عراق أم عراقان


 

اصبحت المدينة المنورة أولَ عاصمةٍ للدولة الاسلامية بعد هجرة النبي صلى الله عليه وإله وسلم اليها، وبقيت عاصمةً له ولخلفائه الأربعة من بعده حتى انتقلت العاصمة مع الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام الى الكوفة، ثم مع بني امية الى دمشق ثم مع ابي العباس السفاح الى الانبار قليلاً ثم الى بغداد مع ابي جعفر المنصور ثم سامراء مع الخليفة العباسي المعتصم وعلى التوازي كانت الاندلس دولة اخرى في اقصى غرب أوروبا

هكذا تنقلت مقرات الدولة تبعاً للخليفة وما ارتآه في نقل عاصمته لظروفٍ سياسية او عسكريةٍ او اقتصادية على مدى ستةِ قرون.
خلال هذه الحقب مُصّرت أمصارٌ وأُسِّست مُدنٌ وأُنشئت ولاياتٌ كالبصرة وحلب وغيرها ثم توسعت وامتدّت بتوسعِ وامتدادِ الرقعة الجغرافية للدولة الإسلاميةِ؛ شرقا في بلاد فارس وغرباً بالعبور الى افريقيا.

وكانت مصر وفلسطين واليمن من أولى الولايات التي تولاها المسلمون.
فلماذا بقيت البصرة والكوفة المدرستين الوحيدتين ليس في اللغة والنحو وحسب بل في الفقه وعلم الحديث وحتى القراءات حتى اذا عَرّف احدُهم العراقَ قال: العراق عراقان البصرةُ والكوفةُ

ولماذ بقيت هاتان المدرستان هما المدرستان السائدتان على بقية الامصار والمدن والولايات في ارجاء الارض، علما ان البصرة لم تكن يوما عاصمة للمسلمين والكوفة اصبحت عاصمة لأمير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه رضوان الله لسنين خمسة فقط انشغل فيها في حربين لتعديل مسار الخلافة.
السبب هو مادة العلم.
ورب سائلٍ يسأل: وما مادة العلم؟
فأقول له: الرجال
والرجل الذي سن هذه السنةَ الطيبةَ الحسنةَ هو الامام علي ابن ابي طالب ما سبقَه اليها قبله احدٌ حين ولّى ابا الاسود الدؤلي ولاية البصرة ثم أمره بوضع علم النحو حتى عُرفَ النحوُ به وما فَتِئَ ان تربع على عرشه حتى لُقِب بملك النحو وهو مؤسس المدرسة البصرية في النحو
وقد اصبحت هاتان المدينتان قبلةً لهذه العلوم خاصة عن بقية العلوم، وان اشتهرت بغداد ودمشق ومصر وحلب وسامراء باستقطابها لبقية العلوم كالطب والفلسفة والفلك وغيرها من العلوم التي ازدهرت في امصار الدولة الاسلامية، حتى هاجر اليها الآف الطلبة من اصقاع الارض للتعلم والتأدب ومنهم من مكث فيها ومنهم من ساح الى غيرها

لكن تمركز رجال النحو والفقه في هاتين المدينتين ابقاهما المدرستين الوحيدتين، ولا يكاد مصنف وشارح لمسألة نحوية ان يذكرها دون ان يردها لاصلها ان كانت رأياً لأهل الكوفة او البصرة.
والكوفة كوفة الكسائي والفراء وابن خالويه وغيرهم من علماء اللغة والنحو كذلك القاضي شريح وسفيان الثوري وابو حنيفة والذين اخذو فقههم من الصحابي عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه

والبصرة بصرة الفراهيدي الذي اخذ علمه من ابي الاسود وهو واضع علم العَروض، ثم اخذ عنه سيبويه ومن المتاخرين الاخفش والمبرد والجاحظ كذلك في الفقه وعلوم الحديث التابعي الحسن البصري إمام عصره والتابعي ابن سيرين وغيرهما.

ولست هنا في معرض تقديم العراق على غيره من الأمصار في العلم فجل علمائه وفدوا اليه من امصارٍ أخرى ومن اصول بعيدة عنه حتى وان تلقبوا بالكوفي والبصري ذلك لمكوثهم بهاتين المدينتين، وانما أخذ أهل العراق العلم من اهل الحجاز من الصحابة وأولهم أمير المؤمنين وقاضي القضاة الإمام علي ابن ابي طالب عليه رضوان الله صاحب رسول الله وابن عمه وصهره وربيب بيت النبوة
وبقي حسن ظن الناس في ارجاء المعمورة بأهل العراق وعلمهم بالنحو والأدب حتى اليوم.

وقد عزز هذا الأمر ايضاً سببان؛ حب اهل العراق للشعر خاصة وللأدب عامة وتمركز الدولة واتخاذ مدن العراق عواصم لها لفترات طويلة كالكوفة وبغداد وسامراء مما ساهم في انشاء المدارس المختلفة سيما النحو والفقه ، كما ساهم في ذلك ايضاً وجود الوراقين والنساخين والخطاطين لكثرة الكتب المؤلفة واقبال الناس وطلبة العلم عليها واستقطاب العلوم من حضارات اخرى كفارس والروم وترجمتها الى العربية كل ذلك ساهم في فتح اسواق ومهن جديدة لم تكن موجودة من قبل وتجارة ومصدر رزق للناس.
ولا يزال العراق ومن خلال حب اهله للادب والشعر يحتل مكانة متقدمة في الادب واللغة من خلال شعرائه ومحافله التي ما خبت شعلتها أو إنطفأت جذوتها حتى اليوم.

لا تعليقات

اترك رد