تصور شامل لدور حقيقى للاعلام فى مواجهة الارهاب

 

تعاظم دور الإعلام بشكل كبير فى السنوات الاخيرة وأصبح هو المؤثر الأول فى التنشئة الاجتماعية بعد أن تغلب على الأسرة والمدرسة واذكر مقولة قالها فخامة الرئيس السودانى عمر البشير اثناء مقابلة لى مع فخامته بحضور 3 شخصيات مصرية اخرى حيث التقيناه فى مقر الرئاسة السودانيه عام 2012 فى ظل جهود ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية عقب ثورة 25 يناير فى مصر.. وقد قال لنا : “كنا قديما نقول الناس على دين ملوكهم ..لكن الآن نقول ان الناس على دين اعلامهم ” وكان فخامة الرئيس السودانى يقصد مدى تأثير الاعلام الضخم على الناس
والحقيقة انه في عصر الفضائيات والإنترنت أصبح الإعلام هو الناقل للحقائق والمعلومات بل أصبح هو صاحب الدور الأكبر في تغيير المواقف والاتجاهات لأنه بات يلعب دوراً هاماً ومؤثراً في توجهات الرأي العام واتجاهاته وصياغة مواقفه وسلوكياته من خلال الأخبار والمعلومات التي يزوده بها . فالمواطن يبني قناعاته ويتخذ مواقفه من خلال البيانات والمعلومات التي يتم توفيرها له مما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك قدرة الإعلام بكافة صوره وأشكاله على إحداث تغييرات في المفاهيم والممارسات الفردية والمجتمعية عن طريق تعميم المعرفة والتوعية والتنوير ونشر المعلومات والقضايا المختلفة كما ان الوضع الأمني يتأثر بشكل كبير بطبيعة الحال بما تعرضه أجهزة الإعلام من برامج و مواد . إن الأمن في حد ذاته هو شعور يحس من خلاله الفرد بالأمان والاطمئنان لذلك فإن مخاطبة الشعور من خلال أجهزة الإعلام يؤثر تأثيراً بالغاً وسريعاً ومن هنا كان للإعلام تاثيره البالغ على الأمن فقد يكون إيجابيا ً يجعل المواطن يشعر بالأمان والاطمئنان وإضفاء الاحترام لرجال الأمن وقد يكون العكس بإحداث تأثير سلبي لا يخدم قضايا الأمن وهذا الأمر يدعونا إلى التأكيد على أهمية وضرورة وجود علاقة تعاون وثيقة بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام وتزداد هذه الأهمية عندما يكون التعاون مطلوباً لمواجهة قضايا خطيرة مثل الإرهاب .
.
وعلى المستوى العربى فانه مع التزايد فى عدد وسائل الإعلام ، وتنوعها وتعاظم تأثيرها فان هناك العديد من الأدوار التي ينبغي أن تقوم بها وسائل الإعلام في مكافحة الإرهاب ومنها :

