إرث تحمله الأمكنة


 

هل تخيّلتَ نفسك يوما تسكن عمارة السّيليكون ذات البلّور الشفّاف حيث يبينُ كل شئ في الداخل من أثاثك إلى لباسك إلى تفاصيل يومك ؟ لا شك وأنك أنت العربي ّعموما والمسلم تحديدا ابن هذا الفضاء الجغرافي ّ ستنفرُ الأمر قليلا ، أنت ابن الشرق حيث البيت العربي ذو الطراز الإسلامي ّ التقليدي ّ صُمّم خِصّيصا حتى لا يبين شئ .. بيت محكم الإغلاق من الخارج يكاد يــُكتفى فيه بباب فقط يــُفتح على الأزقة والأحياء أمّا كل منافذه فتفتح على فِناء داخلي ّ حيث الهواء والنور ، وحيث حركة آل البيت وصخبهم لا تظهر لأحد ، وسواء كان ذلك البيت باذخا مُطعّما بالرخام بنافورة أو فسقية يترنّم فيه الحمام الزّاجل ، أو كان بيتا للفقراء بسيطا بلا زخرف ، يبقى البيت المغلق على الخارج هو نفسه في هندسته العامة . ذلك البيت ، بعضنا يسكنه ، وبعضنا يحمله إرثا ثقافيا في رأسه ، وبينه وبين عمارة السّيليكون الشفافة عالم لا تلتقي أطرافه . إنها ثقافةحضارتين أمعنت إحداهما في التحفظ ، وأوغلت الأخرى في مد ّ الجسور . وليس الفارق معماريا إذن ، إنما هو جزء من نظرتنا لذواتنا وحرمتها ونظرتنا للآخر الغريب وطريقة حضوره فينا .ذلك البيت الذي صُمّم على أساس حفظ الحرمة من جهة والخصوصية من جهة أخرى ،يحمل ذلك الإرث العربي الذي دعمه الإسلام وهو الستر والتستّر . .بل أبعد من ذلك تحضرني في هذا السياق قراءة طريفة للبيت العربي للكاتب السوري عفيف البهنسي المتخصص في تاريخ الفن والذي ذهب في كتابه ” خطاب الأصالة في الفن والعمارة ” إلى ما يتجاوز مفهوم الحرمة وصون الذات عندما اعتبر أن البيت العربي ذي الطراز الإسلامي ّ بجماله وزخرفه الداخلي وببساطته وتواضعه من الخارج يجسّد قيمة إسلامية هي عدم التباهي والتواضع ، فكان جنة داخلية مغلقة . وقياسا على هذه القراءة يمكن تمثّل صورة المرأة في الإسلام صنوا لهذا البيت ، أجاز لها الإسلام أن تتخذ زينتها ، ولكن أن تحفظها من أعين الرقباء والأغراب ، إنها جنة أخرى وحرمة أخرى حيث ينغلق على ذلك الجمال باب موصد آخر وإن كانت مادته قماشا .تلك المرأة ، وذلك البيت ، ينهلان من معين ثقافي ّ واحد .

هذا البيت العربي بكل تحصيناته وبما خفي من زينته وما ظهر ،يبدو اليوم وكأنه في طريقه إلى الزوال ، ففي كلّ بلد عربي توجد منطقة هي غالبا قلب المدينة تتم تسميتها الحيّالعربي ، أو المدينة التقليدية أو المدينة العتيقة أو ما شابه ذلك من أسماء . وتحيط بهاالمباني الحديثة والمستحدثة وتحاصرها من كل جانب . صورة مجازية غير مقصودة لحضارة محاصرة . العمارات التي تعتمد على الواجهات الزجاجية بدأت تزحف ، والنوافذُغيّرت وجهتها فهي مــُشرعة غالبا على الخارج بل أضيفت إليها الشرفة ، والشرفة هي ذلك المكوّن المعماري العجيب الذي ينتمي إلى البيت ، ولا ينتمي . وكأن خروجه قليلا عن مستوى مساحة البيت يؤذن برغبة جامحة في الانعتاق من العوالم المغلقة . ومع ذلك الخروج ينتقل احتساء القهوة والسجائر وأكل الحلويات إلى هناك ، عالم صغير يمدّ الأواصر بين البيت والشارع ،ويمدّ معه متساكنوه رغبة عارمة في الانفتاح على الخارج لا يمكن حصرها أبدا في مجرد الرغبة في الحصول على الضوء والنور اللذان لم يعدمهما البيت العربي ّ يوما بفنائه الواسع .إن تلك النقلة من بيت عربي ّ محكم الإغلاق سكنه الجميع عبر الأجيال إلى مبان مستحدثة تشرع منافذها على الخارج ، إيذان بخصوصية حضارية انحسرت وفرّط فيها أهلها طوعا أو كرها بكل ما تحمله من تحولات قيميّة . .

لا شك ّ إذن وانطلاقا من هذا المدخل الموجز والمختصر أن الطراز المعماري المُحتذى ينبئ بنوع الثقافة التي أصبح عليها الناس .ولا شك أيضا أن العلاقة بالمكان، فيها من تجليات الثقافة والعقيدة أكثر مما تبدو عليه . ولذلك يبقى هناك سؤال مُشرع حول علاقة العرب بالمكان قديما باعتبارهم بدوا رُحّلا ، هل أن فكرة الرحيل الدائم عن أمكنة لم يستوطنوها إلا قليلا ، في خيام تــُنزع على عجل ، قد حمل إرثا ارتحل إلى مستقبلهم ، وأثر في نظرتهم للمكان وفي قابليتهم لأن تكون لهم أوطان يحبونها بما يكفي ،ويستوطنونها بما يكفي ، ويبنونها كما ينبغي ؟

لا تعليقات

اترك رد