأ علي المنزل سرورا وتبدد شعوري بالوحشة ، وتقلل من إحساسي بالوحدة وذلك الهاجس الذي ما انفك يلازمني بأنني مخلوق غير مرغوب فيه ، قد أنهكته السنون وابتعد عنه الأصحاب والأحباب ، وفارقته شريكة العمر إلى الرفيق الأعلى ، فلم يبال ولده الوحيد بآلامه وأوجاعه ولم يكلف نفسه أن يطمئن على أحواله أو يستفسر عن أموره ، كل ما كان يطلبه أن تصل إليه الحوالة المالية مطلع كل شهر ، ولم يكن يدري كيف أتمكن من تهيأة المال المطلوب وأنا المتقاعد العجوز العاطل عن العمل ،وما شأنه هو ؟ كل همه الحصول على المال لا غير ، لقد فرحت بقدومه ، وحدثت نفسي بأن متاعبي سوف تزول وأن شعوري المؤلم بالوحدة والغربة لن يستمر إلى الأبد ، وسأودعه إلى غير رجعة

ما إن وصل ولدي إلى بيتي ، وقبل أن يريح نفسه من وعثاء السفر كما يقولون أعجب بحماماتي

* ما أجمل هذه الحمامات يا أبي ، إنها بمنتهى الروعة ، ألوانها بديعة بين الأبيض والسماوي والرمادي

* إنهن صديقاتي بابني

* كيف استطعت أن تجمع هذا العدد ، وبمثل هذا الجمال ؟

حدثت ولدي عن بناتي ، وأنني أجد سعادتي قربهن ، وأنهن متلهفات على صحبتي ، لا يظهرن مللا من وجودي مهما استطال هذا الوجود ، لقد اعتدن على الترحيب برؤيتي في الصباح ، ما أن أغادر سريري ، حتى أهرع إلى الفناء ، وأجدهن أمامي مرحبات باشات يرفرفن فرحا وطربا ، ويعزفن بأجنحتهن سرورا ويطرن قريبا مني ابتهاجا ، وأنا مستبشر أشكر الله على نعمه الجليلة وأسأله أن يديمها علي ، فأنا وحيد في هذه الدنيا وحماماتي مصدر هنائي وسر بهجتي

عندما وصل ولدي وسألني عنهن ، أطلت الحديث عن مزاياهن ، وعن الخصائص التي تتمتع بها كل واحدة منهن ، وكنت أحسب أن ولدي سيشاركني اهتمامي ، ولكن الذي أثار نقمتي وبدد فرحي أنه أراد أن يقتلهن وأمامي

* لكنها قسوة بابني ،كيف تذبح هذه الطيور الوديعة من أجل أن تقيم وليمة لأصدقائك ؟ يمكننا أن نشتري اللحم من كل الأنواع

* إني أريد هذه الحمامات ، لقد وعدت أصدقائي أن أقدم لهم حماما محشوا في وجبة الغداء

اقترحت على ابني أن يشتري ما شاء من الحمام وأن يذبحه لوجبة المدعوين ، لكنه أبى إلا حماماتي

لم أكن أظن أن الولد إذا كبر وشب وبلغ مبلغ الرجال يقضي على حياة أبيه ، ويئد شعوره بالسعادة ، وكثيرا ما حدثني بعضهم عن عقوق الأبناء ، فلم يكن بمقدوري أن أحسب أن ولدي سيكون ضمنت هؤلاء الأبناء العاقين ، كنت أظن أنه سيرحم عجزي ويعطف على شيخوختي ، فيبقي على حماماتي ، فهن انسي وفرحي

أخذ يمسك الواحدة منهن وهي وادعة مستسلمة تتكيء على كتفي ، أو تقف على رأسي او تلقط الحب من يدي ويربطها بيديه ، وهي تنظر الي بعتب تود أن تصرخ وتعلن عن احتجاجها وثورتها ، لكن يدي ولدي قويتان ، الدموع تسيل من عيون حماماتي ، وأنا واقف لاأستطيع أن أقدم لها نجدتي وانقذها من براثن هذا الابن القاسي ذي القلب المتحجر ….. والدموع كانت تسير مني مدراراعلى وجنتي ، وتصل الى فمي ، كنت أحاول جاهدا أن لا يرى ولدي دموعي ، فمن يدريني ؟ قد يتهمني بالجبن والخنوع ، لم أستطع أن أنظر إلى حماماتي الحبيبات وهن يذبحن ، بل كنت أبعد عيني إلى الجهة الأخرى ، وبقيت مسلوب الإرادة أمني النفس إن لا يبيد ولدي كل حماماتي ، حتى أتى على آخر حمامة ، فقمت بمغادرة الفناء إلى غرفة نومي ، بقيت حزينا أفكر بالمصير المأساوي لحماماتي وكيف إنني مخلوق ضعيف لم يستطع دفاعا عن بناته الضعيفات ، وأنني غير جدير بالحياة ، فكم تكلمت عن الشجاعة وعن حرية تقرير المصير ، وإذا بي أكتشف أنني رعديد وجبان ، وأنني عاجز عن حماية من يأويه منزلي ،وبقيت أشعر بالضعف والهوان ، حتى قررت أن أبدأ من جديد وأشتري زوجا من الحمام ، آتي به إلى بيتي ، ليشاركني حياتي ويبدد شعوري بالوحدة……

لا تعليقات

اترك رد