قوانين اللغة في العراق قبل 2003 وبعدها

 
الصدى- قوانين اللغة في العراق

يواجه العراق منذ سنة 2003 من تحديات كبيرة ومشكلات عسيرة في مجالات عديدة منها: السياسية والاقتصادية والادارية والتعليمية والاجتماعية والأمنية والصناعية والزراعية … وغيرها. أما السياسات اللغوية والتخطيط اللغوي فقد اتسمت بالانعدام والجهل . ومن ذلك: تعطيل المجمع العلمي العراقي الذي كان يتولى العناية باللغة العربية ورسم السياسة اللغوية في العراق بل اخضاعه للمحاصصة.

أما بيت الحكمة وهي أعلى مؤسسة علمية اليوم في العراق لارتباطها برئاسة الوزراء، فتعنى بشتى العلوم الانسانية الا علوم اللغة العربية. التهاون بتطبيق قانون سلامة اللغة العربية لسنة 1973 الذي يعد أقوى قوانين المحافظة على لغة الضاد. أما قانون اللغات العراقي لسنة 2014 فلم يقرّ اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة وانما مشتركة مع اللغة الكردية في جميع مناطق العراق فضلا عن إقليم كردستان، الذي باتت اللغة العربية فيه مهددة بالانقرض. وتكاد تنحسر اللغة العربية تدريسا ودراسة على وفق مناهج قديمة في أقسام اللغة العربية في الجامعات، وهي أقسام معزولة عن المجتمع ومؤسسات الدولة الثقافية والاعلامية وكذلك السياسية. فضلا عن أن الغالبية العظمى من تدريسيي اللغة العربية ليسوا مبدعين.

وهولاء لا دور لهم واضح وليس لهم فرص لبلوغ مواقع اتخاذ القرار ووضع السياسات اللغوية الرصينة والتخطيط اللغوي القويم. أما الاعلام فعلى الرغم من عجلته الكبيرة في العراق وكثرة المؤسسات الثقافية والعلمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الا انها لم تدرك أهمية رسم السياسات والتخطيط المستقبلي للغة، ناهيك عن المتصدين للمسؤولية في العراق وأصحاب القرار لا يعلمون بالسياسات اللغوية والتخطيط بل باللغة العربية نفسها وبأهميتها في التكوين الثقافي والعلمي والاجتماعي للبلد.. أولا: – أنموج من قوانين اللغة قبل ٢٠٠٣ ان أهم قانون يمثل السياسات اللغوية في العراق قبل سنة ٢٠٠٣ قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية رقم (64) لسنة 1977 والذي يعد مثالا للمحافظة على العربية ينبغي ان يحتذى به، وسياسة لغوية ناجحة أتت أكلها بإيجاد دولة ذات سيادة قوية، ذلك انه لا يمنح جميع اللغات – سوى العربية – أية فرصة للنمو أوالانتشار في العراق، ولا سيما اللغة الإنكليزية ويعد إنجازا عراقيا متميزا للحفاظ على اللغة العربية وهوية الامة. نلاحظ فيه شدة وحزما ضد أي لغة تزاحم العربية في العراق، بل يعد ثورة من ثوراتها على غرار الثورات العربية التي جعلت من اللغة العربية هدفها الأسمى كالثورة الجزائرية. ونلاحظ النّفس القومي والفكر الوحدوي والايدلوجي والثوري في الصياغة.

وقد ألزم القانون في نصوصه ومواده: كافة الوزارات وما يتبعها من الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والمؤسسات التعليمية والمصالح والشركات العامة وكذلك الجمعيات والنقابات والمنظمات الشعبية بالمحافظة على سلامة اللغة العربية، واعتمادها في وثائقها ومعاملاتها. وعلى المؤسسات التعليمية في مراحل الدراسة كافة اعتماد اللغة العربية لغة للتعليم في كافة انحاء العراق. ويجب ان يحرر باللغة العربية الوثائق والمذكرات والمكاتبات وغيرها من المحررات والسجلات والمحاضر التي تقدم إلى الدوائر الرسمية وشبه الرسمية ومنها المصالح والمؤسسات والشركات العامة، وإذا كانت هذه المحررات بلغة أجنبية وجب ان ترفق بها ترجمتها العربية. ويكون لممثلي الحكومة والمؤسسات حق الإطلاع عليها وتفتيشها بمقتضى القوانين والأنظمة. والعقود والإيصالات والمكاتبات المتبادلة بين المؤسسات اوالجمعيات اوالشركات العامة اوبينها وبين الأفراد ويجوز ان ترفق بها ترجمتها بلغة أجنبية عند الحاجة. واللافتات التي تضعها المؤسسات والمنظمات التجارية اوالصناعية على واجهات محالها، ويجوز كتابة ذلك عند الحاجة، بلغة أجنبية إلى جهات اللغة العربية بشرط ان تكون الكتابة باللغة العربية اكبر حجما وابرز مكانا.تكتب باللغة العربية العلامات والبيانات التجارية وبراءات الاختراع والنماذج التي تتخذ شكلا مميزا لها، كالأسماء والإمضاءات والكلمات والحروف والأرقام وعنوان المحال والأختام والنقوش البارزة. ولا يجوز تسجيل علامة تجارية تتخذ احد هذه الأشكال إلا إذا كتب باللغة العربية.