اولا : تنمية الشعور بأن أمن المجتمع هو أمن المواطن في الأساس فهذا المواطن لن يكون آمناً على نفسه وماله وأهله إذا كانت قوى الإرهاب تعيث في الأرض فساداً وانا على قناعة بأن قيام وسائل الإعلام بهذا الدور يتعزز بما تقدمه لها الأجهزة الأمنية من معلومات وحقائق بحيث تتولى الأجهزة الإعلامية إخراجها بشكل مناسب وتقديمها للجمهور بما يحقق التجاوب مع الأفكار الأمنية المطروحة
ثانيا : نشر قيم الاديان السماوية التي تنبذ العنف والجريمة وإيصال هذه الرسالة بكافة الوسائل خاصة غير المباشرة مثل البرامج الحوارية أو الأعمال الدرامية .
ثالثا : عرض الحقائق كاملة عند وقوع الأحداث الإرهابية من حيث أعداد الضحايا والمصابين و إعلام المواطنين بأية قرارات عاجلة تجنب حظر التجول لبعض الوقت فى أماكن الأحداث الإرهابية.
رابعا :تقديم برامج حوارية دائمة لمناقشة ظاهرة الإرهاب من كافة جوانبها على أن يشارك فى هذه البرامج خبراء اجتماع وعلم نفس وأمن وايضا رجال دين ورياضيين ، و مواطنين عاديين ، وغيرهم.. حتى تكون هناك مواجهة إعلامية دائمة للإرهاب تشارك فيها كل فئات المجتمع .
خامسا : حث المواطنين على القيام على المساهمة فى ضبط الارهابيين من خلال تقديم ما لديهم من معلومات قد تساعد أجهزة الأمن فى الوصول إلى الجناة ، ويمكن أن تقدم أجهزة الإعلام رسوماً تقريبية لشكل المجرمين الهاربين ومواصفاتهم والأماكن التي يحتمل أن يختبئوا بها .. وكذلك توعية الجمهور بأن تقديم أية معلومات ولو كانت بسيطة يمكن أن تفيد أجهزة الأمن فى القبض على الإرهابيين وقد أكدت التفجيرات الإرهابية التي شهدتها 3 فنادق فى العاصمة الأردنية عمان عام 2005 أهمية إدماج المواطن الأردني فى المنظومة الأمنية وتنمية حسه الأمني وثقافته الأمنية بحيث يدرك أهمية دوره في الحفاظ على أمن الوطن واستقراره وهى التفجيرات التى اطلق عليها الأربعاء الأسود – 9 نوفمبر 2005 – حيث وقعت ثلاث عمليات تفجير إرهابية باستخدام أحزمة ناسفة استهدفت ثلاث فنادق تقع في وسط العاصمة الأردنية عمان. حيث وقع أولها في تمام الساعة التاسعة والنصف في التوقيت المحلي لمدينة عمان في مدخل فندق الراديسون ساس، ثم ضرب الثاني فندق حياة عمان ثم بعدها بدقائق تم استهداف فندق دايز إن ووصل التقدير المبدئي للضحايا إلى 57 قتيلا واكثر من 115 جريحا وقد كان ممكنا ان لا تقع تلك التفجيرات بعد أن تبين عقب هذه التفجيرات الاجرامية الارهابية أن كافة العاملين في الفندق راودتهم شكوك حول الإرهابيين إلا أن أحداً منهم لم يبلغ الأجهزة الأمنية عن شكوكه وهنا تبرز أهمية التعاون بين أجهزة الاعلام و الجهات الأمنية المعنية فى بث رسائل إعلامية إرشادية تثقيفية توعوية تتضمن ضمانات من شأنها تشجيع المواطن وحثه على المشاركة في المنظومة الأمنية من خلال قيامه بتوصيل أي معلومات من شأنها الإسهام فى كشف خيوط جريمة وقعت أو منع جريمة من الوقوع أساساً بحيث يقوم الإعلام أيضاً بالقضاء على المخاوف فى ذهن المواطنين التي تجعلهم يترددون فى إبلاغ الأجهزة الأمنية بما لديهم من شكوك.
سادسا : عدم إثارة الذعر بين المواطنين من خلال تضخيم الأحداث الإرهابية أو بث بعض الشائعات غير الحقيقية وكذلك عدم ملاحقة المواطنين بالتركيز على البث المتكرر لبيانات بعض قادة الإرهاب .
سابعا : التقليل من بث أفلام العنف لأثرها السلبي والخطير على الناشئة الذين يعمد بعضهم إلى تقليد ما يشاهده ويتورط في ارتكاب جرائم معنية .
ثامنا : تضمين بعض الأعمال الدرامية رسائل غير مباشرة تكشف الوجه القبيح للإرهاب وتدحض أفكاره الهدامة تاسعا : التقليل من جرعات المشاهد الدموية ومشاهد العنف والدمار والقتل عند تغطية الأحداث الإرهابية حتى لا يعتاد المشاهد على مثل هذه المناظر وحتى لا تخدم وسائل الإعلام الجماعات الإرهابية بشكل غير مباشر.
عاشرا : مواكبة وسائل الإعلام لأية مستجدات في الظاهرة الإرهابية وعلى سبيل المثال ضرورة توعية المواطنين بقضية استخدام الإرهابيين لشبكة الإنترنت .. وهى ظاهرة خطيرة متنامية
وفى نفس الوقت فان هناك دور يجب ان تقوم به أجهزة الأمن وارى انه
من الضروري أن تقوم أجهزة الأمن بتوفير كافة المعلومات لوسائل الإعلام حول ظاهرة الإرهاب خاصة أثناء الأحداث الإرهابية على أن تتسم هذه المعلومات بالسرعة والدقة فى آن واحد خاصة أنه في ظل العولمة يمكن أن تذيع وسائل إعلام أجنبية معلومات غير صادقة نقلاً عن مصادر غير موثوقة ولذلك فهناك ضرورة لوجود ناطق رسمى دائم لوزارة الداخلية بحيث يتحدث عند وقوع أية أحداث إرهابية ويحيط وسائل الإعلام أولاً بأول بتطورات الموقف .
كما يجب أن تتعاون أجهزة الأمن مع وسائل الإعلام في سبيل حث المواطنين على المساعدة في القبض على الإرهابيين وينبغى في هذه الحالة أن تقدم أجهزة الأمن أكبر قدر ممكن مما لديها من معلومات حتى يتحقق الهدف ويتم القبض على الإرهابيين أو يتم منع جرائم أخرى .
وعلى اجهزة الامن ان تقوم بتقديم كافة التسهيلات لوسائل الإعلام خاصة في البرامج التي تعالج ظاهرة الإرهاب مثل مساعدة وسائل الإعلام في الوصول إلى أسر ضحايا الإرهاب .. وكذلك بث حوارات مع الإرهابيين التائبين وهو ما كان له أبلغ الأثر في مصر على سبيل المثال عقب ارهاب التسعينيات فى القرن الماضى .. ومهد الطريق لتراجع قيادات متطرفة أخرى و وصل الأمر إلى حد أن قادة التطرف والإرهاب التي شاركوا في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات .. أصدروا ما يسمى بالمراجعات الفكرية تراجعـوا فيها عن أفكارهم الهدامة بل وأصدروا بياناً أعلنوا فيه اعتذارهم وأنهم يعتبرون السادات شهيداً .
وعلى اجهزة الامن ايضا توفير المعلومات بصفة دائمة لوسائل الإعلام حول قضايا الإرهاب .. بحيث يكون المواطن متابعاً لهذه المعلومات التي تمس أمنه وماله واستقرار أسرته .
وكذلك سرعة إصدار البيانات أو التصريحات عند وقوع حوادث مرور عادية لسياح أجانب لأن بعض وسائل الإعلام الأجنبية تدعي أن هذه الحوادث إرهابية في حين أنها تكون حوادث مرور ولا شك أن عامل سرعة إصدار البيانات أو التصريحات أمر حيوي .
تصور حول آلية التعاون بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في مكافحة الإرهاب :
اؤكد انه من الضروري وجود آلية دائمة للتعاون بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في مجال مكافحة الإرهاب بحيث يمكن أن تكون أجهزة الإعلام الرسمية والخاصة ممثلة في اللجان الوطنية لمكافحة الإرهاب التي تتكون أيضاً من ممثلين للعديد من الوزارات وأجهزة الدولة مثل وزارات : الداخلية ، العدل ، الأوقاف ، التربية والتعليم ، أساتذة جامعات وغيرهم ويمكن أن تكون هذه اللجان الوطنية هي التي تضع استراتيچية عامة للتعاون بين الطرفين في مكافحة الإرهاب .
وفي نطاق التعاون المنشود فإن على الأجهزة الأمنية تزويد وسائل الإعلام بأخبار ومعلومات دقيقة وهامة حول الإرهاب خاصة في أوقات الأحداث الطارئة حتى لا تنتشر الشائعات التي تضر بأمن واستقرار وتنمية المجتمع في المقابل فإنه يجب على وسائل الإعلام ألا تعتبر التنظيمات الإرهابية مصدراً صادقاً للأخبار الخاصة بالأحداث الإرهابية حيث أن التنظيمات الإرهابيه يكون لديها الرغبة في إثارة جو من الفزع والبلبلة والرعب بين المواطنين لإظهار مدى قوة هذه الجماعات الإرهابية من ناحية والسعي لاحتواء أية آثار سلبية ممكن أن تنجم عن الحدث الإرهابي نتيجة سقوط ضحايا أبرياء من ناحية أخرى .

