الجزء الأول (نص مفتوح)


 
الصدى- انشودة الحياة
لوحة للفنان صبري يوسف

إلى روح الشَّاعر المبدع
الأب الدَّكتور يوسف سعيد 

12

بحارٌ ومسافات
ذُهِلَ أحبّائي عندما سمعوا
ذبذبات شعوري
لا تَقُلْ هكذا، قالَ والدُ صديقي
هذهِ مشاعري ..
هذهِ ذبذباتُ روحي
تتواصلُ عبرَ البحارِ
معَ شفافيَّةِ روحِ والدي
تتعانقُ الرُّوحان
قبلَ أنْ تصعدَ قبّةَ السَّماءِ
قبلَ أن تودِّعَ زمناً مِنْ رماد

لا تحزنوا يا أصدقائي
تذكَّروا أنَّني سعيد
لو يرحل والدي اليوم
أهلاً بكَ يا موت ..

بيني وبين والدي بحارٌ ومسافات
من قطبِ الشِّمالِ
رغمَ زمهريرِ الغربةِ
تتعانقُ روحي معَ روحِ والدي
نقيّةً كالنَّدى
كنسيمِ الصَّباحِ!

تناثرَ الأرجوانُ حولَ الضَّريحِ
طفلٌ يحملُ غصنَ الزَّيتونِ
زهرَ البيلسانِ
انطفأتْ شمعةُ العمرِ
ارتعشَتِ السَّنابلُ
عندما تناهى إلى مسامِعِهَا
أجراسُ الرَّحيلِ

تندملُ الجِّراحُ
من نعمةِ النّسيانِ
ويرحلُ الإنسانُ
كما ترحلُ البلابلُ والزُّهورُ
يعلو إلى فوق
كما تعلو قطراتُ النَّدى

لماذا لم تسقوا الياسمين؟
جفّتْ أغصانُ التُّوتِ
سقطَتْ ثمارُهَا الصَّغيرةِ
على أهدابِ اللَّيلِ

مآتمٌ لا تُحصى
.. وتخرُّ المياهُ عبر المزاريبِ
أشجارُ التِّينِ تحني رأسَهَا ..
هجرَتْ سفينةُ العمرِ بعيداً
أرائكٌ من القشِّ مرميّةٌ
بينَ أركانِ الصَّقيعِ
وداعاً يا زمهريرَ اللَّيالي
يا أزيزَ الرَّعدِ ..

انبلجَتْ مآسٍ قبلَ فجرٍ ضاحكٍ
تكسَّرَتْ أُصُصُ الرَّياحينِ

خبزٌ يابسٌ أصبحَ حسرةُ الحسراتِ
تناثرَتْ على امتدادِ الشَّاطئِ
أجسادُ طيورٍ برّيّة
اختنقَتْ بغازِ ثاني أكسيدِ الجُّنونِ

طافَتْ أبقارُ البحرِ
فوقَ وجهِ المياهِ
اصطدَمَتْ بمقدِّماتِ السُّفُنِ
حامَتْ فوقَهَا النُّسورُ
تنهشُ أجسادَها المنتفخة
شعاعُ الشَّمسِ
يزيدُ الأجسادَ انتفاخاً
حطامُ الرُّوحِ توارَى بينَ الضَّبابِ
الريحُ تزيدُ مِنْ وَهجِ الاحتراقِ
هربَتِ الأسماكُ
إلى أعماقِ القاعِ

انزاحَ الأفُقُ مِنَ الآفاقِ
ارتجاجٌ مخيفٌ
في صدغِ كوكَبِنَا

ذبُلَ الأقحوانُ قبلَ الأوانِ

نكهةُ الشمّامِ تخفِّفُ
مِنْ تعبِ النَّهارِ
يبسَتْ أغصانُ الزَّيتونِ

رؤى شاقوليّة تهرسُ الطُّفولةَ
لا تبالي بآهاتِ الشَّبابِ
رؤى طافحة بالرَّمادِ
تكسرُ خواصرَ الجِّبال
مغطَّاةٌ ببَرْدَعاتِ الحميرِ
آمالٌ منهارةٌ
تجرحُ أحلامَ المساءِ

ربّما يهطلُ نيزكٌ
فوقَ جبهةِ الحياةِ
فوق لُجينِ العمرِ

مَنْ يستَطيعُ أنْ ينقذَ كوكبَنا
مِنْ هجومِ النَّيازكِ؟!

عبثٌ أنْ يفكِّرَ الإنسانُ في الحروبِ
ضَرْبٌ من الجُّنونِ!

 أَجرامُ السَّماءِ مستاءَةٌ
مِنْ جرائم البشرِ
أينَ المفرُّ من غضبِ النَّيازكِ؟!

المقال السابقهجرةٌ إلى القصيدة
المقال التالىنصف قلب
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد