الإعلام الليبي وأصوات “الكلاشينكوف”


 

علاقتي بالإعلام الليبي مراقبا وعاملا تمتد لأكثر من خمس سنوات متتالية، بدأتها مع بداية ثورة شباط/فبرار 2011 كمراقب، ثم رئيس تحرير لعدة قنوات، ولازلت حتى الآن أعمل في هذا الحقل بإختلاف أنواعه من مقروء ومرئي.. وهذا ربما يعطيني بعض الحق في الحديث عن أزمة هذا القطاع في ليبيا كباقي القطاعات التي تم “تسيسها” واستخدامها لتمرير أهداف قبائلية ومناطقية وإقليمية أحيانا.
ولست هنا في مجال تقييم كل مؤسسة وأدائها، فالكل له سلبياته لكن له أيضا إيجابياته وأخباره ومساهمته في التغيير، لكن الهدف من مقالي “النصح من أجل إعلامي مهني نسعى له جميعا حبا في بلادنا واستقرارها”.
وجاءت الأحداث الأمنية المتناثرة في أغلب ربوع ليبيا شرقا وغربا لتضع مصداقية الآلة الإعلامية في ليبيا على المحك، وتكشف ما عليه هذه الأدوات من حالة تناحر لا تقل عن تناحر الساسة والعسكريين.
ومع ارتفاع أصوات “الكلاشينكوف” بين المتحاربين في ليبيا حول السلطة والنفوذ أو حول تنازع الشرعية أو حول فرض الواقع، تبخرت بعض المصطلحات الإعلامية التي تتشدق بها كل مؤسسة في بدايات تأسيسها، مثل الحيادية والمصداقية وتحري الدقة، وأصبحت كل أداة وخاصة القنوات الفضائية لسان حال قبيلتها أو منطقتها أو حزبها السياسي، وأصبح التناول تحكمه الأهواء والميول الأيدلوجية والنزعة القبلية، وتاهت المعلومة والحقيقة واستمر الاقتتال والتأجيج.
أزمة الإعلام الليبي تتلخص في، أمرين: الأول خاص بالدولة ومنها: وضع ميثاق شرف إعلامي يحكم الأداء وينظمه، وتوفير المعلومة الصحيحة والدقيقة، سرعة تعاطي المسؤولين الليبيين ومكاتبهم الإعلامية مع وسائل الإعلام، والرد على أي مغالطات في وقتها، كذلك تأهيل الناطقين باسم الدولة ومؤسساتها للحديث والتواصل مع الإعلام.
وأسباب ترجع إلى المؤسسات نفسها، ومنها: مراعاة ما عليه البلاد من حالة احتراب وتناحر حال الحديث عن أمور عسكرية متأججة أصلا، تقديم مصلحة الوطن والمواطن على المصالح المناطقية والسياسية، جعل المعلومة الصحيحة والدقيقة أهم من العاجل والحصري، استشعار الإعلامي للمسؤولية تجاه وطنه بكل ربوعه، البعد عن التأجيج المدفوع الثمن (أحدهم ظل عدة ساعات ينقل أحداث أبو سليم الأخيرة، مع وضع بعض “التحبيش” المؤججة، في حين أنه كان في سبات وإجازة من التأجيج تجاه ما يحدث في بنغازي وقنفودة في الشرق).
أبرز المحطات الليبية موزعة بين مصر والأردن وليبيا، والقنوات في الخارج تشتكي من غياب المعلومة الحقيقية أو ما يسمى مراكز المعلومات، وتشتكي أيضا من ضعف التعاطي من قبل المكاتب الإعلامية للدولة، وهذا واقع عاصرناه فعليا، لكنه ليس مبررا أبدا للتحريف وتقمص شخصية المسؤول، أو فرصة للتصيد والعزف على معلومات غير دقيقة أو منتقصة حتى تفرغ القضية من مضمونها، ولا يخفى على أحد أن أغلب هذه القنوات، لها خصومها السياسيين التي تود إقصائهم أو القضاء عليهم بضرباتها الإعلامية القاضية.
وفي الداخل الليبي، لايقل الأمر سوءا عن قنوات الخارج، فقنوات طرابلس تجعلك في حالة انتشاء دائما وشعارها “الأمور تحت السيطرة”، والنفي سيد الموقف، ففي ظل اشتعال حالة الاقتتال الأخيرة في أبو سليم بطرابلس، تجد على شريط أخبار بعض القنوات في طرابلس والداعمة لتيار معين أنه “لاصحة لوقوع اشتباكات”، وحتى في تغطيتها تسعى جاهدة للنيل من خصمها السياسي أو المناطقي على حساب المهنية والتغطية المعتدلة، والأمر كذلك في الشرق الليبي الذي تعد قنواته هناك لسان ناطق باسم من يتحكم فيها وفقط، وبعضها أصبح للتسلية والضحك من كثرة الأكاذيب التي يذيعها.
إذا الخريطة الإعلامية في ليبيا، وليست كلها سيئة، تحتاج إلى إعادة هيكلة ولن يتم ذلك في ظل غياب الدولة وفشلها التام في ملف الإعلام سواء على مستوى الناطقين أو مؤسساتها الإعلامية والتي أصبح بعضها أيضا خصم سياسي لآخرين، سيتم ذلك على أيدي أبناء الحقل الإعلامي وفيه كثر مهنيين وأصحاب رؤية معتدلة ومهنية لكن حتى الآن يتم استبعاد هؤلاء وإقصائهم من أي منصب إعلامي وتمكين الهواة وماسحي الجوخ، وهو ما سيجعل أصوات الإعلام مشوشة وضوضائية مثل أصوات “كلاشينكوف” الميليشيات المسلحة شرقا وغربا…
لكن يظل الأمل باقيا في بعض المؤسسات التي تناضل من أجل البقاء وضعف التمويل، ولعل باقي المؤسسات، في حالة صحوة ضمير، تتخلى عن أجندتها الضيقة وتستشعر المسؤولية تجاه بلد مزقته الحروب والاقتتال.. حفظ الله ليبيا وأهلها وكل ربوعها شرقا وغربا وجنوبا.

لا تعليقات

اترك رد