نشوة التكبير


 

لطالما استوقفت امام إصدارات تنظيم البغدادي الإعلامية، ولاسيما الإصدارات، التي يظهر فيها واقع السكان المدنيين تحت ادارته وسيطرته، حيث أجدني اتمعن في سلوكيات اولئك المدنيين، وأكثر في ملاحظة سلوكيات وخطابات عناصر التنظيم معهم.
وبالتحديد في مناسبات وطقوس إقامة الحدود والمحاكم الشرعية، تلاحظ هناك نوع من الهستيريا تخيم على عناصر التنظيم عند إقامتهم الحد-العقوبة- على شخص ما سواء بالقتل او الجلد، حسب نوع العقوبة والحكم.

حيث تجد جلادي التنظيم وعناصره في حفلة اقام الحكم, بحالة من الفرحة الصاخبة والسعادة المملؤه بالغبطة والسرور مع مشاعر من الحقد والشراسة، مكونة حالة نفسية وسلوك مبهم متناقض يعبرون عنه دائما بصيحات التكبير، لكن الاكيد ليست مشاعر طبيعية أو على الأقل مناسبة لهكذا مناسبة، الهدف منها إقامة عدل وصيانة مجتمع،او حتى تليق باصول المحاكم الإسلامية الشرعية، التي كانت واقعا طيلة عدة قرون، ما السبب اذن؟

ولماذا يحرص التنظيم على الاستعراض والتباهي المبالغ به في مسألة إقامة الحدود، والمحاكم الشرعية، التي هي بشكل او باخر فرع من أصول اكثر شمولية في الاسلام!

وما سر هذه الحالة النفسية أو الهستيريا التي تخيم في صفوف عناصره في هكذا مناسبات واخرى، مع أسئلة اخرى نحاول التفلسف والبحث للوصول الى اجابة عنها:

إن الإجابة على هذه الاسئلة او الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع والسلوك، يمكن إيجازها بعنوان “مثلث النشوة” نبدا مع الضلع الاول، الذي يعتبر السبب الرئيسي والتراكمي للاضلاع الاخرى، يعود سببه ونشوؤه هذا الضلع؛ نتيجة سياسات الأنظمة العربية العلمانية الحاكمة وقراراتها اتجاه الواقع الاسلامي في تلك البلدان، ولاسيما ما قبل الربيع العربي، من تضييق على حرية العبادة، وفرض قوانين تعارض وتمس التعاليم الدينية، الى سلوكيات قاسية اتجاه علماء وناشطي الاديان، أدى هذا التعامل والسياسة من قبل الأنظمة الى تجذر روح الانتقام والشعور بالاضطهاد والقسوة في صفوف الشباب الملتزم، ولهذا لو بحثنا في خلفية اشد المصابين بنشوة التكبير من عناصر التنظيم، لوجدنا اغلبهم من بلدان ذات حكم علماني لاديني سلبي على سبيل الذكر من تونس جزائر الخ، بعبارة مختصرة أن الاضطهاد والتضيق من قبل الأنظمة الحاكمة هو سبب رئيسي في ولادة هذه الهستيريا.

اما الضلع الثاني-عزلة المضطهد- كما معلوم ان الشعور المرء بالاضطهاد والاقصاء امر له تأثير بالغ على سلوك الانسان وتعامله ويستمر فترات طويلة الامد، مخلفا واقع يختلف جذريا عما كان، وهذا ما يتفق مع قول علم النفس ويحذر من عواقبه.
حيث عند عزلة الملتزم وانكبابه على الكتب الدينية يبدأ بالتعامل معها وفق سيكولوجية مضطهدة،محرفا ومفسرا وفق ما يلامس جروحه من قبل هذه الانظمة سواء كان بقصد واعي او خلافه، حتى يخرج بجملة من الفتاوى والابداعات بتأويلات يحتار الشيطان في عمق سفسطتها، فضلا عن استمرار قراءته بهذه الحالة النفسية وتعامله مع النص الديني، حيث يتصور على سبيل الذكر تطبيق الحدود او الحكم الاسلامي الخ من التعاليم الدينية الممنوعة، انها ستحول الواقع الى جنة من جنان السماء، او كفيلة بولادة معجزة والإشكالية تزادد تعقيد عند اجتماع مجموعة مضطهدة من هؤلاء؛ فالحماس وروح الثأر في صدورهم تكون بالغة الذروة, ولنا في عمليات التنظيمات الإسلامية في بلدان ذات حكم لاديني علماني وشراستها واقعا.

اما الضلع الاخير -فقدان الهوية- اذ أن روح التغريب المفروضة من قبل الأنظمة الحاكمة وخلع الروح الإسلامية، واستبدالها بواقع علماني لاديني, ادى ذلك إلى إثارة نوع من عقدة الهوية، فتجد هذا العنصر من عناصر التنظيم محاولا تحويل والاستمتاع بكل شيء الى اسلامي، او بعبارة ادق تحويل وملئه باكسسوارات اسلامية من ارتدائه الزي التقليدي والحديث بالفصحى وتعلم الخطابة الخ!
لعل قبل الختام نشير إلى مفارقة، وإجابة لاحد الأسئلة المطروحه، وهي عند اصدار التنظيم، مقطع دعائي يظهر فيه إقامة الحدود، من رجم زانية، او قطع يد سارق، اذ في هذا الحين الذي يتلهف كتاكيت التنوير الى الانتقاد والثرثرة عن هذه السلوكيات، نجد التنظيم قد جند العشرات من الشباب المتواجدين تحت حكم تلك الأنظمة، فالمتلقي في نظام علماني سلبي, يكون ضعيف الصمود أمام هذه المغريات، التي يعتبرها حلمه في الوجود، وجنته التي يحلم بها، في حين أنها شكل من أشكال الجحيم، من براميل متفجرة ومدافع من كل حدب!

ختاما، بهذا العرض نستطيع القول بان “نشوة التكبير” ستظل واقعا سواء بزوال داعش او بغيره، مادامت اضلع المثلث قائمة، من ظلم واضطهاد وتضييق على حرية الدين والبطش برموزه، اذ لافرق بين علماني يفرض علمنته و بين داعشي يفرض شرعه كلامها ذات الواقع, مخلفين جيوش مضطهدة تنفجر عليهم يوما ما.

لا تعليقات

اترك رد