الجمهور العميق


 

الدولة العميقة أو ( دولة داخل الدولة) أو (دولة فوق الدولة) هي ايدلوجية قديمة مورست في العديد من البلدان خصوصا في السياسة التركية والتي كان يرمز لها (بالذئب الأغبر) المعبّر عن القومية التركية آنذاك، تُناهض هذه الايديولوجية توجهات الدولة الديمقراطية من أجل تحقيق مصالح نفعية فردية، وتقوم على ستة محاور: الذراع السياسي والمالي والتشريعي والقضائي والإعلامي والذراع التنفيذي والأمني. وكل ذراع من هذه الأذرع يتحرك في اتجاه معيّن ولكنه يصب في مصلحة هذه الدولة العميقة بشكلٍ أو بآخر.
كل ذلك يدل على وجود رأس أو تنظيم معيّن يحكم تلك المحاور جميعا حتى لا تتضارب المصالح، ويرى اليساريون بأن ايديلوجية الدولة العميقة مناهضة لحقوق الطبقة العاملة وبنفس الوقت يراها الإسلاميون بأنها علمانية مناهضة للإسلام كما يراها الأكراد مناهضة للكرد! باختصار هي شبكة مصالح متشابكة ومترابطة لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا لكنهم يعملون لهدف مشترك وهو الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم خارج إطار القانون والمجتمع والدولة. وتعتاش على حالة التوتر المستمرة وتسريب الاشاعات فيما يصور البلد دائما على حافة هاوية ما .

في الآونة الأخيرة بدأ مصطلح الدولة العميقة يُتداوَل بين أروقة الإعلام العراقي كتهمةٍ يطلقها سياسيون على سياسيين آخرين أوكتلٍ وأحزاب متنفذة ، كأسلوب من اساليب التسقيط السياسي والنزاع على السلطة ، وبالطبع تجابه هكذا الاتهامات بنفيها او تسفيهها من قبل المتهمين وحاشيتهم.

لكن تلك الاتهامات ونفيها لاتعدم السؤال : هل حقا ان الدولة العميقة تعمل في العراق بمصالحها واخلاقياتها وشخوصها احيانا ؟ أم انها مجرد تهمة جاهزة ومصطلح شائع ؟
في خضم ذلك كله يلاحظ المتابع العراقي وسط موجة التضليل هذه نفسه ما أن يدافع عن قضية إلا وجوبِهَ بقضية أكثر تعقيدا، فبعد أن كان يخشى أن تقسيم بلاده إلى دويلات فوجيء بأنه تقسّم إلى (حُكَيْمات) متمثلة بأحزاب و زعامات ومراكز نفوذ مسلحة كوّنت لها جمهورا خاصا تابعا ً مطيعا ً استقطبوه بشتى الطرق المتاحة، جمهور متاح له فعل اي شيء من الفوضى والتجاوز شريطة ضمان ولائه الاعمى لتلك الزعامات . وهذا يبدو بعد اربعة عشر عاما من التغيير مدروسا لخلق شرائح تُساق متى ما طلِبَ منها ذلك، مما جعل الامر طابعا سياسيا عاما تحت مبدا الديمقراطية العراقية حيث تسهّل عملية كسب هؤلاء وتجنيدهم وتجميد أصواتهم الانتخابية لصالح الفاسدين، وإيهامهم بأن الدفاع عنهم هو بمثابة الدفاع عن الوطن.

.مما اوجد نموذجين يعملان معا ، الدولة العميقة التي وجدت في هذه الفوضى بيئة صالحة للحياة ، والدول الصغيرة الجديدة التي تتحكم بالمصائر العامة ، وهي عبارة عن مجاميع وكتل لها صلاحيات مطلقة وتستحوذ على النفوذ المالي والسياسي في الدولة .

في مقابل ذلك ، نجد ان طيفا واسعا من الجمهور ، مازال رغم التغيير يتخلق باساليب الدولة العميقة ، في التعامل مع المسؤول والسكوت على الخطا ، والتعامل مع الراي المعارض ، هكذا نوع من الجمهور له دور بشكل مباشر أو غير مباشر في تدهور الأوضاع، وفي إراقة دماء الأبرياء ، وعن أرواح الشهداء وأيتامهم وأراملهم، هذا الجمهور الذي نسميه هنا بالعميق تيمنا بتسمية الدولة العميقة تغيب عن أنظاره مصلحة الوطن ليحل محله مصلحة الحزب والكتلة والزعيم والجديد .

حيث جعل المسؤولين وفي مقدمتهم حيتان فساد، مطمئنين على عروشهم يتكلمون بكل ثقة في وسائل الإعلام ويعرفون العدد التقريبي للمقاعد قبل بدأ الانتخابات ، مما يؤكد ان الدولة العميقة او الدولة داخل دولة ، في العراق او مصر او ليبيا او اي دولة حدث فيها تغييير سياسي ، تعاني كذلك من الجمهور العميق الذي يعد جسرا خفيا بين تقاليد الدولة السابقة ،وفوضى الدولة الحديثة المرتبكة سياسيا وامنيا. وهذا الجمهور لهو طرف في الصراع الجماهيري الداخلي الذي تجاوز مرحلة النزاع الطائفي الى نزاع بين ثقافتين ،بين جمهورين أحدهما وطني محايد يتطلع الى مستقبل مغاير والآخر مازال رعيّة للدولة العميقة ، أو أنه قطيع تابع لدولة داخل دولة تحميه وتعتاش عليه فيما يفقس لها أصواتا انتخابية لادامة نفوذها داخل البلاد .

لا تعليقات

اترك رد