نبي بلا اتباع يحاور الامواج ويخاطب النجوم – ج3

 

هذا هو الجزء الثالث من كتاب جديد بعنوان نبي بلا اتباع استعيد فيه ذكرى رجل من اهل الفقه والعرفان جدي الفقيه احمد بن عبد الله القنطراري، الذي كان واحدا من حملة الرسالة واشاعة نور العلم وخدمة كتاب الله في القرن التاسع عشر، في تلك الفيافي والقفار التي يتفشى فيها الجهل، وكان يفخر ان بين تلاميذه الذين علمهم القرآن الافا يحملون اسم النبي محمد عليه صلاة الله وسلامه، استعيده في هذا الكتاب واستعيد عن طريقه نوعا من ادب التأملات والخواطر العرفانية التي سبق ان قراناها في انتاج اسلافنا العظام امثال جبران خليل جبران ومي زيادة وميخائيل نعيمه وكبار ادباء الفرس امثال مولانا جلال الدين الرومي عليهم جميعا رضوان الله

الرجل الرسولي القادم من الغيم

الذي حباه الله بمحبته، وانعم عليه بالكمال الروحي، واصطفاه مع من اصطفاهم للحضرة القدسية، متنكّبا سبيل المتوحدين بين مدارج السالكين، ملبيا نداء النور الاعظم عندما يقول ” يا ابن ادم اطلبني تجدني، فاذا وجدتني وجدت كل شيء”

هبطت نجمة من اخر الافق وجلست على حافة الموجة تريد ان تسمع حوار اصداء السيرة الذاتية مع عبد ربه التائه) وهو الحكيم الذي اختاره نجيب محفوظ قناعا لنفسه في كتاب اصداء السيرة الذاتية)

الشيخ عبد ربه التائه : فى الصحراء واحة هى أمل الضال.

فجاء رد القادم من الغيوم على الوجه التالي:

طوبى لمن أعطاه الله بصيره يرى بها تلك الواحة، فلا يبقى تائهاً فى صحراء الحياة حتى الهلاك.

قال الشيخ عبد ربه التائه : الحاضر نور يخفق بين ظلمتين.

فجاء رد القادم من الغيوم متوافقا مع ما قاله الشيخ عبد ربه قائلا:

هناك ظلمتان أشد قتامة، يسير بينهما الإنسان، هما ظلمة الرحم وظلمة القبر، فطوبى لمن جعل يأته بين هاتين الظلمتين بقعة نور، لا ظلمة ثالثة موصولة بظلام البدء والمنتهى.

:

الشيخ عبد ربه التائه : ما أجمل راحة البال فى حائق الورد.

فجاء رد القادم من الغيوم محذرا:

حذار، حذار، أن تذهب إلى هذه الحدائق، مثقل القلب بالأحزان والهموم لأنها سترى فى ذلك إهانة لها، واستهاراً بجمال الوانها وبهجة أريجها، وستحل عليك نقمة الورود وتلاحقك لعناتها.

:

الشيخ عبد ربه التائه : أنه يطاردنى من المهد إلى اللحد، ذلك هو الحب.

فقال القادم من الغيوم يرحب بما قاله الشيخ ويثني على بهاء هذا المقام وجماله:

هذا مقام لا يبلغه إلا الأصفياء الأنقياء من أمثالك ياشيخ عبد ربه التائه، وكاتب سيرتك نجيب محفوظ، الذين يطاردهم الحب أينما ذهبوا، أما عامة الناس من أمثالنا فأقصى طموحنا هو أن نطارد الحب حتى نلحق به.

:

رأى الشيخ عبد ربه التائه، الحياة تراقص الموت، فراعه المشهد الرهيب الذى رآه، وهو يعلم أكثر مما نعلم، أنهما مترابطان، لا وجود لأحدهما بغير الآخر، ولكن رهبة الموت، شئ متأصل فى قلوب البشر، بمن فيهم عباد الله الصالحون، الموعودون بالحب فى الدنيا والآخرة، أمثال الشيخ الحكيم عبد ربه التائه.

:

الشيخ عبد ربه التائه : حذار، فإننى لم أجد تجارة هى أربح من بيع الأحلام.

