ظلاّن لهلع واحد


 

كم كنت بهيّا حين كنت صبيّا ترتاد أعراس الطّفولة ببدائيّة اللّعب على صهوة عصا أو بكرة قماش كانت طيّعة لطراوة قدميك وقرب مرماك. وكم كنت تعيش الهلع بمتعة الاكتشاف حين يرفع عمّك يديه أمام الفانوس البتروليّ فتنعكس صورتهما على الجدار كائنا ضخما يقترب منك شيئا فشيئا…كان ذلك مولود السّمر العائليّ وكان له اسم “مدّاد إيدو” وكان يلازم مخيّلتك الصّغيرة حيثما كنت ، كان يحاصرك من الجهات السّت ويدّ هلعك إلى حدّ الصّراخ فلم يكن من اليسير أن تهرب منه إلى الظّلمة الحالكة في الخارج المبهم و ما يدريك لعلّ جيشا من جنسه ينتظرك هناك .

كان عمّك على رقّة طبعه و جمال قسمات وجهه غليظ الصّوت يبدو ككائن خرافيّ إذ كان قليل الكلام تبتلعه الوحدة والوجوم إذا ما غزا الجدّ ساحة عواطفه، فتراه حينا كإله خصب إذا لها مع الصّبيان وأحيانا أخرى كإله حرب إذا ما جدّدت الحوادث يتمه، لذلك لم يكن هو و “مدّاد إيدو” إلّا ظلّين لهلع واحد تستحبّه وتفزع منه في آن واحد.

كنت حينها لم تخبر بعد سرّ مدّ الأيادي وتضخّم ظلالها لأنّك كنت ريفيّا تنمو في سلام كعشبة برّيّة في غفلة خلتها الأبد ولم تدر بأنّ سعة الكون ستضيق عليك يوم تعلم أنّ للتّاريخ أياد تمتدّ على الأرض فتمدّ فيها الهلع إلى حدّ تشرّد الصّغار والكبار في كلّ ّ ظلمة وكلّ مبهم .

كنت تخشى هول لفظ التّاريخ وهو يخرج من فم مدرّسك وتراه صخبا ينتزع الأشياء من كلّ منطق ويرمي بها في عبثيّة تتعثّر بها ذاكرتك في تلك التّفاصيل التي كان أوّلها عثورك على عظم بشري ّفي لعب الطّفولة وأنت تمارس جراحة على التّربة أردت منها أن تنتزع قسوة الحجر وتخيط نعومة الطّين بيدين مبلّلتين بأحلام صافية كالماء …كان ملمس العظم وقد تبيّنت اختلافه عن الحجر مجدّدا لهلعك من “مدّاد إيدو” … لازمك ذلك الظّلّ عندما علمت أنّ “حفريّاتك” العفويّة كانت في مقبرة جماعيّة من مخلّفات الحرب التي دارت على أرضك بأياد لم ترها.

لذلك كنت تخشى دائما أن تجد نفسك وجها لوجه مع نسل “مدّاد إيدو” حتّى اخترقت رائحة الشّواء البشريّ مناعة أحلامك ورأيت الأيادي تمتدّ بوارج حربيّة وقواعد عسكريّة و طائرات تحيي اللّيل وتميت النّهار ومقابر جماعيّة تشقّ في عرض البحر وعظاما تستتر ببعض اللّحم وبعض الوهم ورأيت التّاريخ كشخصيّة فيلم رعب جسدا بلا روح يرتدّ على أعقابه و يلتهم كلّ حبيب …

وتذكّرت نداءك العفويّ لأصدقائك عندما كنتم في جولة في موقع أثريّ وملك عليك صخب الصّمت حواسّك وفكرك ورحت ترمّم البنيان وتبثّ في الصّور الحياة لتجد نفسك وحيدا وقد تركك أصدقاؤك فتهتف “لا تتركوني مع التّاريخ وحدي” وطفولتك تصرخ “لا تدعوني ومدّاد إيدو وحدي” …

ولعلّك لم تكفّ عن النّداء أو الصّراخ وأنت تشاهد استعراض التّاريخ لمخالبه على الشّاشات وهو يحرّكها كالدّمى كما كان عمّك يحرّك ظلّ يديه على الجدران ولعلّك ما زلت تفزع من الظّلّ في الدّاخل ويتنامى رعبك إذا هممت بالفرار إلى الخارج فلا بدّ أنّك ستجد نفسك محاصرا بكلّ “مدّاد إيدو” .

لا تعليقات

اترك رد