العيد الوطني في الكويت .. فساد وماركات وفاشينستات


 

اليوم الوطني هو اليوم الذي يدل على استقلال البلد من الإحتلال، وعلى تاريخ البداية لحكم الشعب وطنيا على أيدي ابناءه. ويصادف معه غالبا قيام احتفالات عديدة، رسمية وشعبية، للمشاركة في الفرحة من جانب، ومن جانب آخر الدعوة الي الي استذكار الضحايا والكفاح والعمل الذي قام به الشعب لنيل الإستقلال. وتطرح في هذه المناسبة الوطنية عادة الكثير من الدروس والعبر وسير الماضي ليستلهمها الأبناء بعد أن قدم الآباء والأجداد أدوارا تاريخية تدل على السعي الي الإستقلال وبناء الدولة وفق المفاهيم العصرية الحديثة.

وفي الكويت، يعتبر العيد الوطني الكويتي عطلة رسمية احتفالاً بذكرى استقلال الكويت عن المملكة المتحدة، ويحتفل به في 25 فبراير من كل عام. حيث استقلت الكويت في19 يونيو 1961 بعهد الشيخ عبدالله السالم الصباح، فكان اول احتفال بعيد الاستقلال اقيم في 19 يونيو1962، وهي المرة الوحيد التي اقيم فيها احتفال بالاستقلال بهذا التاريخ، وفي عام 1963 تم ترحيل عيد الاستقلال (نظرا للحر الشديد في هذه الفترة)، وتم دمجه بتاريخ عيد جلوس الأمير عبدالله السالم الصباح والذي يصادف يوم 25 فبراير من كل عام بداية من عام 1963. ومنذ ذلك الحين والكويت تحتفل في عيد استقلالها في هذا التاريخ.

يعد مفهوم الانتماء الوطني من المفاهيم الحداثية المهمة في عالمنا المعاصر، بل أصبح مفهومًا رئيسًيا في حياة الشعوب والمجتمعات، لما يحمله من قيم انسانية وسياسية تدل على تطور الأداء السياسي والاقتصادي واستكمال مشاريع التحول الديمقراطي. إن مفهوم حب الوطن هو الإخلاص والولاء للبلد الذي ينتمي إليه الانسان بغض النظر عن الدين والجنس والعرق، ففيه يولد الفرد ويحيا طفولته وشبابه حتى كهولته ووفاته. فالوطن مرتبط بالوعي واللاوعي الفردي والمجتمعي. والسلوك الفردي فيه هو جزء من شخصية عامة مجتمعية، محكومة بعوامل وعناصر مرتبطة بالتاريخ والحضارة والثقافة ووحدة الجغرافيا وغيرها من المجالات، وهي محددات رئيسية للمجتمع وللشعب، على طريق بناء الأمة. لكل ذلك فان الترابط عضوي بين مفاهيم حب الوطن، الوطنية، المواطنة. وقد حرصت الحضارات الإنسانية، القديمة والحديثة، على زرع قيم المهنية وحب العمل وإتقانه في نفوس الأفراد باعتباره قيمة إيجابية وطنية مهمة تدل على تميز الفرد ومكانته، وتسهم في تطور المجتمع ونمائه واستمرار تفوقه، على إعتبار أن العمل الصحيح ليس مجرد مصدر للدخل بل هو المواطنة الصحيحة التى تصب في صالح المجتمع والوطن.