فقال القادم من الغيوم تعقيبا على ما قاله الشيخ:

إلا أن فرسان هذا العصر، اعتبروها بشارة واجبة التنفيذ، فبنوا للأحلام مصانع، تتولى تعليبها وبيعها فى أشرط مرئية ومسموعة، وسخروا العلم لإنشاء هذه الأقمار الصناعية التى تزاحم كواكب السماء وثبت إرسالاً مرئياً يعبر القارات، ويبيع الأحلام لسكان الأرض، داخل غرف النوم، فى شكل برامج وأفلام وعوالم من الوهم والخيال، جعلت من تجارة الأحلام، أعظم تجارة فى الدنيا.

القادم من الغيوم

أناس شغلتهم الحياة، وآخرون شغلهم الموت، وآخرون لا يفعلون شيئاً غير الانشغال بالموت والاحتفاء به والسير حثيثاً إليه وهؤلاء هم الأحياء الموتى.

القادم من الغيوم

وهذا ما نراه يحدث كل يوم، من مجاديب هذا العصر الذين يشربون الهواء ويطلقون صيحات القتال ضد أعداء وهميين، فى حين يهربون من المعارك الحقيقية التى يخوضها أهلهم مع أعداء من لحم ودم.

القادم من الغيوم

لا يرى الكون، إلا فى ضوء الحب، فهو خيط يصل الدنيا بالآخرة، ويصل الأرض بالسماء، ويصل الإنسان بخالقه، ويصل الحاضر بالماضى والمستقبل، ويصل الأزل بالأبد، ويعطى للوجود معنى فى مواجهة العدم ولذلك :

“اللهم من عليه بحسن الختام، وهو العشق”

و الختام قال النبي القادم من الغيوم

بمثل ما يكتسح الطوفان الأول العالم القديم، ليهلك أهله الفاسدين، فلا تنجو إلا فئة قليلة من الأخيار، فإن الشيخ عبد ربه التائه، ينتظر طوفاناً جديداً، يكتسح كل هذا الفساد، فلا تبقى إلا قلة من الأخيار، تنشئ للبشرية مدينة جديدة، تنبعث من أحضانا حياة أكثر نقاءوصفاء، وأعظم بهجة وجمالاً هى مدينة الغد.

مخاطبة

ومن اقوال النبي القادم من الغيوم التي خاطب بها الموج عندما ارادت موجة عذراء ان يتكلم عن الحب فاجابها

اتح لي مكانا في قلبك مهما كان ضئيلا ، صغيرا ، لا تزيد مساحته عن مليمتر واحد ، وستجدني هرعت للاقامة فيه سعيدا.

لا تقل عن احد الناس انه يكرهك ، قبل ان تختبره بنفحة من الحب مهما كانت ضئيلة لا تزيد عن قطرة عطر ، ثم رأيت حقا انه فشل في الاستجابة لها .

الحب عملة يتبادلها الناس ويصرفونها لبعضهم بعضا ، واذا اختفت هذه العملة في مجتمع من المجتمعات ، حلت مكانها دون ابطاء ، عملة اخرى اسمها الكراهية .

هناك اناس كرسوا حياتهم للحب ، فلا يحملون في قلوبهم الا حبا، ولا يقدمون للناس الا حبا ، بمن في ذلك ، اناس يسيئون اليهم ويحقدون عليهم ويضعون الاشواك في طريقهم ، وهناك من ابتلاهم الله بسحائب سوداء من دخان الحقد تملأ قلوبهم وتطبق على عقولهم وتغمر الارض والسماء من حولهم حيث يعيشون ، فلا يتنفسون ، قاتلهم الله ،ولا يرون ولا يقدمون للاخرين الا نفثات من دخان الحقد الاسود الكريه .

سؤال

هل يمكن للانسان المجبول على جبلة الخير ، ان يغير طبيعته ويزرع في قلبه بدل الشر خيرا ، وبدل الحقد حبا ؟

شواهد كثيرة في التاريخ تقول انه ممكن ، بدليل ان كثيرين من اهل التقوى والصلاح والتصوف والولاية ، بدأوا اشقياء يعيشون حياة سفه وفسق ،او يمتهنون مهنا تتصل بالنهب وقطع الطرق .

كرم

الذين ينثرون حبوب الحنطة والدرة ، كرما وعطفا على الطيور ، ويطعمونها استجابة لعاطفة انسانية نحو هذه الكائنات الجميلة البريئة ، ينتقصون كثيرا من انسانيتهم ويسيئون اليها ، اذا نصبوا تحت ما نثروا الشباك ، ليتحول عطاءهم الكريم الى فعل خديعة

واحتيال وقتل .

لا يكون العالم عالما الا بما يحتويه من تنوع واختلاف ، ولذلك فلا سبيل لان يكون الناس من طباع واحدة ، ولا ان يحل الضوء محل الظلام ، ولا الطقس المعتدل المشمس الجميل ، مكان الرياح العاصفة وامطار الثلج ، وشتاءات البرد والجليد ، الا ان الخالق ، مع ذلك ، خص الانسان بارادة لم يخص بها سواه من الكائنات ، يستطيع بواسطتها ان يصنع شمسا دافئة تضيء على الدوام عوالمه الداخلية .

مديح الضياء

· إذا لم تستطع أن تكون شمساً تملك طاقة من الضياء تشع على الدنيا التى حولك، فلا أقل من أن تكون بدراً يعكس ضوء شمس بعيدة.

· ابتعد عن إنسان يملأ قلبه الظلام لأن كل ما فى الكون من شموس لن تستطيع أن تضئ قلباً قرر أن يكون ربيباً للظلام.

· الظلام طمس للأشياء والضوء كشف لها، الظلام يأتى وحيداً لأنه محو لحضور الأشياء الأخرى وإقصاء لها، بينما لا تكتسب الأشياء وجودها إلا فى حضور الضوء.

· ينتهى النور حيث يبدأ الظلام وينتهى الظلام حيث يبدأ النور وهما فى حالة موت وولادة ليلاً ونهاراً يتعذبان على أحلام البشر الفانين، وينسجان لأبناء أدم ثوب الفناء.

· دعوة يضئ أنه قنديل يبحث عن ظلام لضوئه.

· الجحيم ليس إلا نوراً، زاد عن حده قانقلب إلى ضده.

· التطور الحضارى فى جزء كبير من معانيه ومضامنيه، حرب ضد الظلام، وإلا فماذا نسمى اكتشاف الكهرباء؟

· أليست مفارقة غريبة أن يكون توأم النور هو الظلام.

· سؤال: من هو عاشق النور الأول فوق كوكب الأرض؟

· جواب الديك.

· هناك فى الكون ثقوب سوداء تبتلع النجوم، هناك فى عالم الشرق، ثقوب سوداء، تبتلع النبوغ والعبقرية من أسمائها، القمع والاستبداد والطغيان.

· هناك نور فى قلب الظلام يعرفه رجال طه حسين وهناك ظلام فى قلب النور يعرفه كل الذين حاربوا طه حسين باسم الدفاع عن الدين.

· هناك كائنات بشرية تنتمى إلى الظلام وكائنات بشرية أخرى تنتمى إلى النور ولكى نكون منصفين فإن تحية كل فريق من هؤلاء يحب أن تكون مختلفة.

· تحية أهل النور يجب أن تكون عموا صباحاً، وتحية أهل الظلام يجب أن تكون عمواً ظلاماً.

*هناك ضوء فى آخر النفق، ولكن طوبى لمن يستطيع أن يراه.

*هناك أناس لهم فى اسمهم نصيب حمدى قنديل مثالاً.

*هناك نار فى الصحراء “اشغلها ذات يوم بعيد عمر المختار”.

· أنها ما زالت على مدى الدهر تضئ.

· الضوء لا يخاف ولا يختبى، ولا يرتدى أقنعة إلا أنه يتلون.

· الأفق المضيء الذى نراه فى الطبيعة لا يبقى دائماً مضيئاً لأن هناك ليلاً سيدركه ويغمره بسواد ظلمته.

يبقى مضيئاً فى حالة واحدة عندما ننقله فى قلوبنا، ونحتفظ به متوهجاً فى سهوب الذاكرة.

ليس كل ما يلمع تحت مسقط النور ذهباً، إلا أن النور مهما كانت تنوعت مصادره وتغيرت الأماكن والبيئات والأشياء التى يسقط فوقها، يبقى هو النور الذى لا يستطيع تزييف هويته، فهى واضحة مثل وضوحه.

*نحاول رشوة الزمن، فمنح التقويم والنتائج أسماء ننسبها إلى النور، أنه لا يستطيع تزييف هويته، فهى واضحة مثل وضوحه.

· نحاول رشوة الزمن، فنمنح التقويم والنتائج أسماء ننسبها إلى النور، ونقول عن هذه الأشهر شمسية، وعن أشهر أخرى قمرية ومع ذلك فإن الزمن لن يتوقف عن معاملة الغادرة لبنى الإنسان.

· مضى لكنه زرع قبل أن يمضى نجوماً فى قلوب الناس، تضئ عبر كل الفصول وتعاقب الأجيال، وذلك هو الكاتب.

· يقترن الليل فى الأساطير والمأثور الشعبى بالأشباح.

· ولكنهم نادرون جداً أولئك الذين رأوا هذه الأشباح.

· لأن رويتها تحتاج إلى بصيرة لا يملكها إلا صفوة من البشر.

· ما كان الضوء لولاً الظلام.

· إذا أشرقت الشمس فكل مصابيح الكهرباء، وكل الشمعدانات وكل الشموع لا يبقى لنورها أية قيمة فى الظلام، تصبح الشمعة الواحدة عيداً.

· تستطيع أن تبحث عن ركن مظلم تختفى فيه من إنسان يلاحقك، ولكن أين يستطيع أن يختفى ذلك الإنسان الذى يلاحق أعداء لا وجود لهم إلا فى عقله.

· وإذا كان الليل فضيله، فهو يزعمنا خلال حلكته الدامسة التى لا نرى من خلالها شيئاً حولنا، أن ننظر فى نفوسنا ونتأمل الأشياء والكائنات التى تتحرك فى عوالمنا الداخلية.

بستان

الحب بستان يطرح اشهى الثمار ، وينشر العطر الزكي ،والحقد نار تحرق وتنشر الدمار .

·

غذاء

يتغذى الحب بموارد كثيرة من اهمها الخيال، فحب لا يدعمه رصيد كبير من الخيال محكوم عليه بالسكتة القلبية .

ـــــــ

يأتي الحب كهبة الهية ، يهبط على صاحبه بمثل ما تهبط مائدة من السماء ، وهذا هو حب المحظوظين الذين ليبذلون جهدا في الحصول على الحب ، ولكنه ايضا يأتي بالعمل المضني والجهد والمعاناة ، فيكتسبه صاحبه اكتسابا، وينتزعه من اعماق الأفق انتزاعا دون ان يكون هبة ولا منحة.

ـــــــ

ليس سهلا ان تعثر بسهولة على الحب الذي حلمت به ولكن الأمر الأكثر صعوبة ومشقة هو ان تتمكن من ان تحافظ عليه .

ـــــ

ليس في الحب رابح اوخاسر فإما يربح العاشقان معا او يخسران معا.

ــــــ

الحب في حالة أهل التصوف،هو الحلول ، وفي حالات أخرى نادرة هو التوحد مع المحبوب والاندماج فيه ، كما عبر عنه الشاعر

من أنت أنت ومن انا

اثنان ام احد هنــــــا ؟

اما في حالات الحب ذات الشيوع والانتشار ، التي تحدث بين العاديين من النساء والرجال ، فان الحب هو انتفاء المسافات بين كياني المحب والمحبوب ، دون ان يذوب احدهما في الآخر.

ــــ

تربط القصص الرومانسية الحب بالعزلة والبعد عن البشر في جزيرة او غابة او شاطئ مهجور او برج فوق قمة الجبل ، لضمان الاستمرار لهذا الحب قويا جياشا بعيدا عن بقية البشر، لانها تفترض وجود عنصر شرير لدى هؤلاء البشر يؤذي الحب ويسعى للقضاء عليه.

