الهوية العربية : الخصوصية والبحث عن الذات – ج3


 

إلى جانب انقسامات الطبقة المثقفة وابتعادها عن الواقع أحيانا، يشكل المثقفون خليطاَ غير متجانس، إن من حيث محتوى الثقافة أو من حيث تفاعلهم مع الثقافات المطروحة. هناك أيضا القطيعة التشاركية بين المؤسسات الفكرية و الثقافية سواء داخل البلد الواحد أو بين مختلف البلاد العربية، علاقات شبه مقطوعة لا تتعدى البروتوكولات الإدارية واجتماعات ترفيهية لا تصل مستوى التأثير والفاعلية في الفرد والمجتمع.

قطاع التعليم لم يصل بعد للمستوى المطلوب على المستوى التثقيفي والتنظير العلمي الهادف لتطوير وبناء المجتمع، وعلاقته بالمجتمع لا تتعدى كونها علاقة توظيف وإيجاد عمل وأحيانا إعادة إنتاج نفس الطبقة في الزمان والمكان ولم تصل بعد لمستوى التحفيز على الإبداع والإنتاج والدفع بالمجتمع إلى الأمام والعمل على تطويره.

العمل الثقافي العربي لا يزال فعلاَ فرديا َإلى حد كبير، والعمل الثقافي هو ذاك الفعل الذي يعمل على تحليل البنيات الاجتماعية ودراسة أسباب تخلفها وأدوات إنتاج تبعيتها، للوصول إلى معرفة الأسباب وكذا الخروج من الوضع المتردي إلى الفعل الفكري والإسهام في التنمية المجتمعية. إلا أن التعاون اللازم بين مراكز البحث العلمي في العالم العربي ما يزال في أدنى درجات التعاون المرجوة، ناهيك عن تعذر القيام بأبحاث ودراسات تتناول بعض المواضيع الهامة من حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية بسبب الطابوهات أو الخوف من السلطات.

كل ما ذكرته لا يمثل الجو الملائم الذي يمكنه أن يثمر دراسات قيمة أو يساهم في عملية البناء والنمو، هته الظروف لا تسمح أيضا ببروز مثقفين حقيقيين متحررين من الخوف والقيود. الشيء الذي يؤخر عملية البناء الفكري والتنظيري الذي يساهم في تنوير المجتمع ويساعده على بناء عملية التنموية من الداخل وبشكل سليم.

كما أن الساحة الثقافية العربية المعاصرة غالبا ما تكون ثقافة موجهة إلى نخب معزولة عن العامة المتروكة لعفويتها وواقعها المهمش، رغم توفر وسائل اتصال حديثة وسريعة إلا أن المثقف العربي لم يستطع التأثير على مسار الحراك الاجتماعي والتأثير في ثقافة الجماهير وتغييرها والعمل على تأطيرها. لكن الملاحظ أن أغلب الكتابات والدراسات لا يتابعها إلا كتاب آخرون وكأن المثقفون يكتبون لبعضهم البعض دون الوصول إلى القاعدة الجماهيرية وهي الفئة المستهدفة بالبحث والتحليل في الأساس، وهو ما يجعل الهوة بين النخبة والقاعدة في اتساع مستمر وكل في واد.

كل هته الإرهاصات أدت إلى ضعف في تشكيل الشخصية القومية العربية المعاصرة كما أثرت الهزائم والإنتكاسات في بنيتها، هذا البناء الذي يكون نتيجة تراكم خبرات الأفراد والجماعات والتجارب التي اكتسبوها وكذا الثقافات المتوارثة عبر الأجيال وهو ما يشكل الطابع الإجتماعي لهته الهوية.

حل المشكلات الإجتماعية في البلاد العربية يجب أن يبدأ خطوة – خطوة وبشكل دقيق وعلمي كما أن العمل على التحكم في سلوك الأفراد يتطلب دوما تغييرا في ظروف عيشه أي نحن بحاجة إلى فهم هته العلاقة بين السلوك والبيئة التي يعيش فيها الأفراد.

كما أن المؤامرات والمحن التي يعيشها المواطن العربي أثرت بشكل سلبي على شخصيته وهويته، زد على ذلك الهيمنة الإمبريالية الغربية الساعية إلى طمس الهوية العربية الإسلامية وكذا الهويات الأخرى باسم الشرعية الدولية وحقوق الإنسان ومحاربة التطرف وذرائع أخرى… فسياسة العنف أضحت الوسيلة المتبعة وأصبحت نمطاَ سائداَ في سلوك مراكز الهيمنة.

وما الخراب الحاصل الآن في مجتمعنا سوى خطة تهدف إلى طمس الهوية القومية العربية و تشويهها والقضاء عليها سعيا لاندماج العالم في الشكل الثقافي الغربي، إذ لا تتردد الإمبريالية الغربية في استخدام أشد الوسائل دماراَ وعنفا من أجل تمرير مشروعها الثقافي وتأمين السيادة له.

لا تعليقات

اترك رد