ان تكون رجلا


 

اتكأ الرجل على احد الجدران وقد وضع احدى كفيه على قلبه بينما تراخت كفه الاخرى لتسقط منها حقيبته ، استوقف منظره معلمتين كانتا في طريقهما الى المدرسة فهرعتا اليه ، تهاوى الرجل بينهما ، يبدو انها ازمة قلبية ، اسرعت احدى المعلمتين لتدعو اصحاب المحلات المجاورة فاعتذر البعض وهب البعض الاخر للتفرج على الشاب وهو يصارع الموت ،سمعتا همسا من البعض عن احتمال احتواء حقيبته على متفجرات وقال بعض آخر ان الرجل قد يكون سكيرا او ( مكبسل )!
لم تصدق المعلمتان فداحة الموقف الذي وقفه الرجال فجميعهم يخشى التورط في الامر لكي لايخضعوا للاستجواب من الشرطة ويضيع يومهم خاصة وان اغلبهم مرتبط باعمال وموارد عيشهم يومية غالبا ، ماذا لوتوفي الرجل ؟ تساءل احدهم بصوت عال ، هل ستخلي الشرطة سبيل منقذه ؟ كان هذا التساؤل كافيا لأطالة فترة التفرج على الرجل دون ابداء اية بادرة للمساعدة ..!
تناست المعلمتان دوامهما وسارعتا لأيقاف سيارة اجرة لتحملا الرجل اليها وتنقلاه الى اقرب مستشفى ، ورغم وفاة الرجل ،فان المرأتين الشابتين لم تندما على مافعلتاه بل ذرفتا دموع حزن حقيقية على الرجل الذي توفي وحيدا ، وحمدن الله على حمله لجهاز موبايل مكنهن من الاتصال باسرته..
ماابكى المرأتين لم يكن وفاة الرجل فقط فهو ليس اول الراحلين في ايامنا المتخمة بالموت لكنهما بكيتا على شيء اسمه ( الشهامة ) اودى به الخوف من التورط في السؤال والاستجواب وتحمل المسؤولية وايضا الابتعاد عن دوامة العمل اليومي وكلاليب ( خبز المعيشة ) ..
قد يحسب البعض ان الشهامة اختفت لدى العراقيين وان قيما كثيرة ضاعت تحت عجلات الحروب والظروف القاهرة ،لكن ماحدث ان الخوف من السلطة صار اكبر من تلك المعاني الانسانية منذ ان صار المنقذ متهما و البريء مذنبا ، فالسلطة في بلدي تعني القوة والتسلط وليس الاهتمام بالمواطن واحتوائه ..وهكذا بدأت اللامبالاة تجد طريقها الى نفوسنا والسير (جنب الحائط) احد ثوابت حياتنا فلكل منا حياته التي يجترها اجترارا بهدف مواصلة االعيش لاغير، والعيش بسلام بات يتطلب الانكفاء على الذات والابتعاد عن كل مايهدد حياتنا ويجعلنا عرضة للتساؤل والاتهام والادانة وربما دفع ضريبة التمسك بالمباديء غاليا ..
مادفع المرأتين اذن الى محاولة انقاذ الرجل لم يكن امتلاكهما الشهامة وحس المبادرة فقط بل كونهما نساء ، فالرجل في بلدي مرغم على حمل عبء آخر يضاف الى اعباء حياته المعيشية ومسؤولياته الاسرية وهو المحافظة على حياته بالابتعاد عن كل مايجعله موضع اتهام او ادانة من قبل السلطة لأن السلطة لدينا لاتناقش أو تبحث عن مسببات ودوافع بل تحكم على ماتراه أمامها من أفعال ..وحتى يتمكن المواطن من اثبات حسن نيته ودوافعه الانسانية ، سيتوجب عليه دفع ضريبة خوفه من السلطة فيسجن أو يدان بجرائم لم يرتكبها وقد لايجد من ينقذه من قبضتها اذا لم يكن متكئا على ظهور قوية او يمتلك المال الذي يفتح به اقفال السجون ليعود حرا طليقا ..
هكذا تجري الأمور في بلدي وبهذه الطريقة يدوس البعض على مبادئه وانسانيته ليربح حياته ، واذا كانت النظرية السياسية الشهيرة تقول :” اكذب ..اكذب حتى يصدقك الآخرون” فالنظرية السلطوية الجديدة تقول :” اصمت ،اصمت حتى يبرأك الاخرون “

شارك
المقال السابقالنظرة الدونية للمرأة
المقال التالىمصر وأوضاعها الراهنة ومستقبلها؟

عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد