الفنانة التشكيلية إيفار الحسيني و توظيف المستويات ما بين الرؤيا والرؤية


 

أسعدتني المحاولة الجريئة التي قامت بها فنانتنا إيفار هنا في علاقتها مع الجسد , فرغم قلة الحنكة لديها وهي ما زالت في بداية إقلاعها . إلا أنها وبتحد كبير ووسط أسماء لها باعها إستطاعت أن تهز تلك العروش الخلبية في أكثرها , و إستطاعت أيضاً أن تكسر أحد التابلوات المحرمة , إن لم نقل المقدسة , و هي بذلك تفعل فعلاً لا يناقض رؤياها , بل ترسم إشارة استفهام كبيرة للمتلقي كونها أنثى , فأن تلجأ أنثى إلى جسد أنثى لترتشف منه الجمال بتفاصيله المفقودة هنا قد تكون بعض الغرابة , بل قد تكون الغرابة كلها , فالكل يدلو بدلوه , والكل يخرج بعسل خاص به ويذائقته الفنية , لكن أن يكون الناقب هنا فنانة , أقصد أن تكون أنثى فهذا ما يلفت النظر و يكسر القاعدة , كما أن إختيارها للجسد بحد ذاته هو تحد جميل لقدراتها , فالعلاقة مع الجسد بدقائقه تحتاج إلى تجربة طويلة نسبياً , وهي مازالت تبحث عن مكان لخطواتها , و لكنها بهذا الإختيار ترفض مقولة الأجيال و العمر , فكما ولدت إحدى شخصيات سليم بركات كبيرة وبشارب ,

قد تكون إيفا من هذا الطراز , وبمجرد خوضها المغامرة مع الجسد فهي تقبل التحدي , بل تعلنه حين تقف مع جمهرة الفنانين الكبار و تقول ها أنا , و تأخذ حيزاً من الضوء يسمح لها أن تقول كلمتها , و بأن الكبير كبير بعمله , ولهذا هي لم تلتفت للقال والقيل , و لا مكان لهذه المفردات في قاموسها , و إلا لما إختارت الجسد كموضوع تقني فني لعملها , فهي ككل فنان غاصت في الجسد لترتشف منه ما زرعه الرب فيه , و أخفاه , من ثمار و حس و عطر وجمال , و هي بذلك تضيف توضيحاً آخراً للفن كرؤيا , و بذلك تحيلنا إلى الجسد ككيان أولاً , أي أنه ليس خارج الأشياء , بل هو حاضر ضمن دوائر قياسية و دلالية دون التخلي عن لحظة الإجتياح , و لهذا يظهر عملها محاذياً لمكون موجود مسيقاً , و إن كان ضمن التماثل أو التطابق مع النمط السائد , و ما ذلك إلا الدخول لعنونة الحالة و الخروج بمدونة موثقة عبر ألوان كلها توحي بالفهم العميق لهذا الجسد عبر مرآة اللون , فهي إستطاعت عنونة الحالة بإقتدار غير مجرد , ضمن إختيار تفاصيل دقيقة تشير بدورها إلى عمق نظرتها , مع إقتدارها على الغوص المتقن في آبار التكوين و في بحار الحس البللوري , كما أن لها و أقصد لفنانتنا إيفار مخيلة وثيرة مع تأنق فني تعبيري عبر تجريب أكثر من مستوى دون أن تنسلخ من المجرى العام للعمل , حيث تعقد و بتأمل حاد مع الإحاطة بكل الأطر , الداخلية منها خاصة , و ما هو كائن مع أن الأمر يتراوح قليلاً ما بين الإنبلاج و الخسوف , و على نحو خاص حين ترتطم بالشكل اللاهث إلى فضاء ذي نسغ للتحولات الجمالية , ثم نقلها من المستوى الشعري المعتمد على الرؤيا , إلى المستوى السردي التشكيلي التفصيلي المعتمد على الرؤية .

بيد أن هناك و بإنجاز إبداعي قدرة هائلة على توظيف مستويات الرؤيا لمستويات الرؤية , و على نحو أخص في سعيها إلى الإرتقاء في المعاريج الفنية ذي الطابع البحثي المقطر , مع الإمساك بعفوية التجربة ثم اللإصاح عنها بجرأة غير معهودة في الوسط التشكيلي الأنثوي على نحو عام , و في الوسط التشكيلي الأنثوي الكردي على نحو خاص , وهذه الجرأة كانت ستكتمل لو أنها لم ترم الرأس جانباً , كما أنها تتقن بلاغة اللون حين تقترب من بلاغة التفاصيل الدقيقة جداً لجسد خلقه الرب بكم كبير من الأسرار الجميلة , فإيفار تجسد و بروح حقيقية مناط بقوة الحدس مع قوة الفرشاة مع قوة الضامر من الحالة كمصدر لخلق إبداعي تبرز الكثير من خفايا التوترات الإجتماعية الولودة من الجسد كإحدى المقدسات , مع التدقيق على لحظة الإقتراب منه , و الحذر الشديد لأنك ستحس أنك بين حقل من الألغام , قد ينفحر فيك لغم ما في أي لحظة , و قد يكون الإنفجار لاحقاً , فإيفار تكسر عظام المكنون و تخرجه من حضن خصيلة غير ظاهرة تماماً , لكنها مخبوءة في أحشاء قد يكون الطريق إليها مسدوداً , و لهذا على الإبداع أن يفتح هذا الطريق , وتنجح إيفار في ذلك ولو جزئياً , خاصة حين تسرع في خطواتها و هي تقترب من التفاصيل التي قد تشكل هامشاً للآخر , لكن بالنسبة لها تشكل منجزاً جميلاً يقطر أصفى أنواع الحياة , مع التأصيل على فصول خارجية , داخلية , تقتربان معاً لدرجة الإلتحام وهما يولعان الحريق , فالحريق القادم من الداخل حين يهب يعدي الخارج بقوة مغناطيسية كبيرة , و لهذا جاءت ألوانها مستمدة حيويتها من هذا الحريق الخفي , كما أن التجانس الكبير بين الجسد الموجود في العمل وبين الخلفية جاء كنسج وصفي خلقي لأسلوب إيفار و إستعابها للحالة تماماً ,

و أخيراً أعود و أقول كان على إيفار ألا تتخلى عن الرأس مهما كان دافعا لذلك , فهي بذلك كادت أن تحول هذا العمل الجميل إلى عمل وظيفي تشريحي , فإقترافها لهذا الجرم بحق عملها أخفت الملامح التي هي من صفات الوجه و بالتالي أبعدت الروح قليلاً , و لهذا تحس أحياناً أنك أمام تكوين مجسم , ليت إيفار نركت الرأس بتفاصيله لإكتملت اللوحة و لإكتملت جرأنها تماماً مع العلم أن هذا العمل تم تنفيذه إرتجالاً ضمن ورشة عمل على هامش معرض أقيم قبل فترة في مدينة آمد ( ديار بكر ) بتركيا شارك فيه ما يقارب 200 فناناً و فنانة جلهم من الأكراد .

لا تعليقات

اترك رد