احزان في الباسفيك – ج2

 
(لوحة للفنان اسماعيل ابو ترابة)

لم تكن (بهاره) في الصباح، كما هي في الليلة السابقة، فقد انتهت تلك الوداعة وذلك الصمت، وكشفت تحركاتها ونظراتها عن شخصية متحررة نزقة طائشة، مثلما خفتت الاثارة داخلي وعدت الى صوت العقل الذي نشات عليه بعيدا عن التحرر وعن الانفلات، ففي حين كان اسفل ظهر ها العاري قد عكس ضوء القمر ليلا، ها هو وجهها اليافع الجميل يعكس ضوء الشمس كمرآة سقيلة ايضا لتصبح وهي الفتاة المراهقة الوحيدة في الزورق محط انظار كل الرجال والشباب الذين يقارب عددهم الاربعين، ومدار حديثهم وهمساتهم وهدف حركاتهم، وكانت تلك الفارسية الرعناء كما بدت لي توزع نظراتها على الجميع ممزوجة بابتسامة لا تخلو من الخبث، هذا الخبث دعاني الى الحذر كلما التقت نظراتنا بارادتي او بدونها..

أنَّ الزورق الخشبي وهو يصطدم بموجة عالية من موجات المحيط الهندي التي نثرت رذاذها على وجوهنا، وكانها كانت تريد ازالة السخونة التي الهبتها بهاره لدى الجميع، وترسيخ مشاعر الحذر من محيط واسع نمخره هاربين كالمجانين بزورق صيد خشبي متهالك، ولم يكن الحذر قد فارقنا بعد، كل الموجودين في الزورق، عراقيون وايرانيون وافغان وكويتيون، ومصري واحد وجزائري واحد وتركي واحد ايضا، كلنا عشنا الحذر في بلداننا بكل ما تعنيه الكلمة، وكلنا جميعا دون اتفاق قررنا ان نغادر عالم الحذر متجهين الى استراليا كلاجئين بحثا عن مكان آمن، ليس للحذر فيه من حضور، عالم تسبح فيه الاضواء مع الحوريات، حيث يكون بامكاني وبامكان هذا الفارسي والافغاني والاخرين ان نستريح بحضن كرسي فخم ممدين سيقاننا الى ابعد ما يمكن وننظر الى العالم بهدوء وبحكمة فنحن نموذج متكامل لافكار ابيقور* الذي قال (الانسان الحكيم لايبحث عن أي نشاط يؤدي الى الصراع) وها نحن نغادر صراعاتنا والى الابد كما نظن، ثماني سنوات من شبابي الضائع في العراق قضيناها في صراع وحرب مع الايرانيين، وهاهم الايرانيون معي في الزورق هاربون ايضا، ولم ينتابني شعور بالكره نحوهم رغم عدائنا المتواصل، ولا اشك في انهم كذلك، فنحن منذ الصباح نتبادل الاحاديث ونسرد القصص والحكايات لبعضنا وكاننا اصدقاء منذ فترة طويلة، والمدهش اننا لم نتحدث عن حربنا معا، بل تحدثنا عن احلامنا، احلامنا هي الشيء الوحيد الذي خرج من دائرة الحذر، فكلنا على اختلاف مشاربنا نبحر الان باتجاه واحد نحو الحرية، تلك الحرية التي افزعتني وتفزعني كثيرا حين مارستها ومازالت بهاره وهي تغطي اذنيها بالسماعات الصغيرة وتستمع من جهاز صغير في يدها الى موسيقى بدت صاخبة كما اوحت لي حركاتها الراقصة السريعة مع انها كانت تجلس في قعر الزورق بجانب امها متجاهلة نظرات كل الشباب التي لم تكن تبتعد عنها مطلقا، بدت بهاره متعطشة اكثر من الاخرين للتحرر، لم تكن طفلة حتى تغطي البراءة ذلك الطيشان كما اراه، بل كانت امرأة متكاملة، وجمالها الاخاذ لايقل عن جمال امها حتى بدوتا كاختين هاربتين من قيود الشرائع والعقائد التي غلفت قلوبنا وقيدت عقولنا وحددت حركتنا واتجاهاتنا، وجعلتنا نرتجف خوفا امام كل تغيير وكل اختلاف حتى وان بدا شكليا أو لفظيا، لم اكن اتخيل امام ما يرد خاطري من صور عن ايران الاسلامية ان فتاة منها يمكنها ان ترتدي هذه الملابس الفاضحة، وان تتعايش مع الحرية بمثل هذه السرعة، كان قميصها لايغطي كامل اعلى جسدها، فبطنها واسفل ظهرها مكشوفان تماما، مثلما كان ردائها السفلي ملتصقا بجسدها حتى كانه جزءا منه، لقد تعودنا الحذر من الحرية بحجة الاخلاق والاعراف والنواميس، وكأن الحرية خروجا عن مألوفنا، او وحشا يريد افتراسنا، وها انا الان وبعد ان اقترب عمري من الخمسين، جالس على مقدمة زورق خشبي وبمواجهة امواج المحيط العاتية،

