الوطن والتاريخ

 

سأستهل مقدمة مقالتي “الوطن والتاريخ” من مقالة العراقي المتنور الدكتور سيار الجميل ، التي نشرت في صحيفة العربي الجديد، لندن، في 29 يناير/ كانون الثاني 2017

من قراءة المقدمة التي بدء بها، تاثرت وتحفزت. وتحركت لدي عوامل كثيرة. قسم منها كان ظاهرا على ملامحي والقسم الاخر كامن ومكبوت. وتظهر هذه العوامل بقوة وتفجرها نوازع الانتماء والمواطنة، سيار الجميل قدم هذه المرة واحدة من مقالاته المتميزة عن حال الاوضاع في العراق، وهذه المقالة بالذات جعلتني أرجع وأتصفح دفتر الذكريات والتأمل في التاريخ الذي عاصرته، مقارنا مع بعض الاحداث، حتى أوصلتني المراجعة إلى عنوان تغير المفاهيم التي اعتقد أنها تضعنا على الطريق الصحيح لمشروع التغيير المنشود.

لقد سعت قوى خارجية ودول الجوار، حاقدة وطامعة للسيطرة على موارد وخيرات العراق، واستعانت بالولايات المتحدة الامريكية وبقدرات الدول الاوربية في تحقيق أهدافهم. هذه القوى لم تعتمد على المتنورين من أهلنا، بل إعتمدوا على لم مجموعة من الافاقين ومجرمي السجون مع ضعاف النفوس واللصوص مع المرتزقة لاحتلال العراق، لكون غايتهم تحقيق مكاسب لهم، وليس لها علاقة مع المشروع الوطني أوخلق نظام سياسي مستقل في دولة حديثه، ثم منحت هذه الدول الفرصة لتربع هذه الزمرة على سدة الحكم وإدارة الرعية بطريقة مقيته ومرعبة، وبظاهرة متخلفة وتحت غطاء ديني مشين. ظنا منهم قد أنجزت ما يرغبون وإنتهى كل شيء.

أن الطريقة التي تُرك البلد بيد هؤلاء الفاسدين أرجعت البلد المنكوب أصلا إلى الوراء مئات السنين. فبات المجتمع اليوم منقسما على نفسه إلى طوائف وأجناس كل جهة تنافس الاخرى في نهب موارد الدولة والحق العام وأفسدوا المجتمع بالكامل طيلة أربعة عشر عاما، تحت علم القوى الخارجية وتحت أنظارهم، والمعروف أن الذي أنجزته هذه القوى ليس لسواد عيونهم بل كان لغاية تصب في ما يخططون لهذه المنطقة منذ مئات السنين.

أعود وأقول أن المخطط الذي يتلاعب بمصير البشر ليس في منطقتنا فحسب بل في كل العالم، يستخدم مستوى عالي جدا من التقنيات المتاحة له وليس لغيره. وبعلم كل المتخصصين في العالم بل وبمساعدة كل العلماء سواء بشكل شخصي أو مراكز بحثية متخصصة، لايستطيع الإنسان مهما بلغ من ذكاء ودهاء منفردا أن يتوصل إلى هذه المخططات ويتخيل مدى ما يصل اليه لوحده، بل هذا عمل مؤسسات ومنظمات، جامعات ومراكز بحوث عريقة وقديمة منتشرة في بقاع الأرض ومتوغلة بين الناس ولها عملائها من مختلف طبقات المجتمع ترفدها بكافة المعلومات مهما كانت بسيطة وهي بالحقيقة (Storage Data Base) رهيب بسعته.

عندما يُضغط على (Enter)، تحصل تغيرات جذرية في مكان محدد بالعالم. وإن حصلت هفوات في البرنامج يستخدمون البدائل حتى ولو على حساب خسارة بعض ما لديهم من بشر أو تدمير مناطق أو إزاحة أبنية ومنشآت بالكامل مع من فيها، فعندهم الشعار المقدس (الغاية تبرر الوسيلة في تحقيق مصلحتهم)، المنطقة تمتلك موارد لا يمكن إهمالها وتدخل في العصب الحيوي للصناعات الرئيسية في تلك الدول.

ونحن نريد ونحاول مقارعة هذا الباطل ونبغي دحر هذا الشر الذي يتنامى في بلدنا يوم بعد يوم.

ولكن لنرى.

كيف نعيد الامور إلى نصابها.

أن إعادة الامور إلى نصابها في أرض الحضارات هدفا يسيل له لعاب كل المتنورون الأصلاء، سواء الموجودون داخل البلد، والمجبرين السير مع الطغمة الفاشلة، أو الذين شملهم الشتات وتبعثروا في بقاع الأرض، كل هذا سببتها الفتنة المدمرة والطائفية المقيته وإنتشار الافكار المتراجعة على يد الزمرة الحاكمة.

الرأي الذي سأتحث عنه هو جزء من الحقائق على الساحة في وقتنا الحاضر فإن لم نلملم شئننا ونلتفت إلى ما يدور حولنا فسيكون مصيرنا الضياع والاعودة. وهذا هو أخطر ما يمكن ان يصيبنا، وهذه حقيقة.

أريد أن أسال:

ما هو برنامجنا ؟

لا يوجد برنامج.

هل تركنا عقولنا بعيدة عن التفكير والمناظرة والادراك ؟

هل أصبحنا بلا حول ولا قوة، لا علم لنا ولا معرفة ؟

لا حرمة ولا سلوك يحتذى بها، ولا قيم أخلاقية.

نتكلم بصوت عالي ونلوح يأيدينا.

ونظرب على المناضد عندما ننفعل لنستفزالاخرين.

ونسب ونشتم عندما يتطاولوا علينا.

نهدد ونقاطع ونخرب، ومن ثم نجلس في بيوتنا زعلانين. وعلى من ؟

وبدانا نسد الافواه ونعصب العيون عندما نسمع نقدا أوتجريحا، بالتالي تطور عملنا بفتاوي أهل الخراب إلى:

القتل والذبح حتى تزيل من لا يؤمن بنا.

النسف والتفجير لاكبر عدد ممكن لمن لا يتبعنا.

واخرها من لا يريد هذا وذاك، يفجر نفسه بولاءات صكوك الغفران ومفاتيح الجنة.

الموضوع الذي نحن بصدده كبير وشائك .

هل نحتاج إلى الخطابات السياسية التي أفل تأثيرها ؟

وهل نحتاج إلى شعارات وصور إشمأز العالم منها ؟

هل نحن بحاجة إلى شبكات إعلام مزيف لشد الناس والتلاعب بمشاعرهم ؟

نحن لا نحتاج إلى تكتيكات وخطط عبقرية.

ولا نحتاج إلى أن نجتاح بلد أو دولة لتأسيس دولة قانون دينية،

ولا نحتاج حتى إلى سلاح أو دبابة تكتيكية،

هناك شيئ أهم من هذا كله.

يجب أن نعيه ونستوعبه، لان كل الذي شاهدناه وما سمعنا من تكتلات واجتماعات وخطابات طيلة السنين الماضية فشلت فشلا ذريعا والذي حصل لنا. إننا خسرنا. ولا زلنا نخسر وسنظل نخسر كل يوم وكل ساعة وكل ثانية حتى يأتي اليوم الذي لا يبقى معنا أحد، مقابل جيل جديد لا يفهم.

أين الخلل ؟

هل توصلنا إلى مكمن الخلل. ؟

هل هي الفوبيا المزمنة التي لا شفاء منها ؟

ولكن لنرى.

أن الذي نام مئات السنين لا يستطيع مواكبة من كان مستيقضا خلافه، والمتابع إلى ما يحاك من حولنا بدقة ودراية سيدرك أيضا انه لا يمكن ازالته أو تغييره بالعصبية العمياء أو شحن المشاعر، لان الخسارة ستكون أكبر وسيتم تشتيتنا أكثر واكثر. أنا لا أنكر بأن هناك الكثير من الاحباطات وخيبات الامل، عندما تحاكي الواقع المزري الذي وصل إليه العراق مع هؤلاء الحكام. حكام الصدفة التي أتت بهم القوى الخارجية الحاقدة على كل من ينتمي إلى هذه الأرض، لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا.

كيف ومن أين نبدأ ؟

لو نظرنا إلى تأريخنا ستجده مملؤء ومثخن الجراح على مدى أجيال سبقتنا ولا زالت تتكرر وستستمر على هذا المنوال، إذا بقينا نائمين.

في كل حقبة من الزمن تحصل مثل هذه الكبوة، ثم يصحح المسار ويدحر الفاسدين. ولكن من دون بتر الرأس السام تعود المعضلة مرة ثانية وهكذا، الإنسان العراقي اليوم عليه أن يواجه قوى الشر ويقارعها في كل لحظة من العمر الذي منح له حتى يدحرها. ويحاصر الظلم والظالمين بطوق قاتل لا يفلت منه أحد ويركنهم في مزبلة التاريخ. وإن لم تصحح المسيرة ونبني الجيل الذي يعرف كيف يقطع الرأس السام لكي يحافظ على مكتسباته ويديمها سوف لن تتوقف الاطماع ولن يتراجع الاشرار في مداهمة أهل الدار وسلب ثرواتهم.

لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى. وصلنا الى حال لا يرثى له، فليس أمامنا اليوم غيرالاصطفاف والمباشرة في بناء سدا منيعا، لصد هذا السيل الذي يحمل الافكار السمجة والمتراجعة عن الزمن، ونراه بأعيننا يتجمع ويزداد يوم بعد يوم.

إذن. ليس لدينا خيار غير الحرب.

حرب شاملة على الدجل والشعوذة وإبادة المفاهيم المتراجعة. لقد أصبحت هذه الحرب من الضرورات والعاجلة قبل أن يصل السيل إلى كل البقاع. لا بد أن نتسلح اليوم بالعلم والمعرفة، ونتوكل على الله.