اخيرا اقول :
ينبغى أن تدرك
وسائل الإعلام في الدول العربية وأجهزة الأمن ضرورة التعاون في مكافحة الإرهاب وأن تجري معالجة موضوعية وعميقة لهذه الظاهرة الخطيرة ويتم ذلك من خلال برامج حوارية مستمرة يشارك فيها كل المتخصصين والخبراء سواء كانوا حكوميين أو غير حكوميين لأن قضية الإرهاب تعد قضية مجتمع ويمكن لأجهزة الأمن أن توفر المعلومات التي لديها حول كل ما يتعلق بالتنظيمات لأن مثل هذه المعلومات تسهم في كشف زيف الإرهابيين كما أنه من المفيد أن تتعاون وسائل الإعلام وأجهزة الأمن في إجراء دراسات وأبحاث متعمقة حول شخصية الإرهابي ومكنوناته وكيف تحول إلى شخصية إرهابية مما يساهم فى تقديم معالجة شاملة لظاهرة الإرهاب ، كما أنه لابد من التأكيد على عدم لجوء وسائل الإعلام إلى إجراء أية مقابلات إعلامية مع الإرهابيين لأن ذلك يعتبر مكافأة أو جائزة لهم على أفعالهم الإجرامية .. وقد دعا ديڤيد برود المراسل الصحفي لجريدة الواشنطن بوست إلى حرمان الإرهابيين من الوصول إلى الوسائل الإعلامية .. ومن ثم ينبغى أن تمتنع أجهزة الإعلام عن إجراء مثل هذه المقابلات كما ينبغى أن لا تتيح أجهزة الأمن مثل هذه الفرصة لأي إرهابي محتجز لديها لأن الإرهابي يحاول مخاطبة الجمهور والحديث عن الأسباب والدوافع التي دفعته إلى هذا الفعل مما قد يتسبب في تعاطف البعض معه أو تفهم أسباب لجوئه إلى العنف وكشفت دراسة أردنية تحت عنوان ” الإرهاب في العصر الرقمي ” أعدها فريق بحثي من جامعة الحسين بن طلال عام 2008 أن الكثير من الأشخاص المحترفين في العمل الإرهابي الذين أُلقى القبض عليهم في العراق تأثروا بما كانت تعرضه القنوات الفضائية فقرروا الالتحاق بالمنظمات التي تحرض على القيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية .

لا تعليقات

اترك رد