ـــــ

المحب يفيض بحبه على العالم ، ولذلك نجد الفتي العاشق في الأفلام الرومانسية يعانق الأشجار ويحتضن أعمدة الكهرباء ويغني لاحجاز الطريق فرحا وغبطة ، وهنا يصبح الحب ملح الأرض واكسير الحياة والوجود ، بينما يفعل الحقد العكس ، عندما يفيض الحاقد بحقده على العالم ويدمر نفسه ويدمر الآخرين ، كما نرى في كثير من الانتحاريين هذه الأيام ، الذين يقيمون إقامة دائمة في نشرات الأخبار ويفجرون أجسادهم في المقاهي والفنادق والأسواق الشعبية

يزرعون الموت والدمار بين الناس.

ـــــ

القلب المفعم حبا تراه مضيئا مثل نور الشمس ، والقلب الذي خلا من الحب تراه مظلما مثل غلس الظلام.

ــــــ

الحب اعمي عن قبح الحياة ، فهو لا يرى الا كل شيء جميل.

ـــــ

اقترب من الحب برفق ، وتحدث اليه باسما هامسا ، ولا تحتد في الانفعال في حضوره قولا أو فعلا ، لانه ناعم كأوراق الورد ، مهما بدا امامك كبيرا قويا عتيا .

ــــ

الحب يظهر في النفس اجمل وانبل ما فيها ، بينما تظهر مشاعر النقمة والغيرة والحقد ابشع ما في نفس الإنسان.

ــــ

الحب لا يعرف الحسابات ، وما اكثر العشاق الذين القوا بأنفسهم ، عن رضا وطواعية ، الى التهلكة ، من اجل من يحبون .

ـــــ

هل الحب نعمة ينعم بها الإنسان في مرحلة الشباب فقط ، ام هو دوحة تفيء بظلالها على اعمار اكثر تقدما ، هذا يحدث احيانا بالتأكيد ، ولكن الحب باعتباره ربيع الحياة ، فلابد ، بالضرورة ،ان يلتقي باستمرار ، مع ربيع العمر اكثر من التقائه بفصول العمر الأخرى .

ــــ

يوجد في العالم أناس يملكون كل أسباب العيش اللذيذ السعيد ، واخرون لا يملكون شيئا من هذه الأسباب ، والانتقال من معسكر التعساء المعدمين الى معسكر الحياة اللذيذة ، دائما شديد الصعوبة

، الا في حالة واحدة، هي حالة الدخول في الحب ، لان من يملك حبا يكون قد وضع في يده مفاتيح السعادة ووصل الى منابع الفرح والهناء.

ــــ

للحب أعداء كثيرون ، يسعدهم مطاردة الحب والمحبين ، وهم أولئك الذين تسميهم الأغاني العواذل ، وهؤلاء هم الأعداء الخارجيون ، الذين لا يفلحون دائما في تحطيم الحب كما يفعل الاعداء الداخليون ، أي الموجات السالبة الموجودة في قلوب المحبين انفسهم ، واخطر هذه الموجات السالبة التي تقتل الحب ، الغيرة .

ــــــ

نعم ، هناك قصص حب تصل الى نهايتها، بعد ان تكون قد استنفذت أغراضها واعطت أصحابها قسطا وافرا من السعادة ، مشكلة بعض الناس انهم لا يغادرون محطة هذا الحب بعد ان يغادرهم ، ويظلون جلوسا حول رماده ، يخدعون انفسهم وينتظرون الحصول على الدفء من هذا الرماد ، بدل الانتقال الى مواقع اخرى في الحياة تعد بانوار جديدة ودفء حقيقي .

ـــــ

يقول جلال الدين الرومي لا سبيل لملامسة السماء الا بقلوبنا ، لان هذا الشاعر الصوفي الجليل يعرف ان للقلب امكانيات لا يحلم بالوصول اليها أي عضو آخر من اعضاء الانسان او ملكة من ملكاته بما في ذلك العقل.

ـــــــ

بالحب وحده نتملك العالم ، وننتصر على عوامل القهر والإحباط فيه .