وأمام أزمات التعليم والديمقراطية واخفاق برامج وخطط التنمية وتنامي الفساد التى نعيشها بالكويت، استمرت أوجه القصور منذ الإستقلال وحتى الآن، ولم تقم الحكومات المتعاقبة بإيجاد الحلول الجذرية بقدر ما تم التغطية عليها بإصلاحات وقتية أو توزيع ثروات النفط على فئات المجتمع لضمان سكوتهم وشراء ولائهم وبالتالي لإبقاء المشاكل خلف الستار وهو ما جعل من المجتمع الكويتي مجتمع ريعي خامل وكسول يعتمد على مفهوم الدولة المسؤولة عن مأكله ومشربه وحتى وفاته. وهذه النظرة أو الإتكالية ليست وليدة اليوم، بل يسود، بعض مجتمعات العالم العربي، ومنهم الكويت، نظرة اجتماعية خاطئة تحولت الي ثقافة وظيفية عامة لها مفاهيمها وملامحها السلبية التى ترى أن العمل هو مجرد تأدية وظيفة بأقل مجهود ممكن للحصول على بعض الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، دون الإهتمام بالإخلاص والتميز والإنتاج، وهذا ما دفع بعض المواطنون الي إملاء الفراغ الذي يشعرون به باختيار أبواب فاسدة ومضرة اجتماعيا وسياسيا على الدولة والنظام العام.

في ضوء ذلك لم يكن مستغربا أن تتفشى في الوسط الكويتي مفاهيم وظواهر وسلوكيات اجتماعية ومهنية وإدارية رصدت بدايتها منذ تأسيس أجهزة الدولة بمفهومها الإداري الحديث (ثقافة استعباد الوافدين بالأعمال المهنية الشاقة، وغياب حقوق العمالة المنزلية، وظروف تشغيل البدون) لتترسخ مع مرور السنين وتشكل

ثقافة عمل سلبية لم يتم وضع العلاجات المناسبة لها منذ البدايات من قبل الجهات المعنية بالرقابة والمحاسبة الإدارية، فتراكمت لتصبح ثقافة وسلوك مواطني استعلائي، ودعوات مبطنة وأحيانا صريحة نحو عدم الجدية في العمل والاعتماد على غير المواطنين. ولعل أكبر دليل يدعو للقلق هو حالات الغياب المتكررة على مدار السنة للموظف الكويتي قبل وبعد المناسبات السنوية، ومنها مناسبة الأعياد الوطنية، وهو مؤشر خطير يدل على فشل السياسات الحكومية بتأصيل مفاهيم الإلتزام السلوكي بالعمل.

لاشك إنها إشكالية واضحة في مفهوم الوطنية والعمل الوطني، طالت سلوكياتنا المجتمعية وعبثت بمفهوم الولاء خارج حدوده وتعريفه، فالولاء الوطني في الكويت اليوم لا يقاس بأخلاق الإلتزام بالقانون والنزاهة والإخلاص ومحاربة الفساد واحترام الدستور بل بقدر ما يحصل المواطن على امتيازات مادية ووجاهة اجتماعية ومناصب قيادية حتى اصبحت الكويت تعرف بالدولة المؤقتة. وهذه الثقافة ليست وليدة اليوم أو السنوات القليلة الماضية بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، بل مترسخة في مفاهيمنا الاجتماعية والسياسية والدينية منذ القدم، يضاف لها عدة عوامل حديثة أسهمت في تكون النظرة العامة السلبية عن الوطن والمواطنة، وعلى رأس الفشل طبيعة نظام التعليم لدينا، والذي له أثر كبير في تشكيل عقلية وفهم المواطن للوطن، فالمناهج الدراسية لا تؤصل لمفاهيم التعايش وقبول الآخر والأخلاق الانسانية في السلوك والتعامل ناهيك عن غياب شبه تام لقيم حب العمل اليدوي والإنتاج الصناعي والإبداع الفكري. وكذلك تتحمل الأسرة الكويتية جزءا من مسؤولية غياب ثقافة العمل والولاء وعدم غرسهما منذ الصغر في نفوس الأطفال، فالأسرة الكويتية أسرة منغلقة على هويتها الموروثة وتحارب التعددية والإندماج، فمازالت أفكار “هذا بدوي وهذا أصيل وهذا بيسري وهذا مو من مواخذينا” تلعب دورا كبيرا في مسألة الزواج والعمل وحتى الوفاة. فنحن نملك مقبرتين واحدة للطائفة السنية وأخرى للطائفة الشيعية، ولم نقل ايضا ان المسيحيين المواطنين الكويتيين يعانون من التمييز ونقص المواطنة. كما وتلعب رفاهية المجتمع الزائدة عن الحد، والمتمثلة في حب امتلاك الماركات التجارية الغالية والسيارات الفارهة والمنازل الفخمة، وبروز ظاهرة الفاشنيستات، دورا في غياب ثقافة العمل وتقديس قيم الفرد العامل.