وتكتب باللغة العربية : البيانات التجارية المتعلقة بأية سلعة تم إنتاجها بالقطر العراقي، كما تلصق بطاقة اللغة العربية على المنتجات والبضائع التي تستورد من الخارج تتضمن البيانات التجارية ذات الصلة بتحديد قيمتها. وتجنب استعمال المصلحات الأجنبية إلا عند الضرورة وبصورة مؤقتة عند عدم توفر المصطلحات العربية. وعلى الوزارات ان تنشئ أجهزة لها تعني بسلامة اللغة العربية في وثائقها ومعاملاتها بما يكفل حسن تطبيق هذا القانون….)) ولم يكن القانون حازما في صياغته وبنوده فحسب، بل كان هناك حازما وشديدا في تطبيقه ومتابعته، مما أحدث تغييرا في المجتمع العراقي آنذاك ناهيك عن أجهزة الدولة ومؤسساتها العلمية والثقافية والإعلامية سواء القطاع العام أو الخاص، وأسهم في انتشار الفصيحة وتقليل العامية.

أما اللغة الإنجليزية وهي اللغة العالمية فقد انحسرت بشكل كبير. ثانيا: – وفي 07 كانون الثاني, 2014 صدر قانون جديد: (قانون اللغات الرسمية في العراق) ينأى عن القوانين اللغوية السابقة، ذلك انّه لم يحدد اللغة العربية اللغة الرسمية للعراق، وانما وقع في ازدواجية لغوية لم نشهد لها مثيلا في القوانين اللغوية السابقة، إذ أقرّ للدولة لغتين رسميتين، لأسباب سياسية: العربية والكردية في جميع البلاد، وجعلهما متساويتين، بحيث يحق للغة الكردية أن تكون لغة المخاطبات الرسمية في جميع البلاد فضلا عن إقليم كردستان. معنى ذلك ان لها حقين في الإقليم وفي عامة العراق، وهي سياسة لغوية تستند الى المكاسب السياسية من غير مراعاة السيادة الوطنية للدولة، ذلك أن السيادة الوطنية مرتبطة باللغة الرسمية للدول كما يقول المتخصصون بالسياسات اللغوية. فإنّ السياسة اللغوية الجديدة بعد سنة 2003 ستؤدي الى تراجع اللغة العربية في أجزاء من العراق. بل أدى الى موت للغة العربية في إقليم كردستان وبعض مناطق العراق تدريجيا، وهذا ما يحدث للأسف اليوم، فاللغة العربية في اقليم كردستان مهمشة. فالذي يزور إقليم كردستان لا يجد للعربية أثرا واضحا، تخلو منها حتى لوحات الدلالة ذلك انهم يجعلون اللغة الكردية اللغة الرسمية الأولى واللغة الإنجليزية اللغة الثانية. أما اللغة العربية فمهمشة في الإقليم لا تكاد تقرأ كلمة عربية في لوحات الدلالة في الاقليم كله. فاللغة العربية اليوم مهمّشة على المستوى الرسمي ومستوى الشارع الكردي في كردستان العراق والاهتمام بها ينحصر في مجال العمل والتعامل السياحي مع الوافدين، بل إن غالبية الأكراد يتعلمون اللغة العربية من الفضائيات بلهجات مصرية ولبنانية ومن النادر ان يتعلموا اللغة باللهجة العراقية. وكان على الدستور أن يمنح الأكراد حقوقهم اللغوية في الإقليم فقط لغة رسمية إضافية حتى ينالون استقلالهم، أما اللغة الرسمية الرئيسة لجميع مناطق العراق بما فيها المناطق الكردية، يجب أن تكون اللغة العربية. وكان ينبغي منح الأكراد حقوقهم لللغوية مثل سائر لغات القوميات الأقلية العراقية كالتركمانية والسريانية، التين أقرهما القانون لغتين رسميتتن في الوحدات الإدراية التي يشكل التركمان أو السريان فيها كثافة سكانية، كما نصت المادة التاسعة من القانون: وفي المادة العاشرة منح الحق لكل إقليم أو محافظة اتخاذ أية لغة محلية أخرى لغة رسمية إضافية إذا أقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام.

