التهديد والوعيد ….. والطرف البليد

 

الملمح العام للسياسه الترامبيه هو تكرار معاصر لمشهد أفلام الويسترن وقبعة الكاوبوي والمسدس الذي لا تنفذ طلقاته ,وتلك موضة أكل عليها الدهر وشرب ولا تنطلي الا على العقول البليده التي تصدق وتصفق كلما إحتدم المشهد .
ومن العجيب أنه لايزال بيننا من يعيش هذا الوهم الزائف والأعجب أن حكومات عربيه لاتزال الى الآن لاتفهم أن الدول الكبرى تديرها مؤسسات ومنظومات أمنيه وسياسيه واقتصاديه معقده ليس من السهل أن يغيرها بكل بساطه تبدل رئيس أو استفزاز ما هنا أو هناك .ولعل الهم الأكبر للعرب على ما يبدو في الوقت الحالي هو إيران والأمل الأكبر هو ((ضرب أمريكا لإيران )) ونتف ريشها وقصقصة مخالبها , فالمشهد الأمريكي ((الإعلامي )) يتوافق كليا مع أوهامنا العربيه ,
ففي الرابع من شباط ـ فبراير 2017، وفي أثناء زيارته لليابان، قال جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي، إن إيران أكبر دولة راعية للإرهاب على مستوى العالم، وسبقه مستشار الأمن القومي الأمريكي مايكل فلين في إدانة ما أسماه أفعال إيران الذي قال إنها تهدد الاستقرار في المنطقة وتضع حياة “الأمريكيين” دون غيرهم في خطر.
ويبدو أن هذه التصريحات الناريه كان لها فعل المنشط للعرب لنجد أحد وزراء ((خارجياتنا )) يعيد تردديها في مؤتمر الأمن الذي عقد في ميونيخ بألمانيا الأحد 19 من الشهر نفسه، حيث قال إن طهران هي الراعي الرئيس للإرهاب في العالم وقوة مُزعزِعة للاستقرار في الشرق الأوسط وتريد تدمير جيرانها العرب، متوعدًا بتحييدها .وطبعا التحييد هنا هو من خلال الكاوبوي الجديد ترامب لا من خلال منظوماتنا العسكريه والأمنيه والسياسيه بل حصة معلومه من ريع ذهبنا الأسود في هذا الزمن الأشد سوادا .
وهنا يُعاد طرح السؤال الذي يؤرق العرب منذ اربعة عقود ـ
هل ستضرب أمريكا إيران …ومتى ….!!!!؟
ولكي نجيب على هذا السؤال بشكل واقعي وعلمي لابد لنا من مراجعه تاريخيه ولو سريعه لمواقف الإداره الأمريكيه من ايران
ففي 13 أغسطس 2005 أي قبل 12 عاما صرح الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، إنه لا يستبعد اللجوء إلى القوة ضد إيران بعد قرارها استئناف نشاط تحويل اليورانيوم المشارك في الصناعة النووية وبعد تصريحات بوش بأشهر قليلة أعلنت إيران النجاح في تخصيب اليورانيوم وصناعة الرؤوس النووية، وكالعاده تناسى العرب تحذير بوش وكأنه لم يكن …. وبدورها الإداره الأمريكيه والرئيس غضوا الطرف الطرف عن ذلك المشهد برمته . لتنتقل العلاقه الى مستوى تشنجي يصب في صالح طهران ويرجح كفتها التفاوضيه والعمليه .
يتكرر المشهد بعد ثلاث سنوات فقط وفي عهد رئيس جديد أي إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ،حيث صرح الرئيس الجديد “وقتها” إن كل الخيارات بما فيها الخيارات العسكرية ستبقى متاحة لمنع إيران من حيازة السلاح النووي، لكنه اعتبر أن ضربة جوية لن تكفي لتسوية هذه المسألة، داعيًا في ذات الوقت إلى فرض سياسة متشددة على إيران تترافق مع عقوبات قاسية تحمل الإيرانيين على إعادة النظر في حساباتهم.
جرعة قويه أخرى تلقاها العرب من رئيس أمريكي، بينما طهران استطاعت في عهده التموضع شبه الكامل في المدن العراقية التي انسحبت منها القوات الأمريكية، ثم النفوذ بنعومة بالغه الى سوريا، وباتت على مرمى حجر من دكة اليمن صعبة التضاريس والولاءات ،
ولحد هذه اللحظه يتكرر المشهد مع الرئيس الأمريكي الجديد بمزيد من الجرعات المهدئه المركزه وايران تقابل جلسات ((حقن الأبر)) بمزيد من التجارب على الصواريخ ومزيد من التمدد والمكاسب .