اكتشف عن طريق هذه الفتاة المراهقة، انني وغيري في عالم الشرق لم نكن سوى عبيد، وان رجولتنا لم تكن سوى وهما نحرر به انفسنا من قيود العبودية ذاتها، كانت شواربنا كثة، واذرعنا مفتولة ورؤوسنا مرفوعة، ولكن ذلك لم يكن سوى جزء من لوحة رسمها الطغاة لتجميل صورة العرش واعطائه الهيبة اللازمة، ففي الحقيقة كان الخوف يتسربل في دواخلنا، ويمنعنا من الحديث عن مستقبلنا ومصائرنا حتى مع نسائنا، كنا نعيش صراعات الجبابرة والطغاة وكاننا جزء منها، وكنا على استعداد لان نضحي بالغالي والنفيس من اجل اثبات محبتنا لهم وللوطن، ولكننا لم نضحي بشيء من اجل حريتنا وحرية الوطن، فذاك هو وطننا يتارجح وها نحن هاربون يائسون خائبون من احلام مضت، وحياة مضت مليئة بالعقد والخوف والتشنج والحذر، وحالمون بعالم آخر كنا نخشى الاقتراب منه حين كنا نعتقد اننا احرار، وان علينا المحافظة على اصالتنا وهويتنا وخصوصيتنا، ولم نكن ندرك ان المحافظة على اصالتنا تقترن بشكل او باخر بعبوديتنا، فاقترابنا من العالم الحر، ومحاولة اللحاق به، عنت لنا التنازل عن ارث اختص بنا واختصصنا به، وكأن العالم الحر ولد هكذا متقدما مبدعا دون اصالة ودون هوية، لم نكن ننظر الى جماله بقدر ما نظرنا الى قبحه، فقد صوروه لنا على انه عالم قائم على الحرام والاباحية والمخدرات والجريمة والالحاد، ونحن فقط المؤمنون الذين يعرفهم الله ويفتح ابواب جنته لهم، وحين ضاقت بنا تلك الجنة دفعنا الظلم الى ان نتجه الى العالم الكافر، وان نخاطر ونعتلي موج محيط كاسر بزورق يئن ويصر كلما ضربته موجة من موجاته المتواصلة حتى بت اشعر وانا جالس كالنسر على مقدمته، انه سيتحطم وستتحطم معه احلامنا..

اغمضت بهاره عينيها، وركنت راسها الى جدار الزورق، وراحت تتمايل بهدوء الحالمين يمينا ويسارا، فاغمض الجميع عيونهم، وراحوا يتمايلون مع نسيم المحيط، كانت هذه الفتاة المراهقة، هي شراع زورقنا البائس في رحلة كنا نتمنى ان تكون قصيرة، لنصل سريعا الى شاطيء الاحلام، حيث الكفر والالحاد، فقد اتعبنا ايماننا كثيرا وانهكنا الصبر، وضاقت صدورنا بتفاهات الكاذبين والمخادعين، شيء واحد فقط كنت واثقا منه، مع اتساع المحيط وهدوئه العميق والصمت المطبق ، بدا الله اكثر جمالا واكثر كمالا، وتيقنت ايضا ان الحاد الكافرين وعدالتهم اكثر ايمانا بالله من ايمان الاغبياء والمنافقين والمجرمين الذين تسببوا في كل هذا الظلم وتلك الجرائم وهذه الفوضى والجنون..

لا تعليقات

اترك رد