الشعر بين السذاجة والعفوية

 

السذاجة صفةٌ مذمومةٌ في كثير من مواضِعها، شأنُها كباقي ما لا يحمدُ من الصفاتِ الموجودة في كل نواحي الحياة ، وتعريفُها: هو المبالغة بالعفوية مع تعطيل الفكر، بل لعل ذلك اسوأ أوجهِها وقد تكونان -السذاجة والعفوية- في كثير من اطباعِ البشر حتى يصعب التفريق بينهما.
فأما العفوية فهي التصرف المحكوم بالعقل على السَجِيّة والفِطرة السليمة، دون شائبة من التضليل والتملق والخداع والغش والتدليس فيتساوى ظاهرُ القول والفعل و باطنُهما، ونقول فلان يتكلَّم عفوياً أَي ينطقُ بالكلام صَحيحًا مباشراً دون تزويق أو تجميل وتكلف فنجد احدَهم عفوياً سهلاً يمر على البال مر نسيمِ الصباح وسلاسة الماء القراح فتبشُّ له النفوس وتُسرُّ به الارواح.
واما الساذج فمن يلقي الكلام دون عرضه على العقل فيبدو متذبذبَ الرأي معطلَ الفكر خاليَ العزم باردَ الروح اذا حضرَ لا يُهاب وإن غابَ لا يُراب.
وكما ان السذاجةَ والعفويةَ سمتان من سمات البشر، فهما سمتان من سمات الشِعْرِ، أيضاً فالشِعْرُ فيه العفوية المحمودة والسذاجة المردودة.
والعفويُّ من الشعرِ هو ما لا تتمنى انتهاءَهُ ولا توَدُّ نفادَه، إن ازددت منه سرّك أو تغنّيتَ به أطربك، ولله در معروف الرصافي في قوله واصفاً شعرَهُ اذ قال:
فأرسلتُه عفواً فجاءَ كما ترى … قصائدَ تجتاحُ البلادَ سِراعا
ولم تزل عفويةُ الشعر بغيةَ الطالبين من المتقدمين والمتأخرين ، فمنهم من ظفر بها ومنهم من نكص عنها فأما من أجاد من المتقدمين فمَثَلُه قول جرير:
بِنـفْسي مَن تَجنّبهُ عزيــــزٌ … عَــليَّ ومَـنْ زيـارتُـه لُـمـامُ
ومنْ أُمسي وأُصبحُ لا أراه … ويطرُقني إذا هَجعَ النيامُ
وأما مَثَلُهُ في المتأخرين فقول شوقي:
جَفْناكِ أُيهما الجـريءُ على دَميْ … بأبي هُما منْ قاتِلٍ وشريكِ
بِهما وبي سَقَمٌ ومِن عَجبِ الهوى… عُدوانُ مُنكسرٍ على مَنْهوكِ

وأما الساذجُ من الشعرُ فهو ما أتى بارداً باهتاَ بلا لونٍ ولا طعمٍ ، خالياً من الادهاشِ والامتاعِ فارغاً من الفائدةِ ، لا يُحرّك الحس ولا تتفاعل معه النفس ، اذا قرأته إعَتراك الملل ولَبِسك الخطل ، واحسست بالبرود والغباء، وتمنيت لو انك لم تمرَّ به ولم تقرأه وودت لو ان الدواة عقمت والاقلام جفت فلم يُكتبْ ولم تحوهِ الصفحات والقراطيس
ومثال ذلك من المتقدمين قول محمود بن مروان بن أبي حفصة:
وقد كنتُ أخشى من هواهُنَّ عَقْرباً … فقد لَسِعتْني من هواهُنَّ عقربُ
بَخِلْنَ بدريــاقٍ على مَـــن لـسعْـنَه … ألا حـبّـذا دريـــاقُـهـنَّ المـجـرَّبُ

حبذا لسعة العقرب لشاعر فارغ مثله بلا رياق فتريح وتستريح، فقد خلا هذا الشعر من اي من علامات التفنن واشارات الشاعرية عدا مفردات تراكبن على بعضهن أقامها الايقاع والوزن ثم ما لبثت ان هوت دون تركها اثراً يذكر سوى الاحساس بالخيبة والشعور بالجهالة.
وأما مَثَلُه في المتأخرين فقول عبدالله الفيصل:
يا حبيبي لوعةُ الحبِ سَعادهْ
تُزهد القلبَ فيسمو بالزهادهْ
ويرى حرمانَه في الحبِ زادهْ
حين لا يبلغ في الحبِ مرادهْ
وهذا الآخر لم يزد على ما تقدم في شعر سابقه فأتى بقافية هزيلة وبعض مفردات هشه التركيب سمجة المعاني قبيحة البناء خالية من الملاحة والظرافة والحسن بادية التكلف والارتباك والاضطراب وقراءة مثل هذا النوع من الكلام الذي لا يمت للشعر بصلة لا من قريب ولا من بعيد هدر للوقت وتشتيت للعقل فهو محض اسفاف وخالص هُراء تركه أولى من الاستمرار بقراءته وقد اصبحنا بكل أسف نجد الكثير منه في كتب مطبوعة وقد كُتب على أغلفتها “شعر” وسُبق اسم كتابها “الشاعر” وما ان تفتح الكتاب حتى تغوص في كثيرٍ من لزج الكلام وسفسطاتٍ من الهذيان والأوهام، فلا تكاد تبدأ بقراءته حتى تشعر بالغباوة والهبل ويعتريك الحياء والملل فتكون كمن يشرب من ماءٍ أُجاج لينقلب الى اهله متعكرَ البال سيئ المزاج.

لا تعليقات

اترك رد