عموما المشهد ينحصر في تبادلات ((إعلاميه )) ناريه بين أمريكا واسرائيل من جهه و ايران من جهة أخرى … وخسوف وكسوف للمزاج العربي على وقع هذه المعزوفة الممله وتحت نزيف من أموال وبترول ودماء واراضي العرب العاربه والمستعربه والمستغربه دوما .تتصاعد حدتها في بداية كل فترة رئاسيه جديده فتخبو عند مشارف نهايتها ليعاد تنشيطها في في بداية فترة جديده .
حلقة مفرغه يدور بها الوهن العربي منذ 1979 يوم نزل الخميني من سلم الطائرة قادما الى طهران من فرنسا .
وطوال ال37 عاما من عمر ثورة الفقيه والعرب لم يفهموا حقيقية أن قنوات الإتصال والتنسيق بين الطرفين الأمريكي والإيراني لم تنقطع ابدا حتى وأن كانت أشد وضوحا من الشمس ,فالعرب يتناسون أن هذه الاتصالات ومستوياتها تمخضت عن تفاهمات أمريكية أساسية مع النظام في إيران في أكثر من محطة،و كانت عاملاً مهمًا، وربما حاسمًا، في تنسيق ودعم التدخل الأمريكي على أفغانستان لإسقاط حركة طالبان، و التنسيق الكامل بين النظام في إيران والإدارة الأمريكية بشأن العمليات العسكرية الأمريكية لاحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث أكدت إيران مرارًا وعلى لسان قادتها أنها ساهمت في حسم عملية الاحتلال وإنجاحها ,
إذن نحن أمام خصومه وهميه ((شيطانيه)) نحن أدواتها ,وللإنصاف والأمانه فهذه هي السياسه لعبة تقديم المصالح الوطنيه على سواها من الأمور ولنعترف بشجاعه أن الساسه الإيرانيين يعملون بإحترافية عاليه وروح وطنيه في سبيل مصالح بلدهم ويديمون خطوط اتصالاتهم بتنوع ذكي ورصين بما يعزز كل ((خطوط الرجعة )) لهم في حال أي انتكاسة غير متوقعه مع هذا الطرف أو ذاك ويبدو أنهم عملوا وتعاملوا بذكاء مع مبدأ ((أن لا محرمات في السياسه )) .وعليه فإن أيران قطعا ستكون مستعده لأي انقلاب في الموقف الأمريكي الذي أوضحته سابقا وتضع نصب عينيها كل الإحتمالات بما فيها أن يكون ترامب في الأشهر المقبله يعمل بأتجاه ((سياسة )) تصادميه معها . إيران أثبتت للعالم أنها تمتلك ميزة النفس الطويل دبلوماسيا مع مرونة عاليه لتجنب التصادم المباشر المتهور ولعل العمل الدبلوماسي الذي تبنته ايران خلال مفاوضات (6 + 1 ) أفضل مثال على ذلك وبنفس السياق فإن الحركه الدبلوماسيه على اعلى المستويات التي تقوم بها القياده الإيرانيه هذه الأيام تندرج ضمن الإستعدادات للأسوأ … روسيا ,الصين , كوريا , دول الخليج زيارات مكوكيه وتوقيع بالأحرف الأولى على تفاهمات و مشاريع استراتيجيه ,هي في حقيقة الأمر كلها تنويعات لخطوط الرجعه وتأمين دعم لوجستي سياسي في حالة أي إختلال في الموقف الأمريكي على ضوء القاعدة الترامبيه الجديده “المال مقابل الحماية” .
تلك خيارات ايران السياسه ,لكن لا ننسى أن لإيران خيارات عسكريه ايضا تحكمها أولويات على راسها تجنب المواجهة المباشره على ارضها واسلوب الحرب بالوكاله من خلال حلفائها . وحقيقة الأمر أن هذه التكتيكات العسكريه يتم أخذها بنظر الإعتبار وعلى مستوى عالٍ من الحذر خاصة فيما يتعلق بأمن اسرائيل ودول الخليج .
من خلال كل ما قدمت نلاحظ الحاله الملحه لبراغماتيه ايرانيه مطلوبه في المرحله القادمه في تعامل إيران مع الإدارة الأمريكيه (( لو صدق ترامب على اسوء احتمال ))
وتلك البراغماتيه ستتطلب من ايران التضحيه ببعض تحالفاتها (وليس كلها ) في سوريا واليمن وتخفيف حدة دورها في العراق ,
قطعا أن خيار المواجهة المباشره هو آخر العلاج … لكن آثاره الإرتدادية على دول المنطقه لن تكون هينه … لكن إظهار الجدية والحزم في التعامل مع إيران سيكون مجديا أكثر .
وللدبلوماسية العربيه أقول , لاتعولوا كثيرا على ما تسمعون بل تعلموا من الآخرين

لا تعليقات

اترك رد