الخروج من دائرة الإرهاب لا يمثل الإسلام

 

لماذا يتصدر الإسلام اليوم المشهد السياسي والإجتماعي، سواء في الداخل الإسلامي أو في الخارج الغربي؟!.. ولماذا ايضا الي اليوم نسمع عن الجهاد والفتوحات الاسلامية، ومصطلحات السبايا والرجم وقطع الأيادي والرؤوس وغيرها من الأدبيات الاسلامية الموغلة بالقدم؟!..فهل هناك علاقة حقيقية بين الإسلام والعنف؟؟ وهل يمثل صعود الجهاد الإسلامي ذروة سقوط الإسلام من جهة أخرى؟.

في الواقع، هناك العديد من التفسيرات لهذه الظاهرة، وقد اهتم بها المؤرخون والمفكرون وعلماء السياسة عبر العصور واجتهدوا في تقديم الأسباب والعوامل التي تفسر موت الأمم من زوايا الدين وطغيان الايمان وذلك لوضع العلاج والتصورات الأساسية لنهضة الأمم والمجتمعات. ولعل أشدها واقعية التفسير الذي يقول ان ظهور واستعلاء التطرف الإسلامي والهيمنة الدينية لفترات طويلة في أي مجتمع ما هو الا إيذانا بنهاية تلك العقيدة وذلك المجتمع، ولا تكون نهاية العقائد معنويا فهذا نختلف معه تماما، ولكن ستكون نهايتها ماديا برفض وتقلص وربما زوال تمظهراتها العنفية والمتوحشة ومنها الجهادية. فالجهاد الإسلامي المعروف اليوم باسم الإرهاب الإسلامي ما هو الا النفس الأخير لمرحلة الإسلام السياسي بعد ان ارتفع عنه الغطاء وبعد مكوث زعماء الإسلام سنينا طويلة في السراديب والأقبية الي ان خرجوا منها بعد ثورات الربيع العربي، فمنهم من اتجه الي العمل السياسي وفشل في اقامة مدينته الفاضلة ومنهم من نتعايش معهم اليوم في ترؤسهم لتيارات الجهاد والعنف كداعش وغيرها، بما يمثلونه من أعلى السلوك الايماني المقدس والقريب من الله. وبالتالي فإن هذا المخاض الجهادي اليوم عبارة عن موت الرجل المريض الذي ظل يحلم طويلا بالخلافة الإسلامية ولكنه اصطدم بصعوبة تحقيقها لاختلاف الزمان والمكان والأخلاق والبشر، فأصبح غاضبا يتطاير الشرر من عينيه ليتصرف بشكل طفولي لمحاولة رفض الأمر الواقع. وبالتأكيد سندفع او بالأحرى دفعنا ثمنا باهظا لهذه التصرفات الطائشة في مجتمعاتنا بتحولها الي ساحات للتصفيات المذهبية والعرقية وربما تفضي الي تقسيم المنطقة العربية عرقيا واثنيا.

الإسلام اليوم أمام أزمة حقيقية بل ومصيرية يترتب عليها الكثير من عمليات الإصلاح والتقدم .. فإن لم نواجه علاقة الإرهاب بالإسلام، وعلاقة صحيحي البخاري ومسلم بالإسلام، وعلاقة التراث الديني كله بالإسلام. فسوف يصبح القرآن او الأحاديث النبوية متهمين رئيسيين في تفعيل العنف وفي تغذية الكراهية والأسوأ في الارتكاز عليهما للقيام بالعمليات الإرهابية ضد الآخر المختلف، سواء كان من غير المذهب المتبع او كان من رعايا الغرب او داخل الدول الغربية فلكل نص تأويل شرعي واجتهاد فقهي لا يخرج صاحبه من الملة بل له الأجر فيما اجتهد لخدمة الدين ونشر الإسلام.

وحتى نخرج فعلا من دائرة ان الإرهاب الإسلامي اليوم لا يمثل الإسلام علينا حلحلة قضايا كثيرة لها علاقة مباشرة بالعنف الإسلامي الممارس بشدة ضمن التاريخ الاسلامي القديم او ضمن ممارسة التيارات الاسلامية الراديكالية الحالية، مثل الحدود البدنية والمعنوية، الولاء والبراء، تغيير المنكر، الإسلام او الجزية او القتال، المساواة وحقوق الانسان، الحريات الفردية، المرأة وتربية الأطفال، علاقة الإسلام بالآخر المختلف.

فاعتبار أن الإسلام لا يمثله أحد اليوم او ان تطبيقات الإسلام الحالية خاطئة او ان هناك فهوما متعددة للإسلام يجانبها الصواب، إنما هي عبارات وجمل خاطئة تهدف الي تبرئة الإسلام من أفعال نصوصه وتراثه.. فالإسلام اليوم هو ما نتعايش معه وهو ما تمارسه التيارات الإسلامية الجهادية او التقليدية وهو ما جاء به النبي محمد منذ أكثر من 1400 سنة وسوف يستمر الي مالا نهاية بصورته الحالية الا إذا استوعب العرب والمسلمين حاجتهم الشديدة الي قيام عمليات الإصلاح والتجديد والإلغاء لبعض النصوص والأحاديث وبناء اسلام متصالح مع الانسان ومع الآخر المختلف ومع العالم ليعيش في المعبد فقط.

ومن جانب آخر، كان للإسلام علاقة جدا مترابطة مع التغيرات الدراماتيكية في المشهد العربي مؤخرا، وهو ما يعطي أدلة ومؤشرات على تغير علاقات الإنتاج

المجتمعية بشكل دائم وإن كان بطيء نوعا ما. فقد شهد النظام الإقليمي العربي بعد الثورات مرحلة جديدة، وضعت مستقبل المنطقة على المحك إن لم يكن العالم كله. وهذه التغيرات اتسمت بالطابع العنفي الإسلامي بعد عقود طويلة من استبداد الانظمة العربية وقمع حريات الانسان، وقد توافق مع صعود الإسلام اليوم بشكله القديم مشاهد العنف وعدم القدرة على تحقيق التوافق الداخلي، والعجز عن الإمساك باللحظة التاريخية التي تسفر عن تغيير سياسي واجتماعي شامل لغياب المشروع الحداثي المواجه للإسلام.

ومع مشاهد التجزئة والتفكك وتبديل الأنظمة، يبرز العجز عن إدارة الدول العربية أو إعادة بناء الأمة، فظهرت التيارات الجهادية لتقود المرحلة، مرحلة الصدام مع الحداثة والآخر المختلف والغرب المتفوق.

فهل بعد هذه الفورة الدينية وانفجار المكبوت الديني دورة أخرى ليسقط المشروع الإسلامي كما سقطت عدة قوميات وأيديولوجيات أخرى. هنا لزاما علينا أن نرى دورة الأفكار فلسفيا ومدى قدرتها على مواجهة التحديات والبناء أو اخفاقها عولميا وحداثيا.

يعتمد تقلص التيارات الإسلامية عامة والجهادية خاصة على المسارات التي سيأخذها التحول السياسي والاجتماعي الجاري في النظم العربية بعد الثورات وبعد انتخاب ترامب وصعود اليمين في الغرب، وأيضا على الفترة التي تأخذها حقبة عدم الاستقرار السياسي، وهل تتمكن دولنا العربية من الانتقال إلى الديمقراطية والعلمانية؟ وهل شروط وقواعد الانتقال الديمقراطي متوافرة في ظل صراعات الاستقطاب الحادة بين الإسلاميين والعلمانيين؟ وإلى أي حد سينعكس التغير في أنظمة الحكم الجديدة على أداء النظام العربي وخصوصا في قضايا الحريات والمرأة وحقوق الانسان وتزايد موجة الإلحاد والعلمنة الفكرية، وطبيعة العلاقات بين الدول العربية والدول الغربية، ودور المؤسسات العربية في إدارة هذه العلاقات، وفشل المناهج التعليمية العربية في صنع المواطنة وانكفائها على الدين والتراث..وغيرها

من الأمور الأساسية التي تمثل التحديات الكبرى في مواجهة التغول الجهادي واستفراده بالساحة السياسية وتشكيل نمط الشرق الأوسط الجديد.