ـــــ

تتساوى القلوب في احجامها تشريحيا، ولكنها تختلف سعة وضيقا بمساحات غير محدودة ، فهناك قلب بسعة السماء ، وآخر في حجم ثقب الإبرة ، وهي ايضا تتساوى عند التشريح في الوانها ، ولكنها تختلف في مقاييس العواطف والحب والانفعال ، فهناك قلوب لها لون الصباح لحظة شروق الشمس ، واخرى لون الليل في حلكته وانغلاق حلقاته .

ــــــ

اجابت على سؤاله بالصمت ، لانه في مراحل الحب الاخيرة ، وعند وصول العلاقات الى خواتيمها ، ينضب الكلام فلا يبقى غير الصمت ،فالصمت يكون في احيان كثيرة اقوى بلاغة وتعبيرا من الكلام ، فهو يختزل مسافات ويعبر افاق ويحرق مراحل ويصل الى المناطق البعيدة والعميقة التي يعجز الكلام عن الوصول اليها.

ــــــ

لماذا تتبدل ورود الحب الحمراء ، ذات النضارة والرواء ، وتتحول الى ورود ميتة، ذلك يحدث لان الحب مثل شجرة الورد ، لابد ان تموت اذا لم نتعهدها بالرعاية والعناية ونسقي جذورها برحيق القلب .

ــــ

الحب في مجتمعات الكبت والحرمان له لون آخر ، وشكل اقل صحة وعافية منه في المجتمعات المفتوحة ، فالطفل الذي يشتاق في طفولته للحصول على حبة تفاح ولا ينالها ، لن تشبعه حمولة سفينة من التفاح عندما يكبر ، وهكذا هو الحرمان في الحب ، فمن عاش في صباه وشبابه الأول محروما منه ، لن تستطيع حمولة سفينة من الحب ان تشبع جوعه في مراحل العمر المتقدمة.

عبقرية الحب تكمن في هذا التنوع الغزير لانواعه ، فالانسان يحب اشياء كثيرة بانواع كثيرة من الحب ، فهو يحبا ابا او اما او شقيقا اوشقيقة ، بطريقةغير تلك التي يحب بها امراة اراد ها ان تكون شريكة لحياته ، وهو يحب كاتبا من اجل ادبه ، او فنانا من اجل فنه دون معرفة شخصية بكليهما ، وهو غير الحب الذي يحب به صديقا او زميلا في العمل ، وهو يحب مكانا رآه في احدى سياحاته واعجب بجمال مناظره ، بغير العاطفة او الطريقة التي احب بها مكانا اليفا عرفه في طفولته ، رغم خلوه من اي جمال ، وفي اعتقادي فان نصيب الانسان من السعادة ضعفا او قوة ، نضوبا او غزارة ، يتوقف على مدى قوة او ضعف مصادر الحب في نفسه ، فاذا كان الحب قويا وغزيرا كانت السعادة كذلك ، فهما يرتبطان ببعضهما ارتباط شعلة النار في القنديل بالزيت الذي يغذيها ، فهي تخبو اذا ضعف الزيت ، وتزداد قوة وانارة اذا كان الزيت غزيرا .

نجمة تخاطب موجة

وعندما ارادت النجمة التي هبطت من الافق ان تسمع مزيدا من الحوار بينه وبين عقل كبير من عقول البشرية ، اجابها وهو يستحضر قولا قديما:

( هناك شيء متعفن في دولة الدنمارك ) قال شاعرحكيم قديم اسمه وليام شكسبير، والحقيقة ان هناك اشياء كثيرة قد تعفنت في حياة ونظام واساليب ومناهج تفكير اهل هذا الزمان ، وهذا التعفن هو الذي اصبح مصدرا لخروج هذه الحشرات المؤذية، السامة، الضارة، التي تتحرك على مساحة بحجم الكرة الارضية ، ويجب والناس يطاردون هذه الحشرات البشرية والقضاء عليها ، ان يجتهدوا في البحث عن هذا الشيء المتعفن في ارضهم وبلادهم ، والقضاء عليه هو الاخر قبل ان يقضي على فرص الحياة والنماء والتقدم في الدنيا .

