غريبتي و مذاق الرؤى في مهجتي


 

صباحك مسك الملوك و عنبر السلاطين ;;صباحك سموق و رطب أفانين;; يا أغرب من عرفت …
أنيستي في صباح كهذا الصباح;; إثر فجر سكتت فيه شهرزاد عن الحديث المباح ;;و ختمت سهرة من سهرات الليالي الألف و ألف الملاح ..أبثّك حنينا يراودني و شوقا يؤرّق عيني ;;
فضنيني بعيد عن نظري و فرقته تلسعني و تكويني ;; كما بثثتني ذات مساء لظى به حشاك تسعّر;; على ذكر ابن الفارض أبّان اشراقة من اشراقات الصوفية… و انطلقت تنشدين بيته المشهور;; ذاك الإمام;; إمام العاشقين و هو يناجي ربه تحت وطأة حب مفرط محير :
“و لقد خلوت مع الحبيب و بيننا *****سرّ أرقّ من النّسيم إذا سرى
و أباح طرفي نظرة أمّلتها *****فغدوت معروفا و كنت منكرا
فدهشت بين جماله و جلاله *****و غدا لسان الحال عنّي مخبرا
شقيقتان نحن يا غريبة و أختان نأى الدّهر بالواحدة منّا عن الأخرى مسافة و وضعا ليصلنا بخيط السرّ خيط الحياة اللاّمرئي لأنّ مشغلنا واحد و هواجسنا هي نفسها مع اختلاف طفيف في التفاصيل …غائبك حبيب و غائبي حبيب و إن كان حبيبك عاشقك فحبيبي فلذة من كبدي يفوق العشّاق حلولا في كياني ..أنا أمّه و أخته و رفيقته و صديقته و كلّ ما له في الوجود داخل و خارج ممكنات الوجود ….آه يا مؤنستي من غربة ظالمة على منوال يا منقذتي من ظلال مبين ..أتعلمين علم الحسم الذي ليس بعده يقين ؟! لقد بلغت مرحلة الرؤية الفارضيّة و بتّ أراه في يقظته و منامه في حلّه و ترحاله في بشره و تقطيبته في يسره و عسره و أصبحت أخاف الرؤية أكثر من الرؤيا نفسها ..فقد استحوذت عليّ و تمكّنت منّي و اختزلت جام مكامني بين دفّتيه حتّى أنّي ما فتئت أعوم في بحورها و أسبح في ثناياها في عرض محيط لا يمتّ ليمّ البشر حيث موانئي غير الموانئ و مرافئي تختلف عن معهود المرافئ …
في رؤيتي يا غريبتي الإلف أعيش جارته و أشرب شربته و أتقوّت كسرته و أشمّ زكيّ عطره …أرقيه المعوذتين و أردّد بصوت يرنّ كهاتف من السّماء يذرع سحاب الكون سورة ياسين و ما أدراك ما سورة ياسين و أجلجل آيات سورة الكهف و البقرة و الفاتحة و كل ّ ما يدثّرني من ذكر الله العزيز .و بهذا فقط تغلّبت على شوقي و خوفي و استبدلت بهما أنسا و راحة لا مردّ لسعتهما و جميل أثرهما …هنا في رؤيتي أحتضن غائبي و أقبّل رأسه و أحتوي بعده قربا و أسوّي ذهابه إيّابا كما اتّفق لي و عنّ له فؤادي ..أراقبه و أحميه و عنه أذود و بي يلوذ كلّما احتاج مني لوذا و همّة و دفاعا ..أمسّح على شعره و بيدي أغمر كتفيه و أدسّ أصابعي في كفّيه و نسير معا في الشّوارع الفسيحة بين الوجوه الغريبة و نحن في عجقة الأرض ..تلك الأرض الباردة كأجمل رفيقين أمّ حنون و ابن بارّ في ملكوت الله الجبار مسنودين برعيه و رضاه محكومين بحبّه و سناه ..
أيّتها الغريبة الأنيسة تعالي نرتوي أنا و أنت من حوض ماء الحقيقة بعيدا عن زيف الحياة و خلّب سحر بمذاق زيف الممات .

لا تعليقات

اترك رد