وحتى نستطيع مواجهة الواقع التعيس لهكذا ثقافة سلبية، فيجب تفعيل مضامين الرقابة الوظيفية والمحاسبة السياسية الجادة وسن قوانين وتشريعات تتواءم مع التغييرات المجتمعية التى أثرت على الوطن بشكل أكبر سياسيا واجتماعيا، ووضع أفكار وأساليب إدارية جديدة تعزز أولا نظرة المجتمع الإيجابية الي العمل وتحمى قيمه ومعاييره، وتتماشى ثانيا مع تحديات العصر ومستجداته، وذلك عن طريق إبراز القدوة الحسنة قولا وفعلا، والإلتزام بأوقات العمل، والجدية في محاسبة المقصر، ونشر المفهوم الصحيح للعمل المبني على مبدأ أن العمل هو المواطنة الصحيحة، والحرص على نشر التوعية الاجتماعية بمختلف الوسائل والآليات من أجل تشكيل ثقافة اجتماعية إيجابية عن العمل تتحول الي قناعة راسخة، لاسيما في نفوس الأجيال الصاعدة الذين يمثلون مستقبل الوطن وقوته، والإبتعاد عن التأثيرات السلبية التى جعلت من أزماتنا المتكررة، السياسية والاجتماعية، عاملا ودافعا لأن نكره كل قيمة أخرى لها دور، وإن كان صغيرا، بخلق الأمل من جديد.

إن الهوية الوطنية الصحيحة والفاعلة تبدأ من الإجابة على أسئلة باتت مطروحة منذ فترة: لماذا لم يعد هناك إنتماء للوطن؟ لماذا كاد أن يختفي مفهوم الوطنية من حياتنا؟ لماذا حينما تسأل جيل الشباب والشابات هل أنتم على استعداد أن تضحوا بحياتكم من أجل بلدكم؟ يجيب جزء كبير منهم بلا، وحينما تسألهم لماذا؟ يجيبون ماذا أعطتني بلدي حتى أضحي بحياتي من أجلها؟ فهل أصبح حب الوطن مرتبط بمدى ما يوفره لنا من مميزات وخدمات حتى أصبحت عملية حب الوطن “مصالح”، أم ان إنعدام العدالة الإجتماعية وانتشار الفساد والمذهبية والقبلية واختفاء القيم المدنية والديمقراطية هي السبب؟؟ ولماذا مثلا كانت تنجح الأغاني الوطنية القديمة في استثارة حماسة المواطنين، بينما لا نرى أن الأناشيد والأغاني الوطنية الحديثة قد

خلقت مواطنين فاعلين. ولماذا اصبحنا نكرر او نستذكر ماضي الكويت في ستينيات القرن الماضي بينما لا نستطيع اليوم ان نخلق مثل تلك القيم الجميلة.؟؟

لقد قال فوليتر يوما “ان خبز الوطن خير من كعك الغربة”. ونحن في الكويت أصبحنا فى أشد الحاجة إلى تعريف الوطنية والمواطنة على أسس علمانية حديثة بدلا من الإستمرار على نظامنا القبلي الديني الذي انتج الفساد والتخلف. فهناك من قال إن حب الوطن يمكن التعبير عنه بالعنف ومصارعة الحكومة والنظام، ومنهم من قال إن الوطنية تعنى مجرد احتفالات وفرحة ومن ثم تعود الأمور كما كانت، ومنهم من قال إن حب الوطن يبدأ من حب النفس وينتهى بحب النفس. فمن المسؤول عن ضياع مفهوم الوطن والوطنية .. ومن قبله المواطن..؟؟

لا تعليقات

اترك رد