ان شيئا من هذا التعفن قد وصل بالتأكيد الي عقول بعض هؤلاء المعلقين من اعضاء جوقة التصفيق والتهليل للعمليات الانتحارية التي تستهدف الابرياء، والتي صار واجب ادانتها وتحريمها واعتبارها شركا بالله امانة في عنق كل المراجع الدينية.

مناجاة

ارادت موجة معنية بالشاطيء الجنوبي للبحر ان تعيده الى عالم الجنوب فسألته ان يتحدث عما يعانيه شعب من شعوب الجنوب من ازمات هو الشعب العربي :

لا أعتقد أن هناك أمة فى العالم، أسرفت إسراف الأمة العربية، فى استخدام هذه الأوصاف التى تصف بها تاريخها الحديث، مرحلة بعد الأخرى فنتقول المرحلة “الحاسمة” و”الخطيرة” و”العصيبة” التى تمر بها، دون أن تظهر فى الأفق علامة واحدة، تشير إلى خروجها من عنق الزجاجة إلى فضاء أرحب وأوسع وأجمل، يتيح لها استخدام أوصاف جديدة ولغة أكثر ابتكاراً ونضارة، من هذه العبارات المكررة المحفوظة التى لا يستخدمها العرب باختيارهم، وإنما تفرضها عليهم المحن والأزمات المتواترة، المتتابعة بلا نهاية. وبرغم الطبيعة العارضة الطارئة، التى

تشير إليها هذه اللغة، فإنها تحولت معهم إلى حالة ثابتة، ترفض كل ما يطرأ على الدنيا من تحولات.

وهكذا وجدوا أنفسهم على مدى أكثر من خمسين عاماً، وما يزيد على جيلين، أسرى هذه الأزمة ولغتها ومناخها وأساطيرها وأحلامها وأوهامها وهلوساتها وكفاحها ومعاناتها وتضحياتها، إلى حد أن ان تعودوا على الحياة في عنق الزجاجة، وتآلفوا مع هذا النوع من المعبشية بكل ما فيه من ضنك وبؤس، لانهم لا يعرفون حياة سواها

وتكون النتيجة دخولهم فى حالة سيكولوجية تمنعهم من رؤية ما فى الواقع من قبح ومهانة، فلا يجد الواحد منهم، حافزاً ولا إرادة للبحث عن سبيل للخروج والخلاص بل الأنكى من ذلك والأشد غرابة ومرارة، إنه كلما لاحت طاقة نور، جاء من عشاق الأزمة ومرضى الافتنان بقبحها وبؤسها ومهانتها، من يبذل الجهد وينفق الوقت والمال لإغلاقها وكلما لاحت درجة فى سلم الصعود إلى خارج الجب، تتيح لرهائنه فرصة الانعتاق والنهوض جاء من بين هؤلاء الرهائن من يحمل المعاول لتكسير هذا الدرج أو هذه السلالم.

وربما قائل ان للاجندات الخارجية المعادية دورا، فى إجهاض مشروعهم للانطلاق والنهوض، ولكن الدور الحاسم والفاعل فى تدمير تلك الفرصة، كان بالتأكيد دوراً داخلياً، عربياً، هم أبطاله وصانعوه.

المواقف والمخاطبات

وفي تبادل الادوار بين نجمة هبطت من اقصى الافق وموجة وصلت الى الشاطيء قادمة مع المد، جاء ذكر لبعض ابناء جنسه على شكل تساؤل عن حقيقة ان الانسان استحق ان يكون مفضلا على سائر المخلوقات، فهل يشمل هذا التفضيل البشر جميعا، بما فيمن اهل الشر، فتكلم صاحب السمت الرسولي معمرا عن سخطه مما يرتكبه بعض ابناء جنسه ويسيئون به لكل الجنس البشري قائلا:

لا أجد حرجاً ولا غضاضة فى أن أطلق على هذا النوع من البشر المعادى لنفسه، وبنى جنسه، أقصى أنواع النعوت، ووضعه فى موضع واحد مع الكائنات الخسيسة الدنيئة التى تسكن الجحور والمستنقعات.

نعم لقد كرم الله الإنسان وأنزله منزلة كريمة شريفة بين كائناته، وجعله خليفة فوق أرضه، ولكن الله ذاته جل وعلا، نعت فى كتابه الكريم هذا النوع المتدنى من البشر بأكثر النعوت قسوة وجعلهم فى الدرك الأسفل من النار، طعامهم الزقوم وشرابهم الغسلين جزاء ما يرتكبونه من شرور.

واذا اردت ان اضرب مثلا بين الشموخ والسقوط وبين الضعة والهوان والمجد والعزة ، وبين الخسة والنذالة والسقوط الانساني وبين الرقي والارتفاع في مدارج البهاء الانساني ، لن اجد افضل من الفاروق خليفة رسول الله امير المؤمنين عمر الخطاب، والمجوسي ابولؤلؤة القاتل الاجير الذي استل سكين الحقد والتطرف والاجرام وقتله، انه صاحب اليد الاثمة التي امتدت لقتل الفاروق الذي افاء عليه التاريخ البشري بان جعله مثالا للعدل والانصاف واطفأ ذلك المصباح الذي انار لامة كاملة طريق الحق بقعد انتهاء الوحي ووفاة النبي اول خلفائه ابوبكر، فكان هو الذي حمل الراية واكمل الرسالة وباشر بناء وارساء دولة الحضارة العربية الاسلامية،. فأبو لؤلؤة المجوسي، الاحمق الجاهل، المتطرف تعصبا وحقدا، الذي كانت حرفته قص الحجارة وصنع رحي منها، هو الرمز لهذا الكائن، الذي لا رسالة له في الحياة، إلا أن يستعير ملامح البشر، ثم يمضى متنكراً فى الشكل الآدمى، ليفعل ما تفعله الفيروسات والجراثيم والحشرات السامة، أى الفتك بالبشر.

ولعل هذا ما فعله قبل لؤلؤة المجوسي، يهودا الاسخريوطي الذي اسلم السيد المسيح لقاتليه، ولعل هذا ايضا بعد ذلك بعصور متطرف حاقد هندوسي اسمه جودس مع المهاتما غندي نبي الحرية في الهند، وهناك ابولؤلة فى كل مكان وزمان لأنه يسكن كل القارات ويدعى الانتماء كاذباً لأى دين يشاء، ويفرخ ويتناسل ليمثل هو وسلالته الوجه البائس للحياة.

إن ابو لؤلؤة وسلالته هم الذين نراهم الان يسفكون الدم البريء، ويشعلون الحرائق التي يذهب ضحيتها ملايين البشر الأبرياء، أنهم يستخدمون أحياناً وسائل أشد فتكاً من النار.

وإلا فماذا نسمى ذلك الذى يبيع الوطن للأعداء مقابل حفنة نقود، أو يستورد أو يتاجر فى السموم البيضاء التى تفتك بثروة الوطن البشرية، أو الذى يغش فى البناء ويشيد عمارات وأبراجاً تنهار فوق رءوس ساكنيها، وماذا نسمى أولئك الذين يهدرون ثروات أوطانهم ويسرقون عرق وجهد أهلهم ويسخرون وظائفهم العامة لخراب الأوطان بدلاً من بنائها.

ان سلالة لؤلؤة المجوسي قاتل الفاروق عمر الخطاب، وجودس قاتل المهاتما غاندي ويزيد قاتل الحسين سيد الشهداء، هم الذين توالدوا وتناسلوا وتكاثروا يسفكون الدماء الحرام وينشرون الرعب والارهاب ويبثون في العالم امواج الشر والجريمة، وهم الذين افرخوا هذه الطغمة الضالة التي اختارت اعلان العداء ضد القيم الانسانية، فحقت اللعنة على كل من انتمى اليها وتبني فكراها الكفيري الظلامي ، ووجب ان يطهر البشر منهم صفوفهم، وان يتم اقتلاعم كما يتم اقتلاع الحشائش الخبيثة السامة من أرض الحديقة لكى تمتلئ بالغرس النافع والأشجار المثمرة.

لا تعليقات

اترك رد