أنيستي يا عبق الأنس في غربتي …أيا غريبتي


 
(لوحة للفنان عبد الصاحب كاظم)

أعجبتك رواية الأخوة في حديثنا السابق …فتنهدت و انفطر القول من فيك كعقد رقيق جذبته يد ثقيلة فانثالت حباته متسارعة الواحدة تلو الأخرى و كل حبّة تسقط من شفتيك توقع في قلبي نقرة يرتجّ لها كامل الجسد …
أما حبتك التي علّمت على خارطة تجاويف القلب و أحدثت صدى في نفسي فتلك التي أطلقت العنان لحديثك الجزل عن أخيك الأصغر ..
ذاك الأسمر ذي العينين السوداوين البراقتين ..ذاك الذي متى تكلّم ترقرقت الألفاظ في حلقه كنغم عاشق جميل ..أي نعم ..بلغني صدى حبّك للأسمر ممتلئ الجسم بديع المحيّى و تخيلته أمامي منتصبا على حافة فراشك و هو يواسيك مصابك ..كنت قلت لي أنّه ملاك الرّحمة و أنّه صاحب ابتسامة عريضة و سعة من ربّ شاء له و قدّر الهناء ..و أنّك به تحتمين رغم أنّه الأصغر لما منحه الله من قدرة على البذل و الإغداق و العطاء ..تحدثت عن بره بوالديك و بأمكما خاصة بعد وفاة الوالد العظيم و وصفت أدقّ تفاصيل سلوكه مع أمّكما فحببتني فيه و تمنيّت في سري لو أنّه يلقي دروسا في نبل البرّو نعمة إرضاء الوالدين ..سررتني أنّه كان يحضن والدتكما إذا مرضت و يسير بها محتويا إلى العربة بكل ثبات و من ثمّ يسعى إلى أقرب نقطة صحيّة و لا يهدأ له بال إلاّ متى طمأنه الطبيب على وضعها …و قلت كذلك أنّه كان يجلب بين يديها ما لذّ و طاب و لا يخلو له تجوال في رحاب المروج صيفا أو شتاء إلاّ و هي بصحبته …جميل هذا الأخ و طوبى لك به و لي كذلك لأنّنا في نهاية مطاف الغربة و أنسنا شقيقتان غريبتي غاليتي و من نفسي قريبة …كنت و انت توصفين هذا الوتد تبسمين مرة و تقطبين أخرى و تنفرج شفتاك أحيانا و تزمان أطوار …و كان حديثك عنه يسري في خلايا جسدي مسرى مرهم الدّم يصفى و ينقى من شوائب الدهر …
آه غريبتي ما أحلى ربّ ألهمنا إخوة أو أخا كما وصّفت و ما أقسى حياة تبذر إخوة بطعم الشّوك ..أي نعم بطعم شوك… كلّما غاصت يد أخت في يد أخيها باحثة عن أمن الأخوّة و طيب والد مفقود تشّكّ الشوكة في حلق أطراف الأصابع فينزف سائل شفاف غير مرئي قان ليغمر القلب و الوجدان و تسيل على إثره دموع ساخنة حارة من ماء النار تكوي المقل و تعدم بؤبؤ كل عين و ترديها عمياء محجوب عنها رؤية القلم ..فلا ترى حولها و أمامها و من تحتها غير برك دم عتّمت رؤيته عن غيرها …
أيتها الغريبة ما قصتك و ما خطبك و ما علاقتي بك و ما درجة حضورك في حياتي و كيف لي بك و أيّ هاتف ناداني لكونك و أرسلك من هناك إلى هنا …
كم تسرني فضفضتك و كم تحدثت تلك الليلة عن بقية إخوتك و كم أشعرتني بأنّني منك و أنت مني و أنّ على ناصيتك معقود كل خير الكون … أفلا تكونين حصان طروادة أو فرس طارق أو خيل بني مالك ….!!!؟؟؟
سعيدة جدا أنا بك و بأخ علّم عندك و أثرى كوني

شارك
المقال السابقجلسات البرلمان
المقال التالىالعقد العراقية المعتقة
صالحة جمعة كاتبة وشاعرة من تونس.. استاذ فوق الرتبة اختصاص عربية.. متحصلة على الماجستير و بصدد الدكتوراه اختصاص ادب مديرة معهد و عضو في كوكب الواحة للمسرح ... مستشار لغوي لشركة آفا آر... رئيسة جمعية لقاء الفنون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد