الإسقاط الثقافي والاديويولجي على الفلم – ج2


 

لا يخلوا تناول اي حادثة حقيقية سينمائيا وجعلها الثيمة الاساسية للفيلم من إسقاط ثقافي وأيديولوجي ، تبعا لثقافة هذا المخرج او ذاك ، وربما تبعا لما تريده الجهة المنتجة للفيلم .

فعلى سبيل المثال إن التعامل حادثة 11 سبتمبر وضرب البرجين التوأمين ينظر اليها الفنانون كل حسب وجهة نظره وهي نظرة لا تخلو من تأثير واضح لثقافة هذا المخرج او ذاك ، وقد قامت احدى الشركات السينمائية متمثلة بثلاثة منتجين هم ( الآن بريغان ،جاك بيران، نيكولا مورفي) بتكليف 11 مخرجا من 11 بلدا لعمل فيلم من 11 دقيقة عن حادثة الحادي عشر من سبتمبر ، كل بمفرده وبحسب رؤيته للحدث تاركين لهم حرية الاختيار وبحسب تجربة وحس وخلفية المخرج الثقافية والتاريخية والفني وقد وجهت الدعوات الى كل من :-

1. كيــان لوتش الملكة المتحدة

2. كلود ليلوتش فرنـــــــــــــــــــــــــســــا

3. شيـــــــــــــــــتن بين أمـــــــــــــــــــــــريكـــــا

4. غوانزاليز انريتو المكســـــــــــــــــــيك

5. يوسف شاهين مصــــــــــــــــــــــــــــر

6. سميرة مخلباف ايــــــــــــــــــــــــــــــران

7. أدريسا أدويد راووغو بــــــوركينا فاسو

8. ميرا نايير الهنـــــــــــــــــــــــــــــد

9. دانيس تافونيك البــــــــــــــــــــوسنة

10. شوهي ايمامورا اليــــــــــــــــــــــابان

11. جيتاي عاموس إسرائيل

وقد جاءت الافلام على وفق رؤى خاصة بكل مخرج ازاء هذه الواقعة الحقيقية ولكن بإسقاط أيديولوجي وفكري يمثل ثقافة بلد المخرج ونظرة شعب هذا البلد الى الواقعة من خلال وجهة نظرهم الخاصة الى الولايات المتحدة والى نظامها الرأسمالي والى ما تقوم به من حروب في ارجاء العالم ، لذلك كان الواقع الحقيقي واحد وهو ضرب برجي التجارة العالمية ، ولكن الرؤيا الى هذا الواقع تباينت بين مخرج واخر ،فرؤية ” يوسف شاهين ” للحدث اختلفت تماما عن رؤية المخرج الاسرائيلي ” جيتاي عاموس ” كون الموضوع له علاقة بصراع يمتد لعقود عدة بين إسرائيل والعرب الذين لهم موقفهم الخاص من الولايات المتحدة بسبب استمرار تأييدها لما تقوم به اسرائيل في المنطقة . وجاء تناول الواقع في هذه الأفلام على النحو التالي:

ما قدمه المخرج المكسيكي غونز اليز انرتيو هو فلما يستعصي على التجنيس فهو ليس وثائقيا بالمعنى الاكاديمي للفلم الوثائقي، كونه لم يقتصر على التسجيل كما انه لم يعمد الى اعاد بناء للوثيقة ، كما انه ليس فلما روائيا لأنه لم يتضمن حكاية بالمعنى التقليدي للحكاية ، فقد اوغل كثيرا بالترميز اذ عمد الى اظهار لقطة لبرجي التجارة عند اصطدام الطائرة الاولى ثم يظهر الظلام على الشاشة وبعد دقائق تظهر الطائرة الثانية وهي تصطدم بالبرجين وتغط الشاشة ثانية في الظلام ولا نسمع شيء سوى اصوات الاستغاثة ، ثم يظهر على الشاشة شخص وهو يسقط من الطوابق العليا ثم يعود الظلام ثالثة ورابعة وينتهي الفلم بظهور تساؤل باللغة العربية تشير مفاده هل ان دين الله يأمر بذلك .

الفلم فقير من الناحية الفنية وحتى الدلالية ولا يتناسب مع مكانة المخرج غونزاليز انريتو الذي اخرج عدد من الافلام المهمة والكبيرة كفلم ” بابل ” الذي حضي بإعجاب النقاد والاكاديميين والمهتمين، فلا حركة كاميرا ولا رؤية فنية واضحة بل اعتمد على الرؤية الايديولوجية المنحازة التي تعاطت مع الحدث على انه حادثة ليس لها اي جذور ولم يكلف نفسه عناء البحث في الدوافع او المسببات كما انه لم يتناول الموضوع برؤية فلسفية كما فعل كلود ليلوتش او شين بن.

يوسف شاهين حاول ان يقدم رؤية تبريرية من خلال تجسيد شخصية جندي امريكي قتل في بيروت عام 1983 ويدور حوار فلسفي بين المخرج يوسف شاهين الذي جسد دوره الممثل نور الشريف وبين روح الجندي الامريكي، يحاول شاهين اقناع الجندي ان هذه الجريمة تشابه الى حد بعيد جرائم اسرائيل التي تدعمها الولايات المتحدة لذلك نراه يتحدث مع الجندي بغضب ، يبتدأ الفلم بمنع الشرطة الامريكية لشاهين من تصوير برجي التجارة قبل انهيارهما ،وتتوالى احداث الفلم ،فيقود الجندي الامريكي الى بيت الاستشهاديين الفلسطينيين ليتعرف على دوافع الاستشهاد ويبرر لها بلقطات تسجيلية عن الجرافات الاسرائيلية وهي تهدم بيوت الفلسطينيين وتعاملهم بوحشية هم ومن معهم من الذين يساندونهم ، المخرج يوسف شاهين قدم عملا مدروسا من الناحية الفنية مستفيدا من الامكانات التي تقدمها الخدع السينمائية والمونتاج في اختزال المسافة في سير الجندي للقاء شاهين وكذلك عندما يلعب معه الكرة الطائرة حيث يراه المخرج ولا يراه احد من الحاضرين لإكمال الجو العام الذي يتناسب مع التعامل مع روح معنوية وليست مادية، شاهين أراد أن يقول ان العنف لا يجلب سوى العنف لمن يقوم به ولمن يدعمه كذلك .

المخرجة” سميرة مخملباف” تنظر الى الحدث من خلال عيون اطفال افغان يعيشون مع ذويهم في مخيم الافغان في ايران ، والحكاية عن معلمة شابة تحاول اخبار الاطفال ان حدثا مهما ربما سيغير وجه العالم قد وقع في مدينة بعيدة جدا اسمها نيويورك وان الطائرات قد اخترقت البرجين

لكن الاطفال بعفويتهم المحببة يتلقون الخبر بكثير من السخرية والضحك الطفولي كونهم ببساطة لا يعرفون معنى البرج او ناطحة السحاب فتضطر الى محاولة تقريب الصورة بان تصور لهم مدخنة احد معامل الطابوق من الاسفل وكانه بما يشبه البرج في محاولة لتقريب الصورة لدى الاطفال .

رؤية مخملباف ترتكز على ادانة الولايات المتحدة التي ساهمت بشكل فعال في تشريد العوائل والاطفال الافغان كما تدينها ايضا بتهمة الابقاء على الجهل في البلدان الفقيرة والصغيرة .

الموضوع الذي تطرحه مخملباف يتسم بالبساطة ويغرق في الواقعية حتى بدا وكأنه فلم تسجيلي على الرغم من انه فلم روائي ولم تستخدم فيه اية مقاطع من الارشيف التسجيلي ، وقد تساوت حركة الكاميرا مع بساطة الطرح فكانت الكاميرا تتحرك بانسيابية منذ الاستهلال حتى نهاية الفلم مع اعتماد تقنيات سرد متعددة فمرة تكون المعلمة هي السارد ومرة يكون سكان المخيم الافغاني ومرة تتكفل الكاميرا مهمة السرد وبالتالي فقد تعددت مستويات السرد بشكل يكسر رتابة المشاهدة ويغني الفكرة من خلال تدعيمها بمواقف ابناء المخيم المتضررين من الولايات المتحدة الامريكية ، حجوم اللقطات استثمرت بشكل معبر فمرة تؤخذ وجوه الشيوخ الافغان المقيمين في مخيم اللاجئين بلقطة كبيرة لتظهر قسوة الحياة من خلال تجاعيد وجوههم ومرة على وجوه الاطفال لتعرض البراءة المنتهكة بفعل قسوة الحياة في المخيم الذي استعرضته بلقطات عامة لتظهر طبيعته الجغرافية القاحلة .

يقدم المخرج ادريسا ادويدرا ووغو (11) دقيقة ساخرة ، مجموعة من الصبية يقودهم صبي فقير اكبر منهم سنا ( كان قد ترك المدرسة ليعمل بسبب حاجته الى المال ليساعد في علاج والدته المريضة ) يركضون في ازقة” بوركينا فاسو “بحثا عن ( أسامة بن لادن) الذين يعتقدون بانهم سيجدونه في مدينتهم التي يعيش فيها كثير من الملتحين الذين يعتمرون العمائم ، فيحاولون ايجاده والقبض عليه لتسليمه للسلطات الامريكية ويقبضون مبلغ المكافأة البالغ(25) مليون دولار، والسخرية تكمن في ان العقول الصغيرة سترى في كل رجل دين مسلم (اسامة بن لادن) كما تكمن في التساؤل هل بمقدور الجريمة ان تنتشل الشعوب الفقيرة من فقرها ، اعتمد المخرج ادريسا ادويد على حركة كاميرا غير منضبطة فيها كثير من الاهتزازات ليوحي بان كاميرته تسجل الحياة كما تفعل في الافلام الوثائقية او تبدوا وكأنها صور بالكاميرا المنزلية لتكريس فقر الحياة في بوركينا فاسو ومثيلاتها من البلدان واعتمد اللقطات العامة كونها اقدر على تصوير مساحات واسعة ليتمكن من عرض بؤس المدينة البوركينية ويعرض اكبر عدد ممكن من الناس الفقراء.

المخرجة “ميرا نايير” اختارت حكاية حقيقية وقعة لأسرة باكستانية تعيش في مدينة نيويورك ، هذه العائلة تتبلى باختفاء ابنها يوم (11) سبتمبر ، ويبدأ المحققون الامريكيون بنسج اتهامات لهذا الفتى وضلوعه في العمليات الانتحارية التي استهدفت ابراج التجارة ولكن لاحقا يتبين ان الفتى قد مات وهو يحاول مساعدة بعض المصابين داخل احد الابراج المنهارة ليتحول من مجرم مدان الى بطل قومي ،لقد عبرت ميرا نايير عن رؤية تدين بها العقلية الأمريكية التي تسيء الظن بالإسلام والمسلمين وتجردهم من الانسانية وتصورها المسبق بان الاسلام دين جريمة وارهاب.

يتحدث المخرج “البوسنيانيس تانوفيك” عن فتاة بوسنية تتظاهر كل اسبوع مع عدد من المتظاهرين من اجل ايصال صوت عوائل من ماتوا في الحرب الاهلية البوسنية التي دمرت بلدها الى مسامع العالم من خلال وسائل الاعلام ولكن دون جدوى، فيصادف قيادتها لإحدى المظاهرات

مع ضرب وانهيار البرجين حيث تتحول انظار الاعلام حيث وقعت الهجمات ، لكن الفتاة تصر وتتظاهر من اجل ضحايا بلدها.

الفلم يقوم على رؤية تؤكد ان المأساة هي المأساة اين ما تحل وتؤكد كذلك على التفاوت الدولي الكبير الذي خلقته الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة ، لذلك جاء الفلم ليصور الحياة الباهتة والمليئة بالمعاناة لسكان البوسنة وليصور فقدان الامل والاحباط الذي تعاني منه البلدان النامية.

المخرج الياباني “شوهي ايمامورا” يستوحي قصة فيلمه من حكاية خرافية اسمها (الرجل الافعى) وهكذا نرى الشخصية الرئيسية في الفلم زاحفا على الارض طيلة الوقت وهو الذي افنى عمره في خدمة الامبراطور ، لقد تحول الى افعى زاحفة ، وكما تفعل الافعى فانه يلتقط جرذا بفمه ويبتلعه على طريقة الافعى .

المخرج شوهي ايمامور قدم رؤيته السينمائية ليعلن من خلالها صرخته او فلسفته القائلة بان (ليست هنالك من حرب مقدسة ) وهي الكلمة التي يطلقها الجندي العائد من الحرب الكونية فاقدا عقله ولكنه ينطق بحكمه ، لم يوظف ايمامورا اي مقطع فلمي يوثق الحادثة الا انه وظف الحادثة ذاتها لإيصال فكرته الرفضة للحرب الكونية اعتمد صور الحرب الكونية وعلى لقطات كتلك التي تظهر في تصوير مراسلي الحروب حيث صورت بكاميرا مهزوزة ولقطات في الغالب عامة لتظهر معاناة الجنود من خلال استعراض جغرافية المكان الوعر وكثافة الادغال.

يطرح المخرج “عاموس غيتاي” فيلما يمثل نموذجا قياسيا لتأثير الانتماء العقائدي والايديولوجي حيث جعل من الحادثة مناسبة للربط بين تفجير برجي التجارة وعملية استشهادية جرت في احدى مدن فلسطين التي تسيطر عليها اسرائيل ، وقد كان فلما ضعيفا شكلا ومضمونا فقد اختار عاموس حياة مراسلة تلفزيونية تجد صعوبة في نقل احداث تفاصيل تلك العملية الاستشهادية بسبب إن انظار العالم تتجه نحو حدث اكبر واهم هو انهيار برجي التجارة العالمية ، معتمدا على تصوير اراد له ان يبدو تسجيليا إذ ارادت أن هؤلاء المجرمين يرتكبون الجرائم في كل مكان وربما يكون تفجير برج التجارة هو الجريمة الاكبر.

اذن كانت الحادثة واحدة واتخذت كثيمة لكل الافلام الاحدى عشر ، ولكن كانت هناك احدى عشر رؤيا مختلفة لهذه الثيمة وطريقة تناولها تبعا لثقافة وايديولوجيا هذا المخرج او ذاك .

والسؤال هل كانت السينما ومنذ اختراعها امينة في تناول الاحداث الواقعية والحقيقية؟

لا تعليقات

اترك رد