ان اعتراف الحكومة العراقية بلغات الأقليات العراقية حق مشروع لكونهم عراقيين وللمحافظة على كيانات مكونات الشعب العراقي وثقافاتها، وقد أقرّ القانون ذلك في المادة -7- يجوز فتح مدارس والكليات والمراكز الثقافية، ولجميع المراحل للتدريس باللغة العربية أو الكردية أو التركمانية أو السريانية أو الأرمنية او المندائية في المؤسسات التعليمية الحكومية أو بأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة وفقاً للضوابط التربوية. لكن المساواة بين اللغتين الكردية والعربية عمل سياسي في الحقوق في كل المجالات الرسمية للدولة: في التكلم والتعبير والمخاطبات الرسمية والأوراق النقدية والطوابع والوثائق الرسمي والجريدة الرسمية وجوازات السفر ولوحات الدلالة المرورية ولوحات الدلالة على الوزرات وإصدار الطوابع المالية والبريدية في جميع ما يتعلق بأمور الدولة في الداخل و الخارج وغير ذلك من المجالات الأخرى. وفي الإجتماعات الرسمية ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء الإتحادي ومجلس القضاء الأعلى والهيئات والمؤسسات الإتحادية الأخرى والاجتماعات الرسمية في إقليم كوردستان و برلمانه ورئاسته و حكومته. ان قانون اللغات العراقي منبثق من أهداف سياسية لا تراعي أهمية اللغة للسيادة والهوية الوطنية، فقد اعطى للكرد فرصة لتاسيس الكيان الكردي وساعدهم على الرغم من الإشكالات الداخلية في الإقليم والتنوع، فضلا عن ان المساواة بين اللغتين لا يمكن تحقيقه علميا ذلك لان الفروق بين اللغتين لا كبيرة، وان اللغة العربية هي اللغة الوطنية والإسلامية ينبغي تقديمها على كل اللغات في البلاد، وليس هي اللغة القومية فحسب فضلا عن ذلك ان اللغة الكردية ليس لها فصحى مشتركة وانما لهجات ولغات مختلفة فهي ليس لها مقومات اللغة الرسمية ولا رسوخ وثبات كالعربية .

وقد صدر كتاب جديد يؤكد على أنّ اللغة الكردية ليس لها مستوى اللغة الموحدة المشتركة الفصيحة ويصفها بأنها خليط من لغات ولاسيما اللغة الفارسية، فهي لا تملك المقومات التي تجعلها مساوية للعربية في القانون العراقي . وقد باءت حتى الآن كل المحاولات بتوحيد اللغة والألفبائية بالفشل نتيجة تسييس القضية داخل الأوساط الكردية، ومن أجل ذلك يحاول الأكراد تجاوز قضية التوحيد اللغوي والتركيز على ما أسماه الكاتب البعد الاستعمالي للغة. ومع ذلك فثمة اعتراضات على قانون اللغات العراقي من قبل بعض الاكراد، منشورة في بعض المواقع الالكترونية وبلغة عامية ينبو عنها الذوق، مثل ما ورد في موسوعة ويكيبيديا من نقد وتظلم بالعامية للقانون واتهامه بانه مجحف لا يساوي بين اللغتين العربية والكردية نحو قولهم: ويبدو السبب في موقف الكورد من اللغة العربية، ما شهده الإقليم من تهميش سابق، يقول: أحد أعضاء المكتب السياسي للجماعة الإسلامية الكردستانية: إن “تهميش اللغة العربية في كردستان العراق مرتبط بالانقطاع الكبير الذي حصل بين الإقليم وبغداد في السنوات التي سبقت سقوط نظام صدام حسين، فضلا عن وجود حملة قومية في كردستان لابعاد اللغة العربية وكان هذا دافعا لعدم الاهتمام بها في مراكز التعليم وتهميشها”.

لا تعليقات

اترك رد