ويكون المشهد اشد قتامة حين يصبح تطبيق العلمانية او فرضها في مجتمعاتنا أمرا ليس سهلا، فهو يتطلب شروط وعوامل مسبقة. فلا يمكن ان نركز على العلمانية كمنظومة متكاملة نريد تطبيقها في مجتمعاتنا العربية دون ان نفهم أن العلمانية واقع حداثي، أي يتطور تدريجياً منذ عشرات السنين، في كل مناحي الحياة، وهو، بموازاة العلمانية السياسية، يضع المجتمعات على طريق التقدم والسلم الاجتماعي. وهو ما نفتقده في مجتمعاتنا أمام هيمنة الإسلام.

فعلمنة الواقع الاجتماعي في البداية، هي من تقود وتفرض التغيرات العلمانية، بمعنى أن توجهات المجتمع العلمانية لا يمكن ان تصب في خانة توليد التوجهات الدينية في المدارس والجامعات، بل سوف يتقلص التوجه الي كليات الشريعة والفقه مقابل التوجه الي التخصصات العلمية والفلسفية والصناعية. كما وأن علمنة المجتمع تستدعي إلغاء تدريس الدين بصورة اجبارية في مؤسسات التعليم ليكون فقط خيارا فرديا. فمجتمعاتنا ولأنها دينية التوجه فإنها بالتالي تصنع وتخلق الامتداد الديني في مؤسسات الدولة، فلا يمكن ان تنجب نساؤنا فولتير وجون لوك وسارتر وهيغل طالما ان ثقافتنا متشددة دينيا وتمنع الفلسفة والحريات. وطالما أن علاقات الانتاج الاقتصادية والفكرية مازالت علاقات ريعية استهلاكية فإنها بالتالي لن تنجب سوى نسخ الصحابة والتابعين والاموات في التاريخ الإسلامي.

إن الأمل الوحيد في تحرر الانسان العربي، وفي قيام دول علمانية في المنطقة العربية يبدأ من العقل الحر، والخروج من القصور العقلي لبلوغ الرشد الفكري كما قال كانط. فهذا هو المدخل الصحيح للتخلص من التأخر والتبعية السياسية والاقتصادية. ويقتضي ذلك تغييراً جذرياً ونقداً عميقاً وواعياً ومخلصاً للمفاهيم والأديان والقيم والسلوكيات والسياسات السائدة في مجتمعاتنا.

1 تعليقك

  1. احسنتم اخي الاستاذ عبد العزيز ..تشخيص سليم لواقع المسلمين ومعالجات راقية .لقد سكت العالم عن نصوص الغزو والسبي والتكفير طيلة هذه القرون كونها كانت نائمة داخل بطون كتب التراث والصحاح والتي لم يطلع عليها معظم المسلمين فضلا عن العالم الغربي وشعوب الاديان الاخرى الا نفر ضئيل من المستشرقين ، اما وقد تم تحويل تلك النصوص الى واقع عملي قادته المؤسسة الوهابية في السعودية تمويلا وتسليحا واعلاما ومطبوعات وارسال شيوخ بالتعاون مع المخابرات الاميركية والاسرائيلية والتركية من خلال نشر ثقافة الذبح والغزو والتهجير والتكفير في شعوب البلدان الفقيرة والمتخلفة وصرف المليارات على تنفيذ هذا البرنامج وابرز مظاهره في حركة طالبان والقاعدة وبوكو حرام وابو سياف وداعش ومشتقاتها ونظائرها ..هذا الواقع الجديد جعل شعوب العالم تترجم نصوص التكفير والغزو ونصوص الاساءة للنبي لتواجه بها المسلمين . وبدل ان تهب المؤسسات الدينية كا الازهر والزيتونة والمراكز الاسلامية الاخرى الى محاربة داعش واخواتها وتعمد الى تصحيح تراثها مما دس فيه راحت تحارب دعاة التصحيح وتكفرهم وابسط مثال على ذلك سجن اسلام البحيري وشيخ محمد عبد الله نصر في مصر وسجن رائف بدوي وجلده في السعوديية ومطاردة الكثيرين امثالهم في بلدان عربية اخرى .. وبدل ان تتظاهر الشعوب العربية ضد داعش ومؤسسيها وداعميها راحت تتظاهر ضد مجلة شارلي ايبدو مع ان المجلة اخذت فكرة رسومها من احاديث البخاري ومسلم.

اترك رد