هذه الحرب ستكون فريدة من نوعها، وسيتم استخدام أعتى الاسلحة الذي استخدمته البشرية في تصحيح المفاهيم، القلم، واللسان في سحق الافاقين. إنها حربنا وستكون حرب الاجيال لاعادة الامور إلى نصابها، لا نريد مشاريع تجميل الصورة أو بهرجة زائفة. ولا منظمات أو أحزاب جديدة، لا تخدم شعوبنا ولا تقضي على التخلف الفكري ولا تصحح المفاهيم، ولا توقف إنتشارها.

نحن نفهم شعوبنا، ونعرف ما يفيدنا لتصحيح المسيرة وأعادة مجد العراقيين، ونحن نعرف أن شعوبنا عندها الطيبة والمسامحة ونعرف قدرة شعبنا بالنهوض، لدينا أخيارنا ولدينا علمائنا ولدينا إرثا لا يملكه غيرنا وعندما تزول هذه الغمة، نعرف كيف نرفد العالم بما يخدم البشرية في هذا الزمن المتسارع.

نحن نحتاج اليوم إلى المواجهه علنا وامام العالم، ونحتاج إلى أن نكون بمستوى التحضر الدولي ونتغلب على التفكك والتمزق والضعف والتخلف في المجتمع، ونحتاج القدرة السياسية لقيادة الأمة وبناء علاقات ستراتيجية مع اللأمم الأخرى، وأن نفكر بمستقبل الأجيال القادمة في مشاركة العالم بتطوره كعناصر للسلام. هذا هو طموحنا للابحار إلى البر الآمن وإعادة الامور إلى نصابها.

لا بد أن ندرك حالة معروفه عند المجابهة، وهو إن العدو دائما يجبن وتختل موازينه عندما يقابل شخص مدرك وصاحب معرفة ومتزن وليس ممن يألفه. لأن المدرك سيكون متنور والمتنور هو الذي يستخدم عقله استخداما منطقي ومتبصر بشكل عقلاني، وهذا لا يخدم من تجابه ولا يخدم مخططاته مطلقا حتى لو كان العدو اقوى منك.

أن ما نراه، من الذي يرمي نفسه بالتهلكة ظنا منه طريق الخلاص الذي تفتحت به فتاوي عقول الذين يسمون انفسهم السادة الموجهين اوالقادة الملتحين والخطباء المعممين. لو دققنا الحالة جيدا فهو ليس طريق الخلاص بل الضياع بحد ذاته. مع الاسف الشديد علينا، وأنا أعنيها فعلا عندما أقول أسفي الشديد على ما نحن فيه، فقد وصلنا إلى الضياع. وهذا ما يبغيه الاشرار ويخططون عليه، ومن أساسياتهم التي يعتمدون عليها تقول:

كلما إزيح الجيد بصراعات داخلية كلما كانت تكاليف مخططاتنا أقل.

الذي يحصل والمؤسف في هذه الايام إرتماءات، بعد تولي الرئيس الامريكي الجديد، وإعادة نفس المأساة السابقة، ولكن هذه المرة لازالة الفاشلين في إدارة الدولة، وهو متوقع مثل هذا التصرف بسبب اليأس في التصحيح، كونه رد فعل لغياب دعاة المشروع الوطني الحقيقي وعدم وجود تحرك أوأي برنامج قريب من قوى سياسيّة عراقية جديدة ونظيفة طيلة عشرة سنوات خلت وكنا نتأمل في الانتفاضة الجماهيرية في 2015 و2016 يحصل تغيير ولكن تأخر النخبة بالشروع تم الالتفاف على المشروع الوطني وأفرغوه من محتواه وكل عاد إلى مكانه.

“قال لي أحد الاصدقاء في الغربة والمندفعين إلى التغيير. والله عجيب أمركم انتم الجيل السابق. أهذا شعب يستحق أن تناضل من أجله، أهذا شعب، يرضى بالمذلة رغم السوء الذي أصابهم. والله لا خير في هذا الشعب. ولن يجدي معه أي تغيير. ”

إن الجالسين على سدة الحكم حكام الصدفة خلقوا هذا الفراغ السياسي. وهم الوحيدون المسيطرون ويسعون باصرار البقاء في السلطة رغم الفساد، ومستمرين بنفس أساليبهم في خداع الشعب وفي كل مرة يضيفون جملة إغراءات للوصول إلى أهدافهم. وهناك طبقة من الاكثرية في هذا الشعب لا تريد الشفاء من الفوبيا المستشرية، ولا يرغبون التخلي عنها طالما ينفث الدجالون السموم باسم الدين. الصراع طويل وشائك ويحتاج إلى الحكماء والعقلاء من العراقيين حصراً يجلسون ويتدارسون الحالة العامة، وإيجاد نقاط الخلل والمعضلات التي توقف حركة القوى المضادة لهذا الصراع والبحث عن المساندة.

نحن نحتاج إلى وقفة جدّية مع بعض لاعادة اللحمة أولا. والتوجه لأيجاد الحلول القابلة للتطبيق ثانيا.

ولنرى. أين هو الحل، ومن سيكون المستجير. ومن الله التوفيق.

لا تعليقات

اترك رد